مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-05-10

الحل في سوريا

يُخطي من يظن بأن الحل في سوريا يمكن أن يأتي وفقاً للمعادلة الصفرية في العلاقات الدولية، أي أن يكسب طرف ما ويخسر الطرف الآخر، ونقصد بالأطراف هنا الدول الكبرى صاحبة اليد الطولا في التأثير على مجريات الأمور هناك، ونعني روسيا والولايات المتحدة. الطرفان يتزعمان معسكران ذو وجهتا نظر مختلفتان عن بعضهما البعض في التعامل مع الملف السوري. وكل منهما يعتقد أنه قادر على أن يفرض وجهة نظره على الآخر بحيث يُقصي وجهة النظر الأخرى، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق في مثل هذه المسألة.
 
الحل ببساطة هو في التوصل إلى توافق يرضي الطرف الروسي والطرف الأمريكي، ولكن المعضلة هي أن الطرف الروسي استخدم المسألة السورية لتحقيق مكاسب أكبر من مجرد المحافظة على مصالحة في سوريا. وهذا ما يجعل المسألة السورية معقدة للغاية، وتتطلب التفكير بشكل يخرج الجميع من نطاق الصندوق الذي يحدد نطاق المسألة في سوريا فقط، وهو ما تريده موسكو إلا أن واشنطن مترددة حوله. 
 
عين روسيا على مسائل أكبر بكثير من حدود مصالحه في سوريا. نعم سوريا مهمة لروسيا ولكن أهميتها تكمن في نطاق اعتبارها أداة من أدوات المحافظة على المصلحة الروسية في النظام الدولي لفترة ما بعد انتهاء عظمة الاتحاد السوفيتي. فلاديمير بوتين ورغم مساوئه التي ينظر لها الغرب إلا أنه بطل في أعين غالبية الشعب الروسي، والسبب بالطبع هي النزعة الوطنية التي حملها منذ توليه الرئاسة خلفاً لبوريس يالتسين والتي وعد من خلالها أن يبقي روسيا فاعلاً دولياً في النظام العالمي لا يرضخ لهيمنة الولايات المتحدة والغرب، وهذه النزعة هي التي ابقته في سدة الحكم لمدة نحو 17 عاما. 
 
سوريا أذاً جاءت في خضم هذا الفكر البوتيني الرافض للهيمنة الأمريكية. موسكو كانت واضحة في رفضها لتوسع الناتو لحدودها حيث الجمهوريات السابقة التي استقلت عن الإتحاد السوفيتي، فهذه الجمهوريات هي خطوط حمر لضمان أمن واستقرار روسيا من الهيمنة الغربية. لذلك جاءت مسألة أوكرانيا لتؤكد أن الروس لن يقبلوا ولن يسمحوا بتجاوز هذه الخطوط الحمر. أما عن سوريا فقد جاءت كتحصيل حاصل للتعبير الروسي عن الفكر البوتيني الرافض للهيمنة الغربية. 
 
لم تجد روسيا أمامها سوى خيار الدخول في سوريا بعد أن وجدت أن الولايات المتحدة تلعب لعبة الضغط على روسيا لإركاعها من خلال دعمها السياسي والإقتصادي لأوكرانيا وفرضها لعقوبات قوية على روسيا بسبب اجتياحها لشبه جزيرة القرم. وهاهي موسكو اليوم تنجح في فرض نفسها لاعب موثر في النظام الدولي رغم العقوبات المفروضة عليها، إلا أن موسكو  ترى أن ما تحصل عليه من فوائد سياسية يفوق ما تتكبده من خسائر اقتصادية. 
 
فالحل في سوريا بيد روسيا والولايات المتحدة، فروسيا تريد من الولايات المتحدة أن تعاملها كدولة كبرى لا تقل عن الولايات المتحدة في التأثير على معطيات النظام الدولي وأن تأخذ مصالحها في عين الحسبان وأن لا تتجاوزها بأي شكل ما كان. أي أن تُبقى واشنطن تعامل موسكو من منطق فترة الحرب البارة زمن الإتحاد السوفيتي والقائمة على تقاسم مناطق النفوذ واحترام كل طرف لنفوذ الطرف الآخر. وهذا بالطبع يتطلب قبول أمريكي بنفوذ روسي في مناطق مختلفة ويتطلب كذلك وقف سياسة التوسع في عضوية الناتو للدول المجاورة لروسيا. وهي النظرة التي لا تتفق معها واشنطن. وروسيا تنظر أنه يجب أن لا تفرض واشنطن عقوبات على روسيا بسبب تحركها للحفاظ على مناطق نفوذها. وفي سوريا فإن الحل في وجهة النظر الروسية لا يمكن أن يتم بذهاب الأسد لأن الأسد يجسد المصلحة الروسية التي لا يمكن أن تقبل موسكو بذهابها. فالحل في سوريا هو في ضرورة الأخذ في الحسبان المصلحة الروسية وضمان أن التغير لابد أن يتم بالتوافق وليس بالفرض. فنحن أقرب إلى الوصول إلى النموذج اللبناني في سوريا حيث اليد الطولا ستكون لأطراف خارجية تسيير السياسة الداخلية، شئنا أم أبينا لا حل في سوريا سوى  - وللأسف الشديد - هذا الحل.              
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-07-30 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1465

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره