مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-04-01

شخصية القاضي وثقافة التغاضي

لم يشغلني موضوع مؤخرا بقدر ما أشغلني موضوع العلاقات الإنسانية وتطورها والمراحل المختلفة التي قد تمر بها لتصنفها فيما بعد وتضع قواعد معينة لتنظيمها حسب التصنيف الخاص بها والذي في الغالب يضعه الأطراف التي شكلت هذه العلاقات. ومن هذه العلاقات ما يمكن أن يستمر لفترة زمنية طويلة بين الأطراف التي كونتها وحرصت على الحفاظ عليها رغم الاختلافات التي في الغالب تكون وراء العمر القصير لعلاقات أخرى. 
 
 
وما دفعني حقيقة إلى اختيار موضوع هذا المقال هو الكتاب الأخير للكاتب والشاعر والأديب عباس محمود العقاد بعنوان (أنا) وهو كتاب رائع صاغه الكاتب بأسلوب ممتع يجعلك ملتصق به لدرجة الانعزال عن محيطك من أجل ان تنهي قراءته ومعرفة سيرته الذاتية التي لخصت ما يجول في حياتنا!، ولعل أحد الأسباب التي جعلته ممتعا هو قدرته على إثارة العديد من التساؤلات حول المواقف التي تمر بنا وتربطنا بالأشخاص ممن حولنا سواء في أحداث يومنا او على امتداد سنوات عمرنا، تساؤلات حول الطريقة التي ينظر بها كل منا إلى نفسه وإلى الآخرين وكيف اننا أحيانا نعطي أنفسنا الحق والثقة في تفسير سلوكيات الآخرين وبناء قرارات نهائية اعتمادا على نتائج هذا التفسير! دون ان نضع احتمال ولو واحد بالمائة ان هذا التفسير قد يكون خاطئ!  ودون تحكيم عقلنا وتغليب المنطق أو حتى تمرير هذا التفسير على عذر واحد لهؤلاء الذين قد يكونون ضمن دائرة علاقاتنا المقربة أو البعيدة! فكلاهما أصبحوا سواسية رغم ان “ النضج الحياتي” يعطي للمقربين منا أولوية فهم سلوكياتهم وتجاوزها ان كانت سلوكيات لم نعتدها وبدرت منهم في مواقف محددة! 
 
 
الأدهى والأمر اننا تجاوزنا مسألة تفسير سلوكيات الآخرين الى مسألة متقدمة وهي ادعاءنا اننا قادرين على قراءة ملامح وجوههم لننصب بذلك أنفسنا (قضاة) نحكم على الآخرين لكن دون دليل قاطع او تريث في الحكم! ولعل ذلك يعزي وجود الكثير من العلاقات الهشة بين الأشخاص الأمر الذي يجعلها قابلة للانكسار عند أبسط موقف!. وإذا ما أردنا ان نقف على حقيقة غياب ثقافة تقبل الآخر يكفينا ان نتجول في العالم الافتراضي لشبكات التواصل الاجتماعي لنجد بيئة مليئة بقضاة افتراضيين يلقون بحكمهم على من يشاؤون، مستندين في حكمهم على صور وفيديوهات ونصوص لمستخدمين آخرين لم ترقى الى ذوقهم واستفزت عقدهم النفسية لتصل بهم الى عدم الاكتفاء بالإساءة الى الآخرين بل قد يتجاوز الأمر ليصل الى ما يمكن ادراجه ضمن الجرائم الالكترونية التي يعاقب عليها القانون. 
 
 
خلاصة القول، ان التدقيق على تصرفات الآخرين وتأويلها بشكل سلبي تعزز-للأسف- في وجود الاستخدام المتزايد والخاطئ لشبكات التواصل الاجتماعي والتي وفرت أغلبها جدارا افتراضيا يتخفى وراءها المدققون بشكل هدد وما زال يهدد استمرار علاقاتنا الحقيقية. لذلك أعتقد ان إدراك اننا نخسر علاقاتنا بالتدقيق ونربحها بالتغاضي هي مسألة ثقافة تكتسب من خلال عناصر تنشئتنا الاجتماعية وأولها وأهمها الأسرة. وعلى عكس ما قد يعتبره البعض في ان التغاضي ُيعبّر عن ضعف الشخص وقلة حيلته وعدم قدرته على تنظيم علاقاته مع الآخرين، هي ثقافة يجب على الشخص معرفة متى وكيف يوظفها لأنه بذلك يصنع الفارق في العلاقات والتعامل مع الآخرين وهو بلا شك دليلا على الذكاء الاجتماعي ونموذجا للحكمة والعقل. 
 
 
السطر الأخير...
« أن العواطف المزيفة أروج في هذه الدنيا من العواطف الصحيحة؛ فلا أسف إذن على رأي الناس في الناس، ولا اعتداد إذن بما ُيقال ومن يقول ...» عباس محمود العقاد 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-12-20
2014-12-23
2016-12-04
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره