مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-12-08

قوة الندرة

اعتادت أذاننا على سماع نوعين من القوة المستخدمة في التأثير على الدول وكذلك على الرأي العام العالمي وهما: القوة الصلبة أو الخشنة والتي لخصها المفكرون في القوة العسكرية بشكل خاص. والنوع الثاني هي: القوة الناعمة، التي صاغها أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، جوزيف ناي.
 
 وهي تعتبر اليوم من أفضل أنوع القوى المستخدمة في تحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول إما بسبب النتائج الكارثية التي تتركها القوة الخشنة ليس فقط على الدول المستهدفة بل وهي الدول التي تستخدم هذه القوة أو لأنها الأكثر إقناعاً وكسباً للقلوب، فبرزت الكثير من الدول في هذا المجال منها الجانب الثقافي أو التعليمي مثل الولايات المتحدة وبريطانيا باعتبارهما يمتلكان أرقى الجامعات، وبرزت الهند في صناعة الأفلام والسياحة الدينية وكذلك تركيا. أما دولة الإمارات فقط برزت في الجانب المساعدات الإنسانية واليوم هي تبرز في الجانب السياحة الثقافية من خلال الجامعات والمتاحف والمعارض.
 
لكن الجديد في أنواع القوة الناعمة التي أخذت أشكال مختلفة وكثيرة هي: قوة الندرة، فمع أنه تم طرحه مع بداية السبعينات، من قبل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الدولة، وتحديداً تم استخدامه في حرب 1973 ونجحت هذه القوة وهي قطع البترول عن الدول التي ساندت إسرائيل في حربها مع مصر وحققت الدول العربية يومها أول انتصار ضد الغرب وإسرائيل وباتت مسألة استخدام النفط العربي في تلك الحرب فكر استراتيجي يدرس في المعاهد العسكرية والجامعات لكن دون أن تخضع للتأصيل النظري والأكاديمي لـ»مفهوم قوة الندرة» كما تم طرحه في ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس الذي نظمه «مركز الإمارات للسياسات»، مؤخراً، على اعتبار أن النفط هي بجانب أنها تثير الأطماع على الدول الخليجية فإنها يمكن أن يكون سلاح استراتيجي يمكن استخدامه بشكل فعال.
 
رغم كل الاجتهادات التي تبذل وبذلت خلال فترة العقود الأربع الماضية لإيجاد بدائل البترول أو التقليل من الاعتماد على النفط الخليجي من خلال السعي إلى اكتشافات جديدة إلا أن البترول الخليجي ما زال يمثل قوة الندرة على مستوى العالم ويمكن لأبناء المنطقة الاستفادة منه في تحقيق أهداف سياستهم الخارجية التي هي اليوم تبدو مؤثرة في العديد من الملفات الإقليمية والدولية.
 
كانت الناس عندما تسمع مصطلح التأثير والنفوذ أو خضوع دولة تحت تأثير دولة أخرى والانقياد لمواقفها تتوقع تلقائياً أن تكون القوة العسكرية وراءها لكن اليوم التوقعات لم تعد تصح اليوم، فالقوة ليست الصلدة أو الخشنة بل باتت أسوأ أنواع القوة وأكبر مثال على ذلك الفارق بين النظام الإيراني فهي دولة تمتلك كل أنواع القوة الخشنة التقليدية والتدميرية ولكنها ليس لها تأثير على فعل الدول بل إنها في خلاف مستمر مع باقي دول العالم في حين أن الهند مع أنها تشترك مع إيران في أنها في قارة آسيا لكن طبيعة التأثير والاستفادة المتبادلة مختلفة، الأولى لها حضورها الإقليمي والدولي والكل يريد التعامل معها والأخرى لا أحد يتفاعل معها مع أنها واحدة من الدول ذات حضارة إنسانية.
 
لم يعد السباق على امتلاك الأسلحة النووية والتدميرية معناه القوة والتأثير بل هي عنصر عبء على ميزانيات الدول خاصة ذات الطموحات السياسية بل تتسبب في معاناة شعوبها في كثير من الأحيان كما أن القوة الخشنة فقط دون لن يؤدي إلى أي تأثير للدولة في النظام العالمي، روسيا خير مثال في مقابل أن قصة نجاح دولة مثل تايلند في السياحة العلاجية كافية لاستقطاب الرأي العام العالمي التأثير فيهم. بمعنى آخر لم يعد إرسال الجنود لاحتلال أرض الغير ضروري لأن يؤدي إلى التأثير على موقف الدول بل يكفي التأثير على اتجاهات الرأي العام من خلال منع سلعة ما تعتبر نادرة في العالم لتحصل على ما تريد.
 
في أوقات التفاوض والتأثير على مواقف الدول تكون السلعة النادرة سلاح نافذ إذا ما استخدمت بالشكل المناسب، والبترول قد يبدو أن عامل تهديد لاستقرار الدول ولكن في الجانب الآخر منه أداة ضغط وإجبار الطرف الثاني على التنازل عن مواقف معينة.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-08-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2017-06-12
2013-01-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره