مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-04-30

قضايا استراتيجية: تصور الوقت

يمثل تفعيل دور الاستراتيجية أثناء الأزمات تحدياً جوهرياً  للقادة. لكن حتى لو توافر الفهم الراسخ للمبادئ الاستراتيجية الأساسية، يبقى من الصعب دوماً على القادة وضع الخطط موضع التنفيذ في عالم يسوده الغموض والتقلب. ويُعَدّ "الوقت" من بين أشد القضايا تحدياً، ويعتبره البعض الأشد شمولاً، ويتعين إدارته أثناء التنفيذ. كان الشاعر الروماني "أوفيد" يقول باستمرار إن الوقت "يلتهم كل شيء"، ومع ذا يبقى الوقت أبعد ما يكون عن الفهم من بين جميع مكونات الاستراتيجية الفعالة.
 
 
الوقت هو التقدم الكمي للأحداث من الماضي إلى الحاضر، ثم إلى المستقبل، ويتم قياسه بأدوات مثل التقاويم والساعات. والأهم من ذلك أن الوقت ضروري لتسلسل الأحداث، ولمقارنة مدة الأحداث أو الفترات الفاصلة بينها، وتحديد معدلات التغيير. ومع ذلك فغالباً ما يصعب تفعيل الوقت من المنظور الاستراتيجي. يكمن السبب أحياناً في التهديد الذي يمثله كيان آخر (دولة أو جماعة أو مرض) لا يتبع معياراً زمنياً متفقاً عليه (أياماً أو أسابيع أو أشهر). وفي بعض الأحيان يخدع مصدر التهديد خصمه عن عمد فيما يتعلق بأهدافه الزمنية (كأن يقول إن العمل  ليس موضع اهتمامٍ فوري ولكنه ما يلبث أن يقوم برد الفعل دونما تأخير). وفي حالات نادرة، يكون التهديد جديداً للغاية بحيث لا يمكننا التكهن إلا بكيفية تأثير الوقت على مساره.
 
 
يعدّ فيروس كورونا المستجد مثالاً جيدًا: إذْ لم يعرف أحدٌ كم من الوقت سيبقى يصيب الناس أو إلى متى سيظل معدياً. وقد تعين على قادة كل دولة على وجه الأرض أن يضعوا افتراضات حاسمة حول الوقت الذي سيستغرقه فيروس كورونا المستجد ليصل إلى سكانهم والوقت الذي سيؤثر خلاله الفيروس في شعوبهم وفي أنظمة الرعاية الصحية في دولهم. وما زلنا غير متأكدين حتى الآن حول ما إذا كانت هذه هي الدورة الأولى لتفشي الفيروس من بين عدة دورات محتملة، وما إذا كان سيتكرر انتشاره عدة مرات؛ فالوقت يمضي، وعلينا أن نضع فرضيات.
 
 
بمجرد أن نفهم مدى صعوبة التعامل مع الوقت أثناء الأزمة، يصبح من السهل فهم السبب الذي يجعل قادتنا الأكثر تأثيراً يدعون إلى الإبداع في التفكير الاستراتيجي والمرونة في التخطيط الاستراتيجي. فالدول التي أبدت ردود فعل مناسبة تجاه الفيروس وضعت بافتراضات أفضل حول الوقت، وتصرفت بسرعة أكبر لإدارة القضايا. أما القادة الذين وضعوا سياسات غير مرنة أو غير متكاملة ولم يتكيفوا مع توسع الفيروس، فقد أهدروا موارد وأرواحاً ثمينة. ونجد أن دولة الإمارات، التي تُعدّ الأولى في المنطقة التي تعرضت لفيروس كورونا، وتتميز بمجتمع منظم للغاية وقيادة مرنة قادرة على التكيف، قد تصرفت بسرعة بإجراء الفحوصات والمراقبة، وسنّت سياسات حازمة، ولكنها تتسم بالمرونة وتتناسب مع حجم الجائحة، وبذلك وجدت مساراً فعالاً أنقذ الأرواح. وعلينا الآن أن ننتهز الفرصة لفهم كيف أثر الزمن في استجابتنا لهذه الجائحة وفي تعديل تفكيرنا الاستراتيجي لضمان أنه عندما يصل تهديد غير متوقع مماثل إلى أرضنا في المستقبل (لأنه سيحدث) يمكننا أن نفهم ونتفاعل بشكل أكثر فاعلية .
 
 
وبالنظر إلى أن بيئتنا العالمية تزداد تعقيداً أكثر من أي وقت مضى، يتعيّن على القادة الاستراتيجيين الحرص على أن يضعوا في اعتبارهم الوقت ويتعاملوا معه بشكل مناسب بما يخدم أفضل المصالح لمواطنيهم ويحافظ على الرخاء الوطني. وبما أنه لا يوجد إجراءان دوليان متماثلان تماماً، قد يتطلب الوقت مقاربات مختلفة في ظروف مختلفة، لكن تبقى إدارتها بحكمة شرطاً أساسياً للنجاح، ولا سيما لدولة تتميز بمشاركات عالمية مثل الإمارات العربية المتحدة.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-09-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره