مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-11-01

الحوكمة الأمنية وحقوق الإنسان

احتفى العالم قبل بضعة أسابيع باليوم العالمي للسلام، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يتزامن مع الواحد والعشرين لشهر سبتمبر من كل عام. وهي مناسبة لتقييم الجهود الإقليمية والدولية على مستوى إقرار الأمن والسلام، ومواكبة التحديات العالمية الكبرى التي فرضت توسيع مفهوم هذا الأمن لينفتح على مجموعة من العناصر الجديدة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والرقمية..
 
 
تتّسم الأزمات الداخلية كما الدولية في عالم اليوم بالتعقيد والتشابك، ما يفرض استحضار الكفاءة والعلمية والبعد الإنساني في التعاطي معها، وقد أسهم صدور تقرير التنمية البشرية لعام 1994 في تجاوز المفهوم التقليدي للأمن الذي أضحى متعدّد الأبعاد (اقتصادي، وسياسي، واجتماعي، وبيئي، وغذائي، وصحّي..)، وترسيخ مفهوم الأمن الإنساني الشامل، الذي يضع الفرد في عمق المعادلة الأمنية.. كما أن أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة، تتمحور حول 17 هدفا في إطار خطة التنمية المستدامة حتى عام 2030، وهي كلها أهداف تقارب الأمن في بعده الشامل..
 
 
يقتضي التعاطي السليم مع أزمات اليوم، إعمال سبل علمية واستراتيجية تسمح بمنع تطورها (الأزمات)، واحتوائها بأقل كلفة، كما يتطلب الأمر استحضار متطلبات الحكامة الأمنية التي تقتضي الموازنة بين تحقيق الأمن بكل عناصره وأبعاده، وضمان استقرار الدولة من جهة، وخدمة المواطن وحمايته وحفظ ممتلكاته واحترام حقوقه من جهة أخرى..
 
 
إن الحوكمة الأمنية هي أسلوب حديث ومتطور لدعم التنمية وتحقيق السلام المنشود، عبر اعتماد سبل التواصل والدبلوماسية والمرونة والنجاعة والوقائية في تدبير المخاطر والأزمات، وهي آلية تعزّز الحوكمة في أبعادها ومكوناتها الشمولية..
 
 
يعدّ الحق في الأمن من ضمن الحقوق الأساسية المكفولة للإنسان، وهو يحيل إلى الشعور بالطمأنينة والأمان داخل المجتمع، وإلى الحق في الحياة وحماية الشخص والأموال والممتلكات.. والشعور بالأمن هو شرط أساسي وضروري للتمتع بمختلف الحريات والحقوق الأخرى في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسّياسية.. فيما تؤدّي الأوضاع الأمنية المتردّية عادة إلى انتهاك وخرق عدد من الحقوق الأخرى، بل وتخلّف أجواء من عدم الثقة داخل المجتمع..
 
 
اقترن التحوّل الديمقراطي وتعزيز مسار حقوق الإنسان في عدد من البلدان في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأروبا الشرقية.. بإصلاح منظومة الأمن، ولذلك يعتبر هذا الإصلاح مقدمة وأرضية خصبة لكل المبادرات البنّاءة في شتى المجالات، كما أن تحقيق التنمية الإنسانية المستدامة وتشجيع الاستثمار لا يتحققان إلا داخل بيئة آمنة ومستقرة، وفي مجتمع يدعم التمتع بالحقوق والحريات.. ذلك أن مهام الأمن تقترن بحماية المواطن، ودعم احترام مبدأ سيادة القانون..
 
 
إن كسب رهانات الحوكمة الأمنية ومتطلباتها، وترسيخ احترام حقوق الإنسان في بعديها الأفقي والعمودي، هو أمر لا يعني الدولة بمفردها، بل هي مهمة جماعية تسائل مختلف المؤسسات في القطاعين العام والخاص، كما يتطلب الأمر بناء الثقة بين المجتمع وفعاليات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية من جهة والأجهزة الأمنية من جهة أخرى.. على طريق تجاوز النظرة التي ترى بتناقض الأمن مع حقوق الإنسان أو بتعارض مبدأي الحرية وضبط النظام العام..
 
 
حقيقة أن الموازنة بين حفظ النظام العام من جهة وحماية وضمان الحقوق والحريات من جهة ثانية.. لا تخلو من صعوبات ومشاكل حتى في الدول المتقدمة، وهو تجسّده بعض الانحرافات والخروقات التي تواكب تعاطي هذه الدول مع قضايا الهجرة السّرية مثلا، بسبب تغليب الهاجس الأمني على البعد الإنساني للظاهرة..
 
 
إن ربح هذا التوازن على طريق بناء سلام مستدام؛ هو أمر مطلوب وطنيا ودوليا، تفرضه المكتسبات التي حققتها البشرية على مستوى تعزيز حقوق الإنسان في بعدها الشامل من جهة، وتنامي المخاطر والتهديدات العابرة للحدود التي باتت تهدد الإنسانية قاطبة.
 
 
ثمّة العديد من المقومات التي يمكن أن تسهم في تضييق الفجوة بين إرساء الأمن وحماية حقوق الإنسان، وهي تتلخص في تعزيز هذا الأمن بما لا يتناقض ومبادئ حقوق الإنسان، مع الاقتناع بأن تهديد الأمن هو مسّ بالحقوق والحريات أيضا، علاوة على ترسيخ التربية على الأمن وحقوق الانسان ضمن البرامج التعليمية، وتطوير القدرات بالنسبة للأجهزة الأمنية، وإرساء استراتيجية متكاملة وتشاركية في هذا الصدد..
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-10-31 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-12-20
2014-12-23
2016-12-04
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1626

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره