مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-11-11

الصعود الصيني والولايات المتحدة

نابليون بونابارت كان قارئاً فذاً للتاريخ، فرغم أنه لم يكن في عهده ما في عهدنا من تكنولوجيا للاتصالات تؤهله لفهم الأمم، إلا أنه استطاع أن يفهم الصين جيداً، حيث أصبحت مقولته الشهيرة حول الصين مدوية في عالم اليوم. لقد قال نابليون وهو يصف حال الصين في تلك الفترة التي كان فيها ألمع قادة أوروبا: «دعوها تنام، لأنها عندما تستيقظ ستهز العالم». يا لها من قراءة دقيقة، لأن الصين استيقظت من سباتها الذي كانت فيه، والذي كان للغرب دوراً في كبح جماحها من خلاله عبر ما سُمي بـ «قرن الإذلال» الذي عاشته الصين بسبب الاحتلال الأوروبي لأراضيها.
 
 
لكن الصين استيقظت وأصبحت اليوم مؤهلة لأن تكون طرفاً يقود العالم، فهي ثاني أقوى اقتصاد في العالم، وصاحبة ثاني أقوى قوة عسكرية بعد الولايات المتحدة، ولديها مشروع ونموذج قابل للقبول من الآخرين وقادر على منافسة النموذج الأمريكي. فهل تنجح الصين فيما تسعى إليه؟ وأين الولايات المتحدة من كل ذلك؟
 
 
لقد وضعت الصين إستراتيجية الصعود السلمي كخطة لها نحو تحقيق هدفها نحو العالمية. فهي لا تسعى لمنافسة الولايات المتحدة بشكل مباشر، ولا تسعى لقلب النظام الاقتصادي العالمي باعتبارها طرفاً مستفيداً منه، ولكنها تحاول أن تبني لنفسها نموذجاً قادر في المستقبل على منافسة الولايات المتحدة في مناطق خارج دائرة النفوذ الأمريكي. فالصين لا تنافس واشنطن في أوروبا أو شرق أسيا ولا حتى مع دول الخليج العربي لأنها تدرك أن هذه المناطق هي من ضمن دائرة النفوذ الأمريكي وبالتالي يصعب عليها منافستها هناك في الوقت الراهن، لذلك نجدها تتجه إلى أماكن النفوذ غير الأمريكي مثل أسيا الوسطى، أفريقيا، أمريكا الجنوبية وبعض دول جنوب غرب أسيا ودول في الشرق الأوسط. هذه المناطق بها دول خارجة عن نطاق النفوذ الأمريكي لذلك تلجأ الصين لخلق نفوذ وقوة لوجودها هناك. ولعل أبرز برنامج صيني لتحديد مستقبل الصين ومكانتها العالمية مرتبط بمشروعها المسمى بمبادرة الحزام والطريق. وهي مبادرة تُعبر عن رغبة الصين التحول من نطاقها الداخلي والإقليمي الضيق إلى النطاق العالمي كدولة صاحبة نفوذ وهيمنة عالمية. والحقيقة أن هذه المبادرة هي عصب المشروع الصيني، فنجاحها سيؤدي بالصين إلى خلق نظام عالمي جديد قوامه الثنائية القطبية الذي يُدار من قبل الولايات المتحدة والصين تماما كما كان في فترة الحرب الباردة عندما كان النظام الدولي يُدار من قبل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. نعم عودة القطبية الثنائية هي الصفة الأبرز للنظام الدولي الذي سيشكله نجاح مبادرة الحزام والطريق. 
 
 
أصبحت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب تدرك خطورة الصعود الصيني، ولكن ما تتبعه من استراتيجية لا تعبر عن قدرة حقيقة في تحقيق النجاح في مواجهة هذا الصعود. فلا يمكن للانعزال الأمريكي أن يكون الأسلوب الأمثل لفرض أمر الواقع على الصين واحتواء بروزها في النظام العالمي. بل أن الحقيقة هي أن الانعزال الأمريكي يفتح المجال أمام الصعود الصيني عبر ملء الفراغ الذي يسببه الخروج الأمريكي من الساحة الدولية ولاسيما المناطق التي يمكن للصين اللعب من خلالها والتأثير على الدول فيها لصالحها. فإذا كانت الولايات المتحدة غير راغبة على لعب دور عالمي فإن مختلف دول العالم ستلجأ إلى الأطراف الدولية الراغبة في لعب ذلك الدور وتقديم المساعدة على التواجد وخلق نفوذ لها من خلالها. والصين أبرز المرشحين لذلك. فالانعزال الأمريكي ليس هو الحل الأمثل لاحتواء الصعود الصيني، بل أن الانخراط الأمريكي مع دول العالم هو الذي من شأنه أن يخلق الارتياح لدى العديد من دول العالم لصالح عدم الذهاب إلى الصين والارتماء في مشروعها واتباع نموذجها. 
 
 
الولايات المتحدة وللأسف لا تعمل على الدفاع عن أسس نظامها العالمي الذي تأسس على يدها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل تتخلى عنه لصالح بروز أسس لنظام جديد موازي على أقل تقدير تقوده الصين. فالصين تعمل في السعي على إبقاء النظام الاقتصادي العالمي الحالي باعتبارها طرفاً منتفعاً منه، ومحاولة خلق نظام اقتصادي موازي من أجل تحقيق بروز الدور والنفوذ الصيني عالمياً. كما أنها تعمل من خلال ذلك على إبراز نظام عالمي سياسي جديد يجعل الصين لاعب دولي يوازي حجم الولايات المتحدة وبالتالي الانتقال إلى الثنائية القطبية من جديد. إن الحل الأمثل لمواجهة الصعود الصيني ليس بترك الساحة الدولية للصين كي تعمل على خلق نفوذاً لها، ولكن من خلال منافستها عالمياً لجعل دول العالم أقرب إلى المشروع الأمريكي من المشروع الصيني. فهل تدرك الولايات المتحدة ذلك؟ 
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-12-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-11-02
2017-03-02
2015-12-09
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره