مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-03-01

الدبلوماسية الرياضية

عاد مفهوم الدبلوماسية الرياضية للبروز مجدداً مع انطلاق الأولمبياد الشتوية في بيونغ تشانغ في كوريا الجنوبية. وأصبح الشغل الشاغل حول هذا الحدث الرياضي الكبير مرتبط بكوريا الشمالية أكثر من أي شيء آخر. فبالأمس القريب كانت كوريا الشمالية تتوعد جيرانها في شرق اسيا والولايات المتحدة الأمريكية بسُحبٍ نوويةٍ في سماءها، مع استمرار الرئيس الأمريكي بوعوده التهديدية لنظام بيونغ يانغ.
 
هذه الغمامة السوداء من حالة التوتر بدأت مع قرب افتتاح الأولمبياد الشتوية بالانقشاع التدريجي، ودخلت الكوريتان في محادثات مباشرة كان ظاهرها الرياضة ولكن في باطنها السعي للعمل على تهدئة التوتر وتحقيق مكاسب سياسية لكل طرف.
 
وهو ما حدث بالفعل مع اتفاق الطرفين الكوريين على الدخول في الأولمبياد بعلم واحد، والمشاركة في بعض الرياضات بفريق مشترك. وأرسلت كوريا الشمالية أعلى مسئولين لديها لحضور الأولمبياد، وهي أول زيارة لمسئولين كوريين شماليين لكوريا الجنوبية منذ 2007. وشمل الوفد كل من كيم يانغ نام الرئيس الشرفي لكوريا الشمالية بالإضافة إلى كيم يو جونغ الأخت الأصغر للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وزيارة أخت الزعيم الكوري تعد الأولى من نوعها لشخص من عائلة كيم الحاكمة في الشمال يزور من خلالها كوريا الجنوبية. ولعل الأمر المهم أن الزعيم الكوري الشمالي يثق كثيراً في أخته الصغرى وهو ما جعله يعينها في منصب قيادي في البلاد. 
 
نعم دخلت الرياضة على ساحة السياسة حيث كان اهتمام الرئيس الكوري الجنوبي منصب بالدرجة الأولى على الوفد الكوري الشمالي الذي دعاه إلى قصر الرئاسة، وهناك قدم الوفد الزائر دعوة خاصة من قبل الزعيم الكوري الشمالي للرئيس الكوري الجنوبي لزيارة كوريا الشمالية. 
 
لا ندري هل سيقوم الرئيس الكوري الجنوبي بالزيارة أم لا، لكن الرئيس الكوري الجنوبي أعلن سابقاً بأنه مستعد لزيارة كوريا الشمالية إذا كانت الظروف مهيئة لذلك. هدف كوريا الجنوبية هو:
1) إنجاح الأولمبياد عن طريق إبعاد خطر استمرار التهديد الكوري الشمالي بإطلاق الصواريخ الباليستية فوق الأراضي الكورية الجنوبية.
و2) استخدام الأولمبياد كوسيلة لإعادة المفاوضات الرسمية بين البلدين المتوقفة بسبب حالة التوتر.
 
ليس هناك مما يمكن ان يضمن نجاح الأولمبياد في تحقيق السلام في شبه الجزيرة الكورية. ولكن الفرصة مهيئة للعمل على ذلك. ولعل الخبرة التاريخية تثبت بأن الرياضة ليست دائماً تحقق هدفها في تحقيق السلام بين الأمم. الأمر بالطبع يتوقف على نوايا الأطراف. فإذا كانت النوايا نحو تحقيق اختراق سياسي فيمكن استخدام الرياضة كسبيل في ذلك. 
 
ولعل دبلوماسية ما عرفت بـ الـ «بينغ بونغ» بين الصين والولايات المتحدة كانت هي الأشهر في هذا المجال حيث أنها فتحت المجال أمام الطرفين في بداية السبعينات لتحقيق الانفراج في العلاقة العدائية القائمة بينهما آنذاك. حيث لعب فريق تنس الطاولة الأمريكي مباريات ودية مع الفريق الصيني في الصين، وكانت تلك خطوة سهلت الانفتاح بين الطرفين وبدء الاتصالات بينهما والتي أدت إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية بعد ذلك. وهذه قصة نجاح واضحة للرياضة وتأثيرها في السياسية. 
 
ولكن هناك نماذج عدة لمشاركات رياضة لم تنجح في كسر الجمود القائم بين الدول ولعل أهمها الجمود بين الولايات المتحدة وإيران منذ 1979. فلقد كانت هناك عدة محاولات بين الطرفين لإدخال الرياضة كطرف يمكن أن يحسن العلاقة بينهما ولكن من دون جدوى. ففريق المصارعة الأمريكي زار طهران وقام بمباريات استعراضية مع الفريق الإيراني وشارك في بطولات هناك في عام 1998 و2014، وكذلك زيارة فريقي تنس الطاولة وكرة الطائرة الإيراني للولايات المتحدة، لكنها كلها محاولات لم تحقق نجاحاً يذكر في إذابة الجمود والتوتر القائم بين الطرفين. 
 
فالدبلوماسية الرياضية يمكن ان تنجح في بعض الحالات ويمكن أن تفشل، ولكن كل ذلك يعتمد على النوايا الموجودة لدى الأطراف ومدى استعدادهم لاستثمار هذا الاتصال الرياضي في تحقيق الانفراج بينهما.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1395

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره