مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-09-02

تدبير المخاطر والأزمات ورهانات التنمية المستدامة

أولت الكثير من الدول المتقدمة أهمية قصوى لتقنية تدبير الأزمات ضمن خططها الاستراتيجية والشمولية لتحقيق التنمية المستدامة، وعيا منها بأهمية هذا الخيار في تعزيز هذه الجهود عبر توفير مقومات وأسس صلبة تسمح بتجاوز الكثير من التحديات والمخاطر التي عادة ما تعترض المؤسسات وصانعي القرار، سواء في القطاعين العام أو الخاص.
 
إن الولوج إلى عالم التطور والتقدم بما يحيل إليه الأمر من تحقيق تنمية تضمن الرفاه للمواطن داخل المجتمع، ليس صدفة، بقدر ما هو نتاج طبيعي لبرامج وخطط معقلنة، تستحضر مجموعة من العناصر، بما يحيل إله الأمر من حوكمة وتشاركية ورؤية مستقبلية وتقييم مستمر..
 
مع التطور الاقتصادي والتكنولوجي العالمي، وتزايد التهديدات الجدية التي ما فتئت تلاحق البيئة وحياة الكائنات الحية على الأرض، بات استحضار أسلوب تدبير المخاطر والأزمات أمرا ضروريا لا ترفا.
 
يعتبر حدوث الأزمات والكوارث في عالم اليوم أمرا طبيعيا، وقد تنبّهت الكثير من الدول منذ منتصف القرن الماضي إلى أهمية تدبير الأزمات كتقنية تجمع بين العلم والفن، لمواجهة الكثير من الإشكالات التي غالبا ما تضع صانعي القرار أمام أوضاع صعبة، تفرض اتخاذ قرارات سريعة وفعالة، ولذلك توجهت إلى إحداث مراكز علمية تختص بهذا المجال، كما أدرجتها أيضا كمواد أساسية ضمن منظوماتها التعليمية في عدد من الأقسام والتخصصات، بل سعت أيضا إلى ترسيخ ثقافة تدبير الأزمات، بشكل يقوم على إشراك المواطن نفسه في التعاطي العقلاني مع هذه المحطات الصعبة، وبخاصة وأن الكثير من التقارير والإحصائيات، تفيد أن تداعيات الكوارث والأزمات تتعاظم داخل المجتمعات التي لاتولي أهمية لهذا الموضوع كجزء من التنشئة الاجتماعية والبرامج التعليمية المختلفة، وعبر وسائل الإعلام، وانخراط فعاليات المجتمع المدني في هذا الشأن.
 
تتميز الأزمات والكوارث عادة بالفجائية والخطورة والتسارع، وفي مقابل ذلك، يقوم أسلوب تدبير الأزمات في جزء كبير منه على التحكم في الوضع، والتوقع والتنبؤ، بناء على تقييم الوضع واستثمار المعلومات ونظم الاتصال عبر نخب وكفاءات محترفة ومدرّبة..
 
انتعش أسلوب إدارة الأزمات بداية في مجالات الطب والاقتصاد والإدارة، قبل أن ينتقل إلى عدد من المجالات البيئية والاجتماعية والسياسية والمالية. وتقدم بعض الدول الكبرى، كما هو الشأن بالنسبة لليابان والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبريطانيا..، نماذج جد متطورة في هذا المجال تقوم على التخطيط الاستراتيجي وجمع المعلومات ضمن بنوك متخصصة، ما يجعلها منها عاملا مساندا وداعما لخطط التنمية بكل أشكالها وروافدها. فبالإضافة إلى المراكز والمؤسسات المختصة التي تواكب كل الطوارئ والأزمات وتحرص على تحويلها من أخطار إلى فرص، تدعم جهود التنمية، أصبح أيضا من العادي جدا وجود أقسام إدارية داخل مؤسسات القطاعين العام والخاص تعنى بأمور تدبير الأزمات كسبيل لتجويد الخدمات ومواجه الأخطار المحدقة والاحتمالات، ومواجهة كل المفاجآت التي غالبا ما تكون مكلفة على المستويات الاقتصادية والسياسية والنفسية والسياسية والعسكرية.. كما نجحت الكثير من هذه الدول في إرساء نظم تقنية وإدارية تقوم على الإنذار المبكر، مع ترسيخ ثقافة التأمين داخل المؤسسات وفي أوساط المجتمع، كسبيل لتقليل المخاطر عند حدوث الأزمات..
 
إن أسلوب تدبير الأزمات لا يمنع أو يحول وقوع الكوارث، بقدر ما يقلل من تداعياتها، ويوفّر أجواء سليمة لاتخاذ قرارات صائبة تتحوّل معها هذه المحطات الصعبة إلى مناسبات لتحصين الذات، وتقييم ومراجعة الأوضاع والاستفادة من الأخطاء المرتكبة..
 
رغم الجهود التي تبذلها بعض الدول العربية في هذا الشأن، فإن واقع الحال يبرز أنها غير كافية في عالم متسارع ومعقّد بإشكالاته الداخلية والعابرة للحدود، ما يؤثر بالسلب على جهود التنمية، فالكوارث الطبيعية من أعاصير وسيول وفيضانات وزلازل.. التي تحدث في عدد من دول المنطقة، ما زالت تخلف خسائر كبرى في الأرواح والمعدات نتيجة لهذا القصور، كما أن عدد من الأزمات المالية والإدارية والتقنية.. التي تقع بين الحين والآخر، تكون كلفتها في الغالب باهظة، مقارنة بمثيلاتها التي تحدث داخل الدول المتقدمة..
 
مع انتشار الأزمات والمنازعات المختلفة.. على امتداد خريطة المنطقة العربية، أصبحت الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى إحداث منظومة عصرية لتدبير الأزمات، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذه المناطق اجتماعيا وجغرافيا واستراتيجيا.. وتنفتح على تجارب دولية رائدة في هذا المجال، بصورة تدعم جهود صانعي القرارات في كسب رهانات التنمية المستدامة.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-11-11 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2017-03-02
2015-12-09
2014-12-19
2016-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره