مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-12-12

شبكات التّواصل الاجتماعي وإشكالات الأمن الرّقمي

أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي فرصا وإمكانات مذهلة أمام جيل الشباب على مستوى التواصل والتعبير عن الآراء والتوجهات المختلفة، فقد أضحت  هذه الشبكات منابر للمرافعة والدفاع عن الحقوق والحريات والتحسيس بعدد من المشكلات في أبعادها وتجلياتها المختلفة، تحولت معه من تقنيات للتواصل إلى قنوات مؤثّرة وضاغطة.
 
ثمّة الكثير من العوامل التي أسهمت في تمدّد وتزايد الاهتمام بهذه الشبكات التي تجاوز حضورها وتأثيرها حدود الدول، فعلاوة على التطور التكنولوجي وما يحيل إليه الأمر من توفير برامج وتقنيات في هذا الخصوص، أتاحت هذه الشبكات توفير المعطيات والمعلومات بالصورة والصوت والفيديو.. بالإضافة إلى السهولة المتوفرة على مستوى الآنية والانتشار الكبير والمقروئية المكثّفة، وتشير الإحصائيات والدراسات الميدانية إلى توجه فئة واسعة من الشباب نحو استثمار هذه الشبكات على مستوى التنفيس والتعبير عن الذات..
 
أتاحت هذه الشبكات إطلاق عدد من الحملات الحقوقية والإنسانية، أثرت بشكل كبير في توجهات الرأي العام الوطني والدولي..، كما تمكّنت من تفجير مجموعة من الملفات والقضايا.. وصلت أصداؤها إلى صانعي القرار الذين لم يجدوا بدّا من التجاوب أو التفاعل معها..
 
كما أسهمت في كثير من الأحيان في التّحسيس بمعاناة فئات مجتمعية، وسلّطت الضوء على الكثير من الإشكالات التي لم تحظ باهتمام الوسائط الإعلامية التقليدية أو القنوات الوسيطة من أحزاب وفعاليات مدنية.. 
 
تشكّل هذه الشبكات فضاء لترسيخ حرية التعبير وتنوّع الآراء بصدد مختلف القضايا، خصوصا وأنها تعجّ بالمواقف والآراء المتباينة. وينبثق استثمار هذه الشبكات من الحق في الاتصال والإعلام كحقّ من حقوق الإنسان التي تضمنها الدساتير والتشريعات الداخلية والمواثيق الدولية (المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية..)، في ارتباط ذلك بحقّ الفرد في الاتصال والولوج إلى المعلومات والاستفادة من تكنولوجيا الاتصال الحديثة..
 
لا يخلو استعمال هذه الشبكات من تحديات وصعوبات تعكسها الانحرافات التي تطبع توظيفها على مستوى المسّ بحقوق الملكية الفكرية، أو  الترويج للعنف والتطرف والإشادة بهما، والمسّ بحقوق وحريات الآخرين، أو على مستوى ارتكاب أعمال تندرج ضمن الجرائم الإلكترونية.. التي غالبا ما تترتب عنها خسائر كبيرة.
 
وهناك مجموعة من العوامل التي تغذّي هذه الممارسات، تتلخص في افتقار عدد من رواد هذه الشبكات لمقومات العمل الصحفي بصورة تسمح لهم بالتمييز بين الخبر من جهة، والإشاعة من جهة أخرى، وبين ممارسة النقد واحترام الحياة الخاصة للأفراد من جهة، والقذف والسب والتجريح من جهة أخرى، إضافة إلى الجهل بالتشريعات القانونية، وفتح الصفحات والمدونات بأسماء مستعارة. .
 
كما أن الفراغ القانوني الذي تجسّده المفارقة القائمة بين تقنيات اتصالية تتطور بصورة كبيرة ومتسارعة من ناحية، وتشريعات متجاوزة أو تتطور ببطء شديد من ناحية ثانية، غالبا ما يفتح الباب أمام ارتكاب جرائم ومخالفات في هذا الخصوص. وهو ما أدى في عدد من المحطات إلى إغلاق عدد من الحسابات وتحريك المتابعات القضائية في حق المخالفين، بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى حدّ الاعتقال ..
 
 وإذا كان البعض يعتبر أن الأمر يتعلق بتضييقات تستهدف هامش الحرية التي يتيحها هذا الفضاء الافتراضي، فإن البعض الآخر يرى بضرورة عقلنة استخدام هذه القنوات بصورة توازن بين حرّية التعبير والرأي من جهة، ومتطلبات الأمن الرقمي بما يضمن الثقة في هذه التقنيات وفيما تتيحه من معطيات وخدمات، والحيلولة دون استغلالها في ارتكاب جرائم إلكترونية أو تكريس الفوضى في هذا المجال، من جهة أخرى..
 
لا شك أن شبكات التواصل الاجتماعي أسهمت بصورة ملحوظة في ترسيخ وتعزيز حرية التعبير في أوساط المجتمع، وسمحت بإيصال أصوات فئات مهمشة إلى صانعي القرار، كما وظّفت بصورة بنّاءة لخدمة عدد من القضايا العادلة في أبعادها الحقوقية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، غير أن ذلك لم يمنع من ظهور استخدامات منحرفة، استغلت معها هذه الحرية بسبل متحايلة ومقيتة لتكريس العنف والكراهية والمسّ بحقوق الإنسان..
 
ولعل هذا ما يدفع إلى القول بضرورة ترسيخ أمن رقمي يدعم الثقة في هذه الشبكات ويمنع توظيفها على نحو سيء، سواء عبر إصدار قوانين رادعة في هذا الصدد، أو باتخاذ إجراءات تقنية تضمن الحماية اللازمة للمعلومات.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1395

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره