مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-03-01

رسالة أوروبا لترامب

يلاحظ جلياً السعي الأوروبي ولاسيما من قبل ألمانيا وفرنسا إلى محاولة الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران ورفض التشدد الأمريكي تجاهها. بداية القصة كانت مع خروج واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران والموقع في عام 2015 واعتبار دول الاتحاد الأوروبي لاسيما الرئيسة منها والتي هي جزء من الاتفاق أن القرار الأمريكي غير مبرر وان طهران ملتزمة بالاتفاق. وعليه ورغبة من أوروبا في إبقاء الاتفاق قائم من دون واشنطن سعت إلى إيجاد آلية خاصة للتبادلات التجارية مع إيران، وهي آلية يكتنفها الكثير من الغموض والتعقيد.
 
فما الذي تريده أوروبا من ذلك مع علمها بأنها تعرض شركاتها إلى العقوبات من الولايات المتحدة الأمريكية؟
لا يمكن ان يكون العامل الاقتصادي هو العامل الحاسم في هذا التوجه الأوروبي، حيث أن حجم المبادلات التجارية وإيران محددة ويقدر بنحو 20 مليار يورو في عام 2017 مقارنة بأكثر من 700 مليار دولار أمريكي حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. إلا انه يمكن القول بأن أوروبا ولاسيما دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تود حماية العديد من الشركات تعمل في السوق الإيرانية. ولكن الملاحظ بأن التبادل التجاري لفرنسا مع إيران يعتمد على بيع الطائرات وقطع غيارها والسيارات؛ وبالنسبة لألمانيا فيعتمد على المعدات الصناعية والإلكترونية؛ وبالنسبة لإيطاليا فهي الشريك الأوروبي الأبرز لإيران والتي تستورد منها إيران المعدات الصناعية. ميزان التبادل التجاري يميل بشكل أكبر إلى الدول الأوروبية مع إيران حيث أنها تصدر لها بضائع أكثر مما تستورد منها.
 
بمثل هذا الإجراء لا يمكن للدول الأوروبية حماية شركاتها الكبرى لأن معظم تلك الشركات على تواصل وعلاقات تجارية قوية مع الولايات المتحدة والتي تعبرها سوقاً مهمة لها فلا يمكن ان تضحي مثل تلك الشركات بعلاقتها مع السوق الأمريكي لصالح السوق الإيراني. لذلك نقول إن تلك الآلية قد تنجح مع الشركات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة والتي ليس لها تبادل وعلاقات مع السوق الأمريكية، ولكن ليس مع الشركات الكبيرة والتي تعتمد عليها إيران في الحصول على البضائع المهمة.  
 
الواقع أن ما تحاول فعله أوروبا ليس لحماية مصالحها الاقتصادية وإنما لتحقيق مصالح سياسية عبر إرسال رسائل مهمة إلى كل من الولايات المتحدة وإيران. الرسالة التي تحاول أوروبا إرسالها لواشنطن هي أنها لا يمكن أن تقبل بكل شي تريده واشنطن لاسيما إذا كان ذلك يعاكس التوجه السياسي العام في أوروبا. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومنذ مجيئه اتخذ مواقف سياسية متشددة تجاه الاتحاد الأوروبي وتجاه الناتو جعل الأوروبيون يتذمرون من التوجه السياسي الأمريكي الجديد تجاههم.
 
وبالتالي فإن رفضهم لقرار الخروج من الاتفاق النووي هو تعبير واضح منهم لعدم موافقتهم على المعامل التي يعاملهم بها الرئيس الأمريكي. فالأوربيون يودون قول كلمة لا لترامب ولكن بطريقة مختلفة تتمثل في محاولتهم إيجاد طريقة ما لإبقاء تبادلهم التجاري مع إيران. معظم الحكومات الأوروبية متذمرة من الرئيس ترامب وما يمثله من نزعة قومية أصبح لها التأثير الواضح على العواصم الأوروبية كما هو الحال مع بريكزت في بريطانيا وأصحاب السترات الصفر في فرنسا. هذا التذمر الأوروبي ترجمه الموقف الأوروبي الداعم لفتح تواصل تجاري مع إيران. والرسالة الأخرى موجهة إلى إيران مفادها بأننا كأوروبيين لا نساير الخط الأمريكي في فرض العقوبات على إيران أو في مسألة البرنامج النووي الإيراني. وبالتالي الإبقاء على شعرة الود قائمة مع إيران من جهة، ومحاولة تبرير عجزهم عن مساعدة إيران من جهة أخرى. وأن ما سيحصل إلى إيران هو نتاج التوجه الأمريكي وليس التوجه الأوروبي، وبالتالي تبرأة أنفسهم مما سيئول إليه الوضع مع إيران. 
 
ولكن الملفت في هذا الموقف الأوروبي هو أن أوروبا تدرك خطورة إيران وتعترف بالتدخلات الإيرانية في الشأن العربي وعملها على إحداث تعقيدات في الحالة العربية من سوريا والعراق ولبنان واليمن، وأصدرت بعض الدول الأوروبية قرارات عدة ضد إيران ومن أبرزها إلغاء الحكومة الألمانية لرحلات طيران شركة «ماهان» الإيرانية، واتهام دول عدة في الاتحاد الأوروبي لإيران بالتجسس والتخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية في أوروبا، بالإضافة إلى تصريح وزير الخارجية الفرنسي حول استعداد بلاده لفرض عقوبات جديدة على إيران بشأن الصواريخ البالستية إلا أنها في ذات الوقت تبقي على شعرة الود قائمة مع إيران من خلال هذه الآلية العجيبة للتبادل التجاري. 
 
وهذه مفارقة أوروبية غريبة. فإذا كانت أوروبا تعلم بأن إيران تساهم في إحداث التوترات فكيف لها ألا تدعم الإجراءات التي من شأنها وضع حد لمثل تلك التدخلات الإيرانية!  يمكن القول بأن ما يفسر هذا التوجه الأوروبي هو الرغبة في توجيه رسالة رافضة للرئيس ترامب أكثر من أنه رغبة فعلية لدعم إيران. ففي النهاية الإجراء الأوروبي لن يساعد إيران على تحقيق اختراق في مجال تجاوز العقوبات الأمريكية المفروضة عليها لأنه وببساطة لن تأخذ به الشركات الأوروبية الكبرى التي لها صلات تجارية قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وستبقى رسالة أوروبا ضعيفة.               
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-12-20
2014-12-23
2016-12-04
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره