مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2012-06-01

الهروب من الخوف

إن التصعيد الإيراني الأخير حول موضوع الجزر الإماراتية المحتلة يشير إلى دلالتين أساسيتين هما أن هذا التصعيد لم يكن عشوائياً بل كان مخططاً له من قبل القيادة الإيرانية، وأن الجزر استخدمت كوسيلة لتحقيق هدف أكبر وهو الهروب من حالة الضعف التي تعيشها القيادة الإيرانية والتي تسبب لها هواجس مخيفة. 
 
إيران أصبحت تشعر بأن نفوذها في المنطقة العربية في تراجع، ولا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه في السابق، فنواياها أصبحت منكشفة في منطقة الخليج العربي بعد أن حاولت استثمار الأحداث الداخلية في البحرين لصالح مشروعها الطائفي بتمزيق المنطقة الخليجية طائفياً بين سنة وشيعة؛ وفي محاولة تقسيم اليمن إلى ثلاث دويلات تتحكم هي في القسم الشمالي والمتمثل في مناطق سيطرة الحوثيين الذي تدعمهم إيران سياسياً وعسكرياً وإعلامياً، والقسم الجنوبي المتمثل فيما كان يعرف سابقاً باليمن الجنوبي الذي تدعم إيران مساعي البعض من قياداته للانفصال؛ وفي إقامة الهلال الشيعي الممتد من إيران عبر العراق وسوريا ولبنان من خلال استماتتها في الدفاع عن نظام بشار الأسد؛ وفي عملها على إبعاد العراق عن دائرته العربية وجعله يعمل في بوتقة دائرة النفوذ والسيطرة الإيرانية.  كل تلك الأمور أصبحت واضحة، الأمر الذي جعل نفوذها وسمعتها ومكانتها في المنطقة في تراجع كبير لدى مختلف أوساط الشعوب العربية إلا ما قل منهم، والذين ما زالوا يدورون في فلك التأثير الإيراني، فإيران تخسر نفوذها في المنطقة وهذا ما يجعلها متوجسة كل التوجس مما يدور من حولها، وهو ما دعاها إلى أن تفرد أجنحتها بالتصعيد حول ملف الجزر الإماراتية المحتلة أملاً في الضغط لاستعادة جزء من بريقها الخافت.  ولعل ما يثير غضب إيران أكثر هو الاختلال الذي يحدث في موازين القوة العربية لصالح الدول الخليجية، بعد أن كان ذلك الميزان يميل نوعاً ما للقوى التي تدعمها إيران مثل سوريا، دول الخليج العربي استطاعت أن تكون لاعباً مؤثراً في العلاقات العربية من خلال أخذها لزمام المبادرة وتبنيها لسياسات المواجهة مع الأنظمة السياسية الموالية لإيران مثل سوريا والعراق، هذا النجاح إذا ما تحقق لدول الخليج العربي في حالة سقوط نظام بشار الأسد سيمثل زعامة عربية جديدة في المنطقة تقودها دول الخليج العربي، وهو ما لا يمكن أن ترضى به إيران، التي تسعى بكل ما تملك من قدرات لمنع حدوث مثل هذا الأمر، وبالتالي فإن تصعيدها في المنطقة الخليجية حول الجزر الإماراتية يأتي في هذا السياق الذي تريد من خلاله إيران توجيه رسائل مباشرة لدول الخليج العربي بأنها حاضرة وبقوة في المنطقة الخليجية، وتستطيع أن تؤثر على أمن المنطقة بما تتمتع به من إمكانيات عسكرية هجومية قوية استطاعت أن تزرعها في جزر الإمارات الثلاث التي تحتلها، فسياسة إيران منذ البداية قائمة على السعي للهيمنة على دول المنطقة وذلك من خلال إتباع سياسات تصعيدية معها، وهي السياسات التي عانت منها دول المنطقة منذ فترات طويلة.
 
ولعل ما يزيد من خوف إيران هو تزايد العقوبات الاقتصادية عليها والتي ألقت بظلالها على الوضع الاقتصادي في ذلك البلد، فالقيادة الإيرانية متخوفة من التذمر الشعبي إزاء الوضع الاقتصادي المتراجع، لذلك جاء التصعيد الإيراني حول ملف الجزر لإحداث توتر يساعد في رفع أسعار النفط العالمية للاستفادة منها، ويهدف كذلك إلهاء المواطن الإيراني بقضية يعتبرونها وطنية مثل إدعاءاتهم بأحقيتهم بالجزر الإماراتية الثلاث المحتلة، وإشغال الرأي العام الإيراني بعيداً عن الاهتمام بحالته المعيشية المتراجعة، ويضاف إلى ذلك بالطبع التهديدات الإسرائيلية المتكررة برغبتها في توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية قبل أن تتمكن إيران من الوصول إلى الحصانة النووية، لذلك فإن التصعيد الإيراني في ملف الجزر يأتي أيضاً في سياق تذكير الولايات المتحدة بأن إيران حاضرة، وحاضرة بشكل قوي في مناطق قريبة جداً من مناطق نفوذها في الخليج العربي، وبالتالي عليها أن تفكر ملياً قبل أن تقدم على السماح لإسرائيل بمثل هذه الخطوة.   كل ذلك يوضح لنا بأن التصعيد الإيراني حول ملف الجزر، هو محاولة إيرانية للهروب من الخوف الذي أصبحت تعيشه القيادة الإيرانية، ومحاولة رفع المعنويات المتراجعة بشكل كبير على أمل تجاوز حالة الخوف تلك.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-01-29 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1370

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره