مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2020-11-08

صفقة وصفعة الـ F-35

الاستراتيجيون يفهمون جيداً الدور الذي تلعبه إستراتيجية التوازن في القوة كأداة لحفظ الأمن والاستقرار في العلاقات الدولية. فالدول لا سيما المتنافسة والمتخاصمة مع بعضها البعض تسعى إلى خلق توازن عسكري فيما بينها بهدف خلق قوة ردع وتأثير على القرار السياسي لكل طرف على الآخر. ولعل منطقتنا الخليجية بها من التخاصم الاستراتيجي ما يجعلها بؤرة للتنافس حول تحقيق التوازن في القوة. ولطالما أن إجراءات خلق الثقة غير متوفرة بين الدول فإن التنافس الاستراتيجي لتحقيق التفوق العسكري مستمر. 
 
 
إن سعي دولة الإمارات العربية المتحدة لامتلاك المقاتلات الأمريكية من طراز F-35 هي احدى الإجراءات التي تجسد حالة التنافس الاستراتيجي في المنطقة الخليجية. فهذه المقاتلات تُعتبر من أكثر طائرات الجيل الخامس تطوراً، ولا يضاهيها في تطورها - لاسيما في مجال التخفي - سوى شقيقتها الـ F-22 المقاتلة. هاتان المقاتلتان قادرتان على أن تصول وتجول في السماء كيفما شاءت من دون أن تتمكن أجهزة الرادار المتقدمة من كشفها وتعقب حركتها! قوةٌ استثنائيةٌ بلا شك، تُعطي الأفضلية لكل من يمتلك مثل هذا السلاح في مواجهة الجيوش النظامية. لذلك تتوجس الدول دائماً من حصول أطراف خصمة لها لمثل هذه التكنولوجيا المتقدمة. 
 
 
في منطقتنا الشرق أوسطية لا تمتلك هذه القوة سوى إسرائيل، التي لديها مقاتلات من طراز F-35 والتي عملت مع الولايات المتحدة على تطويرها. فإسرائيل تمتلك التفوق الجوي في المنطقة بأكملها. 
 
 
 
لذلك من المنطقي جداً أن تتحسس إسرائيل من أية دولة تسعى لامتلاك مثل هذه القدرة، لأنها ستكسر تفوقها على سائر دول المنطقة في الجو. فإذا ما تمكنت دولة الإمارات العربية المتحدة من الحصول على هذه المقاتلات فإنها وبلا شك ستكون الدولة الثانية في الشرق الأوسط التي تمتلك مثل هذه التكنولوجيا، وستشارك إسرائيل في التفوق العسكري الجوي. ويا لها من صفعةٍ استراتيجيةٍ للخصوم. 
 
 
إيران تدرك بأن سلاح الجو الإماراتي الحالي أكثر تطوراً من سلاحها الجوي، وأن حصول الإمارات على مقاتلات F-35 سيعزز بشكل أكبر هذا التفوق، لذلك نجدها تلعب على تأجيج المشاعر نحو التقارب الإماراتي الإسرائيلي باعتباره الأداة التي يمكن أن تنجز هذه الصفقة. ولعل الشغل الشاغل لإيران ليس حصول الإمارات على مثل هذه التكنولوجيا، رغم أنها تعمل في الخفاء من خلال أذرعها الضاغطة في كل مكان لإبراز أن مثل هذه الصفقة لن تفيد الاستقرار في المنطقة بل ستعزز من سباق التسلح، لكنها تعمل على تطوير قدراتها الصاروخية الباليستية المختلفة وتطوير برنامجها النووي كوسيلة للردع وتحقيق التوازن وربما تحقيق التفوق. واليوم تدخل قطر أيضاً على خط المنافسة. فقطر أحست بأن توازن القوة سيميل بشكل كبير في اتجاه دولة الإمارات إذا ما تمكنت أبوظبي من الحصول على المقاتلات الأمريكية. وبغض النظر عن إذا ما كان دخول قطر على الخط من خلال طلبها شراء هذه المقاتلات هو برغبة قطرية كاملة أو بوازع وتأثير تركي أو إيراني، فإن ذلك يعني أن قطر ومعها تركيا أيضاً متوجسة كل التوجس من تحقيق الإمارات للتفوق العسكري الجوي على حسابها. الخطوة القطرية جاءت لإحداث ربما نوع من البلبلة في واشنطن للإخلال بإتمام الصفقة الإماراتية-الأمريكية. 
 
 
قطر ومن وراءها تركيا لا تريد للإمارات امتلاك هذه القدرة، وبالتالي لا تمانع من إحداث مثل هذه البلبلة التي في وجهة نظرهم قد تعقد عملية السير في اتمامها. هذا الهدف تضعه قطر ومن وراءها تركيا وإيران في صلب توجهها هذا، خاصة وهي تعلم كل العلم بأن طلبها للحصول على مثل هذه المقاتلات لان يحصل على الدعم الكبير لا في واشنطن ولا في إسرائيل بسبب علاقاتها القوية مع كل من طالبان والقاعدة وداعش وحماس وتنظيم الإخوان المسلمين وحزب الله وتركيا وإيران. 
 
 
في السياسة الكل يملك أوراق للتأثير، ولكن الأبرز هو من يستطيع ان يستثمر تلك الأوراق لمصلحته في الزمان المناسب والطريقة المناسبة. واعتقد أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد نجحت في استثمار أوراقها في واشنطن في الوقت المناسب والطريقة المناسبة لتحقيق ليس فقط صفقةً إستراتيجيةً بل أيضاً صفعةً للخصوم.       
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2020-11-08 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-06-09
2016-07-13
2013-01-01
2017-06-12
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره