مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2014-05-01

روسيا في عهد بوتين

لعل واحدة من أهم التحديات الرئيسة التي تواجه أوروبا والولايات المتحدة لفترة ما بعد الحرب الباردة هي كيفية تحديد العلاقة بينها وبين روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، روسيا التي واجهت العديد من الضغوط وهي تحاول الانتقال من قوة عظمى ماركسية التوجه ذو اقتصاد موجه إلى دولة ديمقراطية ذو توجه رأسمالي. لا أحد في العالم أعتقد بأن عملية التحول تلك ستكون سهلة على روسيا التي كانت تعيش في ظل نظام واحد طوال نحو ثلاثة أرباع القرن. ولعل عقد التسعينيات من القرن الماضي كان عقداً مؤلماً على روسيا حيث فقدت قدرتها على منافسة الولايات المتحدة مع تراجعها الاقتصادي والأيديولوجي، فعملية التحول إلى الخصخصة أدخل البلاد في دوامة من الركود الاقتصادي.
 
سياسات الرئيس بوريس يالتسين الخارجية لم تقدم ما يشفع لها لكسب الروس، فتوجهه بالتقرب إلى عدو الأمس جعل الروس يرون في يالتسين أنه يبيع روسيا للغرب. هذه السياسة جعلت من يالتسين بطلاً في أعين الغربيين ولكنه في أعين الروس العاديين كانت النظرة له أشبه بالنظرة إلى آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف الذي ينظر إليه على أنه تنازل عن الكثير للغرب من أجل الحصول على القليل في المقابل.
 
إن الوطنيين والشيوعيين ما زالوا يشكلون قوة لا يستهان بها في روسيا، فهم لم يدعموا يالتسين لأنهم اعتبروه يبيع مكانة روسيا بثمن بخس للغرب، وأنه لا يعمل على تحقيق مصلحة روسيا. تلك النظرة كانت حاضرة في فكر خلفه الرئيس الحالي فلاديمير بوتين الذي جاء ولديه نظرة واضحة لروسيا قوامها استعادة هيبة ومكانة روسيا التي أضعفها سلفه يالتسين. وتمثل هذا التوجه لبوتين في إتباع أسلوب سلطوي ووطني في إدارة البلاد، وفي إدراكه بأن مصلحة روسيا والغرب ليست بالضرورة متشابهة.
 
هذا التوجه الجديد الذي حمله بوتين لا يعني عودة روسيا إلى زمن الاتحاد السوفييتي، ولكنه أعطى إشارة واضحة للغرب بأن روسيا لا يمكن أن تكون حليفاً إستراتيجياً لهم، وأن لديها من القدرات ما يمكن أن يجعلها تستعيد درجة من هيبتها ومكانتها في العالم. ولعل حماية نفسها من التوسع الغربي نحو حدودها عبر الاتحاد الأوروبي وعبر حلف الناتو جعل موسكو تستنفر قواها لمنع مثل ذلك التوسع من الوصول إلى الدول المجاورة لها والتي كانت في السابق جزءاً من منظومة الاتحاد السوفييتي. ولعل جمهوريات مثل أوكرانيا وجورجيا كانت دائماً تمثل مصدر قلقٍ لروسيا نظراً لتزايد النزعة الساعية للتقارب مع الغرب، وهذا التوجه استطاع أن يكسب احترام الكثيرين من الروس الذين لا يستهويهم فرض الغرب هيمنته على روسيا ومصالحها.
 
إن الإشكالية ليست في روسيا وإنما في الغرب الذي لم يحترم مكانة روسيا وقدراتها ولم يأخذ في عين الاعتبار مصلحة روسيا. لقد سعى الغرب من اليوم الأول لسقوط الاتحاد السوفييتي إلى جر الجمهوريات المنفصلة إلى بوتقة التأثير والنفوذ الغربي عبر التلويح بورقة فرصة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وعبر أيضاً الدفع بهم نحو الانضمام إلى حلف الناتو. ما كانت روسيا لترضى بمثل هذا التوجه وهي ترى نفوذها في العالم يتراجع لصالح الولايات المتحدة لاسيما مع إسقاط بعض الحلفاء لموسكو مثل صدام حسين ومعمر القذافي ومحاولات الإطاحة بالرئيس بشار الأسد والضغط على إيران للتغيير. كل ذلك جعل القيادة الروسية تدرك بأن عليها أن تقف في مواجهة الولايات المتحدة ومشروعها لإضعاف روسيا من خلال رفض التدخل في شؤون الدول المجاورة لموسكو، وهو الذي يحدث اليوم في أوكرانيا.
 
روسيا لا تطمح لاحتلال دول أخرى ولكنها لا يمكن أن تسمح لأية دولة مجاورة لها بأن تخرج من دائرة النفوذ الروسي لصالح النفوذ الأمريكي، فروسيا تدرك أن الولايات المتحدة تعمل على إضعاف روسيا وإرضاخها للتوجه الأمريكي وهو ما لا يمكن أن يكون مقبولاً من قبل روسيا في عهد بوتين.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-09-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1484

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره