مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2021-04-04

عـودة الدولة

إن من أهم ملامح النظام الدولي لفترة جائحة كوفيد-19 هو عودة الدور القوي للدولة في إدارة التفاعلات الداخلية داخل الدول والخارجية فيما بين الدول. فالحديث الذي كان يدور في أروقة دراسة العلوم السياسية حول حال الدولة كان دائماً ما يتأرجح بين دعاة الدور الضعيف ودعاة الدور القوي للدولة في تسيير التفاعلات القائمة.
 
 
فدعاة الدور الضعيف للدولة كانوا دائماً ما ينتقدون تدخل الدولة في إدارة التفاعلات ويعتبرون أن تلك التدخلات تعقد الأمور وتضعف المردود الذي يمكن أن يُقدم للمواطن. دعاة هذا الرأي من أمثال الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر كانوا يدعون لدور أقل للدولة وتقوية دور القطاع الخاص في إدارة شؤون الدول، أي التوجه نحو الخصخصة كسبيل للتقليل من دور الدولة باعتبار أن الدولة كما قال عنها ريغان «هي المشكلة وليست الحل». أما عن دعاة الدور الأكبر للدولة فهم لا يثقون في القطاع الخاص كثيرا باعتبار أنه يُحابي أصحاب رأس المال، وأنه لا ينظر إلى إيجاد حلول سريعة للمشكلات والأزمات التي من شأنها أن تعصف بحياة الانسان. 
 
 
كانت نظرة أصحاب التقليل من دور الدولة حاضرة وبقوة في التفاعلات السياسية لاسيما في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، إلا أن القرن الحادي والعشرين عكس بروز أكبر وواضح للدولة في التفاعلات السياسية ولاسيما مع بروز الأزمات والمشاكل العالمية. فعندما وقعت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 برز دور الدولة في مواجهة تلك الأزمة القوية التي أوضحت ضعف البنية الاقتصادية القائمة على الاعتماد على القطاع الخاص وفلسفة الخصخصة الاقتصادية. فسقوط شركات كبرى أدى بأضرار جسيمة للمواطنين الذين لم تستطع تلك الشركات ضمان وسيلة عيشهم. فكان لابد للدولة أن تتدخل وتبرز باعتبارها المخلص من تلك الأزمات والمشاكل أو الطرف القادر على مساعدة أولئك الذين لم يجدوا من يقف معهم ويساعدهم ممن تضرروا من سقوط شركات القطاع الخاص. 
 
 
واليوم ومع جائحة كوفيد-19 تبرز الدولة بشكلها القوي باعتبارها السند الحقيقي الذي يمكن أن يعتمد عليه المواطن في ضمان سلامته من خطر مثل هذا الوباء. فشركات القطاع الخاص وقفت عاجزة عن فعل شي يمكن ان يجلب الطمأنينة للمواطن وضمان سلامته ومعيشته، فما كان إلا من الدولة أن تخرج إلى العلن وتكشر عن أنيابها ببرامج تحفيزية للاقتصاديات المنهارة أو شبه المنهارة وأن تقف في مواجهة الخطر الوبائي الذي أصبح يهدد حياة المواطنين. فالدولة العميقة أو الكبيرة التي كان ينتقدها الرئيس رونالد ريغان ومن يؤمن بذلك الفكر أثبتت أنها هي المخلص الوحيد والمنقذ للمواطن الذي أصبح غير قادر على الاعتماد على أحد سوى الدولة. حتى أن مفهوم الاعتماد المتبادل العالمي الذي كان ينادي به أصحاب الفكر الليبرالي وقف عاجزاً عن تقديم الدعم للمواطن في مواجهة الوباء، وتُركت العديد من الدول لتلاقي مصيرها لوحدها من دون مساعدة فعلية من الدول الأخرى. 
 
 
إن جائحة كوفيد-19 تؤكد على الدور الأبرز للدولة والتي لا يمكن أن يتم تجاوزها لصالح نظريات قد تأتي بنتائج إيجابية لفترة معينة ولكنها غير قادرة على إيجاد الحلول ومواجهة المشاكل الكبيرة التي تواجه المجتمعات. فنحن اليوم أمام عودة حقيقة لدور الدولة القوي في التفاعلات العالمية، فالشعوب أصبحت أكثر ثقة في حكومات دولها من أية جهة أخرى تدعي تقديم المنفعة العالمية المشتركة. بمشاهدة مؤشر الثقة في الحكومات والذي تجريه بعض المؤسسات العالمية مثل مؤشر الثقة في الحكومات التي تجريه مؤسسة Edelman Trust Barometer فإن الدول ذات الدور المركزي القوي لحكوماتها تتمتع بثقة أكبر من قبل شعوبها في إدارة الأزمات. كما أن العديد من المؤشرات الأخرى لدراسة الثقة في الحكومات تشير إلى أن ثقة الشعوب في الدول أصبحت أكبر مع جائحة كوفيد- 19 عن ما كان عليه الأمر قبل ذلك. كل ذلك يعكس نتيجة هامة ومحورية وهي أن عالم ونظام كوفيد- 19 قد خلق مكانة أقوى للدول وحكوماتها في التعامل مع الأزمات والمشاكل الدولية. 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2021-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-06-09
2013-01-01
2014-11-02
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره