مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-02-01

القضيّة الفلسطينيّة ومأزق النّظام الدّولي لتدبير الأزمات

تضمّن ميثاق الأمم المتحدة نظاما متكاملا ومتناغما لإدارة الأزمات الدولية، فالمادة الثانية منه تقضي بأن «يفضّ جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر»، فيما عدّدت المادة الثالثة والثلاثون منه هذه الوسائل، فنصت على أنه يجب على أطراف النزاع «أن يلتمسوا حلّه بادئ ذي بدء بطريق المفاوضات والتحقيق والتحكيم والتسوية القضائية أو أن يلجأوا إلى الوكالات والمنظمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل التي يقع عليها اختيارهم»، كما نص في مواضع أخرى منه، على وجوب عرض النزاع إذا استعصى حله بإحدى الوسائل المتقدم ذكرها على الهيئة الدولية لتوصي بما تراه مناسبا بشأنه.
 
 
غير أن محكّ الواقع أكّد غير ما مرّة، هشاشة هذا النّظام الذي لم يعد مواكبا لمتغيرات عالم اليوم، ولم يوفّق على امتداد أكثر من نصف قرن في تدبير أو حلّ عدد من الأزمات والنزاعات، أو تمّ تحريكه بشكل منحرف وانتقائي في هذا الشأن.. بما عرض السّلم والأمن الدوليين للخطر في عدد من المناسبات. 
 
أعاد استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لحقّ «الفيتو» داخل مجلس الأمن لمنع إصدار قرار يدعو «ترامب» لوقف توجّهه القاضي بنقل السفارة الأمريكية من «تل أبيب» إلى القدس، موضوع النظام الدولي لتدبير الأزمات والنزاعات إلى واجهة النقاش.
 ففي الوقت الذي ساد فيه الاعتقاد أن زمن «الفيتو» قد ولّى مع رحيل الاتحاد السوفييتي (سابقا) ونهاية الحرب الباردة، وما رافق ذلك من دينامية غير معهودة في أداء المجلس، واستفراد الولايات المتحدة نفسها بشؤون الساحة الدولية، عادت هذه الأخيرة لتسخير هذا المجلس لخدمة أجندات ضيقة ضدّا على المشروعية الدولية والمواقف الدولية الدّاعمين لحقوق الشّعب الفلسطيني.
 
 ورغم العزلة التي رافقت الموقف الأمريكي، بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها (A/ES-10/L.22) بتاريخ 21 ديسمبر/ كانون الأول من عام 2017،  وذلك بأغلبية 128 صوتا، الذي طالبت من خلاله المجتمع الدولي بعدم الإقدام على تغيير طابع القدس أو مركزها أو تركيبتها الديموغرافية، مع التأكيد على بطلان أي قرار يخالف هذا التوجه.. فإن الطابع غير الملزم لقرارات هذا الجهاز، يكرّس في واقع الأمر منطق القوّة على حساب المشروعية التي تجسدها القوانين والمواثيق والاتفاقيات الدولية المتصلة بهذه القضية العادلة.
 
استغل حق «الفيتو» مرارا وتكرارا للإساءة للقضية الفلسطينية منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، فما بين 1948 و 1989 أصدرت الجمعية العامة ومجلس الأمن 300 قرار إدانة موجه لإسرائيل، إلا أن ذلك لم يسمح بردعها، لتستمر في انتهاكاتها وخروقاتها, فيما استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية الفيتو لأكثر من 160 مرة حتى حدود اليوم لصالح «إسرائيل».. كما لجأت كل من بريطانيا وفرنسا إلى استعمال هذا الحق ضد مشروع قرار لمجلس الأمن بتاريخ 31/10/1956 بشأن عدوان بريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني على مصر، بالرغم من أن الدولتين كانتا طرفين في النزاع.
 
منذ تفجرها، والقضية الفلسطينية تكشف زيف وهشاشة الآليات الدولية لتدبير الأزمات والمنازعات، فقد استنفذ الفلسطينيون كل هذه السبل بدءا من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية، مرورا بالمحكمة الجنائية الدولية، ومختلف الأقطاب الدولية الكبرى، وصولا إلى المفاوضات السلمية والمراهنة على «الوساطات والمساعي الحميدة» التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الصدد.. بلا جدوى.
 
يوما بعد يوم، تؤكّد الممارسات أن المؤسسات الدولية التي وجدت بقصد تعزيز التعاون والمحافظة على السلم والأمن الدوليين؛ كما هو الشأن بالنسبة للأمم المتحدة، أضحت في واقع الأمر مجرد آليات تسخّر لخدمة مصالح الأقوياء، كما أن القانون الدولي نفسه أضحى متجاوزا ولا يساير التطورات التي شهدها العالم على مختلف الواجهات، بما يفتح المجال أمام الخروقات والتكييفات المنحرفة..
 
ثمّة حاجة ملحّة في الوقت الراهن إلى مراجعة النظام الدولي لتدبير الأزمات، عبر إعمال إصلاحات جذرية على ميثاق الأمم المتحدة، وإعادة التوازن إلى أجهزتها الرئيسية وبخاصة منها الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية إلى جانب مجلس الأمن، وعقلنة استخدام حق الفيتو أو إلغاءه بالمرّة، علاوة على تطوير القانون الدولي باتجاه ضبط مكامن الخلل في الممارسات الدولية بصورة تستحضر مصالح المجتمع الدولي برمته.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-07-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1443

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره