مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2019-03-01

الإعلام وإدارة الأزمات

لم يعد مفهوم القوّة في العصر الحالي مقترنا بتوافر المقومات العسكرية والاقتصادية فقط، بقدر ما أصبح مرتبطا أيضا؛ وبشكل أساسي؛ بامتلاك المعلومات والتكنولوجيا الحديثة؛ بما يتيح توظيف مختلف المقومات في تحقيق الأهداف المتوخّاة، علاوة على التأثير في الرأي العام داخليا وخارجيا..
 
 تشير الممارسات الدولية إلى أن أهمية القوة بمختلف تجلياتها لا تكمن في مجرّد امتلاكها فقط؛ ولكن في حسن توظيفها، ويؤكّد الكثير من الباحثين والمفكرين بأن القوة «الخشنة» تبقى مكلّفة وغير ناجعة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدول؛ وهو ما يطرح أهمية استحضار آليات القوة «الناعمة»؛ التي تقوم على الإغراء والجذب بدل الإكراه والزّجر.. واستثمار مختلف القنوات بما فيها الإعلام على طريق التأثير على صناعة الرأي والقرارات الدوليين..
 
وإذا كان توظيف الإعلام يتّخذ في كثير من الأحيان طابعا إيجابيا، عبر المساهمة في تنوير وتأطير وتنشئة المجتمع، والمساهمة في تدبير الأزمات بمختلف أشكالها، والتخفيف من وطأتها، فإنه يتّخذ في أحيان أخرى طابعا هدّاما، عبر اختلاق الأزمات وتكريس الفوضى، ضمن ما يعرف في أدبيات العلاقات الدولية بالإدارة بالأزمات التي تقوم على تصريف الأزمات الحقيقية عبر سبل ملتوية ولا أخلاقية.. تصل إلى حدّ إطلاق الإشاعات وإثارة النّعرات العرقية والطائفية والتحريض على العنف وإرباك التحالفات والمواثيق والمعاهدات الدولية..
 
وكما هو الأمر بالنسبة لتقنية إدارة الأزمات التي تتطلّب وجود مقومات بشرية وتقنية واقتصادية وعسكرية.. تسهّل التّحكم في مسار المشكلات وتحول دون تمدّدها؛ فإن الإدارة بالأزمة أصبحت تدعمها مخرجات مراكز الأبحاث الاستراتيجية؛ وكذا الآلة الإعلامية من حيث توجيه وتعبئة الرأي العام..
 
ينطوي التواصل إبان فترة الأزمات على أهمية قصوى، سواء تعلق الأمر بالتواصل الداخلي بين طاقم خلية الأزمة نفسها؛ عبر تمرير المعلومات بقدر كبير من السلاسة والوضوح، أو عموديا على مستوى إعمال التّشاور والتنسيق لاتخاذ قرارات ناجعة وعلى قدر من التشاركية والنجاعة، أو أفقيا من حيث تنوير المجتمع، بطبيعة الأزمة وخلفياتها وحدودها ومخاطرها، والسبل المتخذة على سبيل التعاطي معها..
 
عادة ما يرافق اندلاع الأزمات سيادة مناخ من الخوف والهلع والترقب في أوساط المجتمع، ما يفرض تدبير الوضع بقدر كبير من العقلنة والدّقة، وغالبا ما يتحمّل الإعلام جزءا كبيرا من المسؤولية في مثل هذه اللحظات العصيبة والمحطات القاسية، على مستوى ترسيخ ثقافة تدبير الأزمات، وبلورة تواصل إيجابي مع الرأي العام الذي يتابع تطور الأزمة باهتمام بالغ، ومدّه بالمعلومات الكافية والدقيقة؛ درءا لكلّ إشاعة أو انتشار لأخبار زائفة من شأنها إرباك الأوضاع والمساهمة في إفشال الجهود الرامية لتطويق الأزمة.
 
إن ما يضاعف مسؤولية الإعلام في هذا الصدد، هو الطفرة النوعية والكمّية التي لحقت حقل المعلومات، مع ثورة الإنترنت التي فتحت إمكانات هائلة، ومخاطر مختلفة في هذا الصدد، وبخاصة مع التطوّر والتمدد اللذان لحقا بشبكات التواصل الاجتماعي التي انتقلت من فضاءات للتواصل إلى تقنيات للضغط والتأثير..
 
ولذلك؛ يمكن لبعض وسائل الإعلام وقنوات التواصل الاجتماعي أن تلعب أدوارا سلبية خلال فترات الأزمات عن وعي أو عن غير وعي.. والواقع أن عدم استئثار الإعلام المحترف؛ سواء كان تابعا للدولة أو مستقلا، أو نابعا من خلية تدبير الأزمة نفسها بأدواره البنّاءة المفترضة في مثل هذه المحطّات الصعبة، يخلق حالة من الفراغ، تجعل المعلومة ككرة ثلج تتمدّد وتتضخّم بسرعة مع هذه التقنيات العابرة للحدود التي يسعى بعض أصحابها إلى كسب المشاهدة والانتشار والشهرة عبر تضخيم الأحداث ونشر الإشاعات  والابتزاز وإثارة الفوضى..
 
تبرز الكثير من الوقائع، أن اندلاع الأزمات وما تفرزه من ارتباك وهلع في أوساط المجتمع وصانعي القرار، في غياب خطّة استراتيجية واضحة في هذا السياق، يوفّر شروط انتعاش تقنية الإدارة بالأزمات التي تقودها قنوات إعلامية ضخمة بأجندات مختلفة، غالبا ما تنحو إلى توجيه الأحداث وخلق حالة من الإحباط داخل الفضاءات المستهدفة..
 
إن الاستثمار في المجال الإعلامي بكل أصنافه المرئية والمسموعة والمقروءة والإلكترونية.. بصورة احترافية تستوعب التّحولات والتحديات الدولية الراهنة، هو خيار استراتيجي رابح بكل المعايير، وإثراء لعناصر القوة الناعمة الكفيلة بتحقيق الأهداف المرسومة في أبعادها المختلفة، والقادرة على مواجهة كل التحديات والمؤامرات المطروحة في هذا الصدد..
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2019-04-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-07-13
2014-12-20
2014-12-23
2016-12-04
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1647

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره