مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-08-01

توازن الأمن وليس توازن القوة

دعوني اعطيكم وجهة نظري العلمية لما اعتقد أن تكون عليه حال العلاقة بين الدول الرئيسية في المنطقة الخليجية من أجل تجاوز حالة الاحتقان التي نعيشها في المنطقة والتي قد تدخلها في متاهات مُكلفة للغاية وأهمها لا سمح الله نشوب حرب عسكرية جديدة.
إن المشكلة الرئيسية في العلاقات الأمريكية-الخليجية-الإيرانية تتمثل في وجهة نظري في الالتزام المفرط بين جميع القوى الموجودة في المنطقة بهاجس تحقيق التوازن في القوة. فالولايات المتحدة وإيران ودول الخليج العربي جميعهم يتمحورون في تفكيرهم حول ضرورة تحقيق التوازن في القوة فيما بينهم ولاسيما في علاقتهم بإيران وعلاقة إيران بهم. والمشكلة في توازن القوة أنه مبدأ ينطلق من صيغة المعادلة الصفرية والتي قوامها مكسب مقابل خسارة، أي عندما تحقق دولة ما مكسباً فإن ذلك يعتبر خسارة للدولة الأخرى، وهنا تكمن الخطورة. وبالتالي فإنه مبدأ لا يساعد على التعاون بل على المنافسة التي من شأنها أن تُزيد من حدة التوتر وقد تُوصل الأطراف إلى المواجهة المباشرة أو غير المباشر. قد يسأل أحدكم كيف يتم ذلك؟ بكل بساطة الإجابة نجدها مع ما يسمى بمعضلة الأمن في العلاقات الدولية. 
 
معضلة الأمن هي حالة تعيشها جميع الدول الساعية إلى تحقيق التوازن في القوة فيما بينها. فالدولة (أ) تعتقد أن زيادة قدراتها العسكرية هو السبيل لتحقيق التوازن مع الدولة (ب)، والدولة (ب) تقابل الأمر بنفس التفكير، فكلاهما يعيش في هاجس السعي لتحقيق التوازن في القوة مع بعضهما البعض، الأمر الذي يدفع الطرفان إلى مزيد من المنافسة والتحدي التي قد توصلهما في النهاية إلى المواجهة العسكرية المباشرة. فهي معضلة لأن كل طرف يعتقد أنه بسعيه إلى زيادة قدراته العسكرية فإنه يحقق التوازن في القوة مع الطرف الآخر ويتحقق له الأمن، إلا أن تلك العملية ونتيجة لغياب اليقين السياسي حول درجة التوازن في القوة وفي معرفة نوايا الطرف الآخر يُعقد الأمور بشكل تدريجي إلى أن يصل بهما إلى المواجهة. هذه هي مشكلة توازن القوة والتي تجعلنا أكثر قناعة بأن الحالة بين جميع الأطراف في المنطقة الخليجية إنما تُجسد روح معضلة الأمن، فالتوازن في القوة لا يساعد على تحقيق الأمن بين دول المنطقة بل يعقد الأمور ويدخلنا في حالة من الغموض التي قد تجرنا إلى المواجهة، الأمر الذي يجعلنا في حاجة إلى التفكير في صياغة جديدة من شأنها أن تحقق الاستقرار في علاقة جميع الأطراف في المنطقة الخليجية.   
 
والصياغة الأمثل في وجهة نظرنا مرتبطة بالتحول من الاعتماد على نظرية التوازن في القوة إلى فكرة التوازن في الأمن. فالدول وفقاً لمعادلة التوازن في الأمن لا تتسابق فيما بينها كي تحقق التوازن فيما تملكه من قدرات عسكرية بل تعمل من أجل تحقيق التوازن في أمنها، بمعنى أن تعمل الدول على تحقيق درجة من الضمان الأمني لها من اعتداءات الآخرين. وفي هذه المعادلة تصبح الصياغة مرتبطة بمفهوم المكسب مقابل المكسب، أي تحقيق المكسب للجميع وليس لطرف على حساب طرف آخر. ففي توازن القوة تعمل الدول بشكل منفرد عن الخصوم في الدفع برفع القدرات العسكرية، فيما نجدها في توازن الأمن تعمل مع بعضها البعض لتحقيق الأمن للجميع. توازن الأمن أقل كلفة من توازن القوة، فهو لا يتطلب تسلح مكثف ولا أعمال عسكرية عدائية وإنما يتطلب وضع خطوط حمر يتفق عليها الجميع بأنها تمثل حدود لكل طرف يلتزم من خلالها الجميع بعدم تجاوزها. هذه المعادلة كفيلة بأن تجعل الأطراف تعيش بسلام. وفي حالة تجاوز أحدهما تلك الحدود فإن توازن الأمن يسقط ويبرز مكانه توازن القوة، وندخل بالتالي في دوامة معضلة الأمن.     
 
ماذا عن الدول صاحبة نفوذ خارجي؟ في هذه الحالة فإن التوازن في الأمن يقتضي الاعتراف المشترك بين الأطراف الداخلة في معادلة التوازن في الأمن بإنشاء ما يسمى بمناطق النفوذ. هذه المناطق تدخل في إطار الخطوط الحمر أو الحدود المنظمة لعلاقة الدول ببعضها البعض في ظل معادلة التوازن في الأمن. حيث أن أكثر ما يعاني منه عالم اليوم هو سقوط الخطوط الحمر، وتجاوز الأطراف لمناطق نفوذ الأطراف الأخرى. إذاً الحل الأمثل لحالة التوتر والغموض الدائرة في منطقتنا هو بالتحول من التوازن في القوة إلى التوازن في الأمن، الذي يتطلب عمل مشترك وكبير بين جميع الأطراف لتحقيق أسسه.
أستاذ العلاقات الدولية المشارك ورئيس قسم العلوم السياسية – جامعة الإمارات العربية المتحدة  
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-08-08 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2017-03-02
2015-12-09
2014-12-19
2016-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره