مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-08-01

القانون الدّولي الإنساني وتكلفة الحروب

أضحى الفرد مع التطورات الهائلة التي شهدتها العلاقات الدولية في العقود الأخيرة في عدد من المجالات، مخاطبا هامّا بقواعد القانون الدولي. فالأحكام القانونية المرتبطة بالفرد، تتناول حمايته من بطش الدولة والمجتمع، كما تستهدف أيضا حماية المجتمع من بعض سلوكاته المشينة من قبيل تجارة المخدرات، والجرائم ضد السلم، والجرائم ضد الإنسانية، والجرائم ضد البيئة.. شكلت مسؤولية الفرد في القانون الدولي محطّ جدال ونقاش كبيرين بين مختلف فقهاء القانون الدولي، فعلى عكس الاتجاه الوضعي الذي يرفض الاعتراف للفرد بالشخصية القانونية الدولية، على أساس أن القانون الدولي ينظم العلاقات بين الدول فقط، فإن الاتجاه الاجتماعي يرى أن الفرد بإمكانه ارتكاب أفعال غير مشروعة في القانون الدولي، حيث لا تثور بصددها مسؤولية الدولة فقط، بقدر ما تبرز مسؤولية الأفراد أيضا.
 
شهدت العدالة الجنائية الدولية تطورا كبيرا، فتحت وقع الجرائم الخطيرة التي شهدها العالم ما بعد نهاية الحرب الباردة، تأسست المحكمة الجنائية الدولية وأنيطت إليها مهمة ملاحقة ومحاكمة الأشخاص المتورطين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة الجنس البشري، والعدوان، والعمل على إرساء منع الإفلات من العقاب.. فيما صدرت الكثير من الاتفاقيات الدولية التي توخّت مواجهة الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية كالاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري لسنة 1973، واتفاقية مناهضة التعذيب لسنة 1984..
 
ينصبّ دور القانون الدّولي الإنساني على حماية الأشخاص وممتلكاتهم.. خلال فترات النزاعات والحروب، وعلى الحدّ من استخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية، والتقليل من مخاطرها على الأفراد والمنشآت والفضاءات، مع الحرص على استحضار الأبعاد الإنسانية في هذا الصدد، سواء على مستوى ضبط وعقلنة استخدام الأسلحة المستخدمة وحماية الأفراد والمنشآت المدنية، والحدّ من الجرائم التي يمكن أن تتعرض لها فئات المقاتلين.. وتنظيم القواعد المنظمة للحياد..
 
لا يوقف القانون الدولي الإنساني الحروب، بقدر ما يسعى إلى التخفيف من تداعياتها، وجدير بالذكر أن مرتكزاته تمتد إلى حضارات وأنظمة وتشريعات إنسانية قديمة، ومن ضمنها النظام القانوني الإسلامي، وتشكّل اتفاقيات جنيف الأربع (1864 و1906 و1949 و1977) الأساس الذي تقوم عليه مبادئ هذا القانون في صورته الحديثة، فهي التي تشكّل إطاره القانوني والمفاهيمي.. وجاءت اتفاقات «لاهاي» لعامــي 1899 و1907 لتنظيم سير العمليات العسكرية ومنع استخدام بعض الأسلحة البالغة الخطورة، فيما جاءت اتفاقية جنيف لعام 1949 والمكمّلة ببروتوكول عام 1977 لحماية ضحايا الحرب من أسرى وجرحى ومرضى.. وحرصت الأمم المتحدة نفسها على دعم هذه المعاهدات عبر اعتماد مجموعة من الإعلانات والاتفاقيات والتدابير التي راكمتها الجمعية العامة ومجلس الأمن في هذا الخصوص..
 
رغم الجهود القانونية والاتفاقية الهامة التي بذلت على سبيل ترسيخ مبادئ القانون الدولي الإنساني والتقليل من كلفة الحروب وإرساء السلم والأمن الدوليين، فإن التقارير والمعطيات الإحصائية الدولية تشير إلى تنامي الانتهاكات التي تفرزها النزاعات المسلحة، فالمدنيون من النساء والأطفال على رأس قائمة ضحايا هذه النزاعات، وبخاصة داخل عدد من البلدان العربية، فيما تضاعفت حدّة النزوحات القسرية عبر الحدود(68,5 مليون نازح بدول العالم حاليا، 57,5 بالمائة منهم من سوريا والعراق واليمن).. ما يؤكد أهمية وأولوية احترام مقتضيات القانون الدولي الإنساني..
 
كان بالإمكان التقليل من هذه المعاناة باحترام القانون الدولي الإنساني وترسيخه ميدانيا في الأوساط المدنية والعسكرية، وضمن التشريعات الوطنية، فعدم استيعاب مبادئه وعدم تطبيق المعايير الدولية، وانعدام المساءلة الجنائية، وغياب ضمانات تشريعية ذات الصلة..، كلها عوامل تعزز من إمكانية خرق هذا القانون..
 
لقد أضحى ترسيخ مبادئ القانون الدولي الإنساني ضرورة ملحّة تمليها الحاجة إلى حماية الأفراد، والتقليل من الانتهاكات والخروقات التي تضاعف معاناة المدنيين، ومن الأضرار والمخاطر التي تحيط بالبيئة، والحد من الاستعمالات غير المعقلنة وغير المشروعة للأسلحة.. عبر الانضباط للمعايير الدولية وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين خلال فترات النزاعات المسلحة، وحسن اختيار آليات القتال، واحترام المقتضيات المتعلقة بمعاملة الأسرى والجرحى..
 
ورغم الجهود والمبادرات المتخذة من قبل اللجنة الدولية للصليب والهلال الأحمر الدوليين والتي قلّلت بشكل كبير من كلفة المنازعات المسلحة، فالحاجة مازالت ملحة إلى بذل المزيد من المبادرات، من خلال تعزيز الوعي بالقانون الدولي الإنساني داخل المجتمع، وبين المسؤولين وفي أوساط المؤسسات العسكرية والشباب.. عبر مختلف الوسائط والتقنيات، كما يمكن للإعلام وللنخب السياسية والأكاديمية القيام بأدوار طلائعية على هذا الطريق..
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-12-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-11-02
2017-03-02
2015-12-09
2014-06-09
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره