مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2018-09-06

التدخّل الإنساني.. الذرائع والإشكالات

ينصّ ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة السابعة من المادة الثانية منه صراحة على عدم جواز التدخل في الشؤون التي تعد من صميم السلطان الداخلي للدول، وينطوي الأمر على حظر كل الأعمال والسلوكات السياسية؛ والاقتصادية؛ والعسكرية.. وحتى المواقف والتصريحات التي تصدرها أو تقوم بها جهات أجنبية (دول؛ ومنظمات دولية..) بشأن قضايا ومشاكل تندرج ضمن اختصاصات دولة أخرى ذات سيادة.
 
 
ونظرا لأهمية وخطورة هذا المبدأ، فقد تم تضمينه داخل مواثيق المنظمات الدولية والإقليمية. وعلى غرار العديد من المصطلحات والمفاهيم الهامة الواردة في الميثاق الأممي كما هو الأمر بالنسبة للسلم والأمن الدوليين، والعدوان..؛ جاء اصطلاح الاختصاص الداخلي مبهما وغامضا، ما أدى إلى بروز خلافات حادّة داخل الأمم المتحدة حول حدود هذا الاختصاص؛ والجهة التي من حقها تحديد مجاله (محكمة العدل الدولية أو مجلس الأمن..).
 
 
سعت الكثير من الدول النامية من داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إصدار الكثير من التوصيات الداعمة لسيادتها، مخافة توظيف الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم التدخل بشكل منحرف من قبل القوى الكبرى، وهو ما تعكسه التوصية رقم 2131 لعام 1965 المرتبطة برفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها، والتوصية رقم 2625 لعام 1970 المتصلة بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، والتوصية الصادرة عام 1962 والخاصة بالسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية..
 
 
وهو التوجه الذي رسّخته أيضا محكمة العدل الدولية بتأكيدها على منع التدخل بكل أشكاله أو ذرائعه، ونشير في هذا الصدد لقضية “كورفو” لعام 1949 وقضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في “نيكاراغوا” عام 1986..
 
 
يرتبط التدخل الإنساني بالتعرض لسيادة الدولة عبر وسائل زجرية تتنوع بين ما هو سياسي واقتصادي وعسكري.. بذريعة وضع حدّ لانتهاكات خطيرة تطال حقوق الإنسان.. وقد يتخذ هذا التدخل شكل تقديم مساعدات مختلفة دون اتفاق مسبق مع الدولة المعنية، أو إصدار مواقف وتصريحات معادية وتحريضية بنفس المبررات..
 
 
وتعود الأصول الأولى لهذا النوع من التدخل إلى العصور الوسطى من خلال ما أطلق عليه حينها بمبدأ الحروب العادلة التي كان أساسها في الغالب حماية الحقوق الدينية للأقليات ورعايا الدول التي تباشر هذا التدخل.. 
 
 
وينقسم التدخل الإنساني عادة إلى تدخل “إنساني” انفرادي تقوم به دولة معينة في دولة ثانية لحماية رعاياها، مثلما قامت به الولايات المتحدة في لبنان عام 1976 وجرينادا عام 1983 وبنما 1989، وما باشرته فرنسا من تدخل داخل الكوت ديفوار عام 2003، وإلى تدخل “إنساني” جماعي؛ يندرج ضمن قرار صادر عن مجلس الأمن..
 
 
ثمّة تضارب بين الفقهاء فيما يتعلق بشرعية التدخّل الإنساني، بين من يرفض الأمر من أساسه، لكونه يشكّل خرقا لمبدأ عدم التدخل ولسيادة الدول، وبين من يرى بشرعية التدخلات التي تتمّ في هذا الشأن؛ بناء على اتفاقات مسبقة تأخذ بعين الاعتبار إرادة الدول.. أو في حالة انهيار مؤسسات الدولة، أو عندما يتعلّق الأمر بارتكاب جرائم خطيرة ضد الإنسانية من قبل نظام شمولي..
 
 
حقيقة أن مبدأ عدم التدخل استخدم على كغطاء لتورّط عدد من الأنظمة المستبدة لجرائم فظيعة في حق شعوبها، غير أن تزايد الاهتمام الدولي بقضايا حقوق الإنسان؛ واستئثار الفرد بمكانة متميّزة ضمن اهتمامات القانون الدولي، سمح ببروز مفاهيم واصطلاحات تتعلق ب”واجب التدخل” و”ضرورة التدخل” بل وحتى “حقّ التدخل”.. وهو ما عكسته العديد من قرارات مجلس الأمن التي خلّفت نقاشات سياسية وأكاديمية واسعة بصدد شرعيتها أو ضرورتها، ونذكر في هذا الصدد قرار المجلس رقم 688 لعام 1991 القاضي بحماية أكراد العراق، وقراره رقم 794 لعام 1993 القاضي بالتدخل لوقف المآسي الإنسانية بالصومال في أعقاب انهيار الدولة..
 
 
ورغم الجهود التي قامت بها الأمم المتحدة في سبيل عقلنة وتقنين هذه التدخلات أمام الإخفاقات التي صاحبت الكثير منها، فإن واقع الممارسات الدولية يشير إلى تزايد هذه التدخلات على امتداد مناطق مختلفة من العالم سواء في إطار مبادرات انفرادية أو جماعية، ورغم الذرائع الإنسانية التي تصاحبها، فإن الواقع يؤكد في كثير من الأحيان أنها تنمّ عن خلفيات سياسية، أو تعكس توجهات انتقائية بتركيزها على أقطار معينة في مقابل غضّ النظر عن جرائم إنسانية خطيرة تقترفها بعض الأطراف، كما هو الشأن بالنسبة لإسرائيل..
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-09-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1486

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره