مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2014-06-01

استشراف المستقبل: سمات الحرب

 
يتمثل أحد الأدوار الأساسية لكل زعيم استراتيجي في وضع رؤية مستقبلية، وتتطلب صياغة مثل هذه الرؤية أن يتخيل القادة الظروف الجيوسياسية المستقبلية، و تحديد أفضل مسار للأمة لتحقيق مصالحها الوطنية. وللقيام بذلك على نحو فعال، يجب على القادة فهم كل الطرق التي يمكن فيها استخدام القوة الوطنية في المستقبل.
 
وتتمثل إحدى استخدامات القوة الوطنية، التي يمكن أن يكون لها أقوى تأثير حاسم في ازدهارنا، في خصائص الحرب المستقبلية. وكما أشار المؤلف البروسي، كارل فون كلاوزفيتز، في كتابه "عن الحرب": إن أول القرارات التي يمارسها رجل الدولة وأروعها وأشدها حسماً هو أن يفهم الحرب التي سينخرط فيها..وهي أولى القضايا الإستراتيجية وأكثرها شمولاً"، ولذا فإن فهم سمات وخصائص الحرب المحتملة أمر بالغ الأهمية لأي زعيم وطني.
 
على الرغم من أن تصور سمات الصراع في المستقبل هو أمر صعب، فإن من واجب الجميع فهم أن الطبيعة الأساسية للحرب لا تتغير. وقد كتب كلاوزفيتز أن الحرب تشتعل على نحو ثابت، وتدور دائماً حول التفاعل المعقد بين ثلاثة عوامل دائمة: العاطفة، والفرص، والعقل. 
 
وهذه الدينامية تعني أن من شأن الحرب دوماً أن يسودها الخطر الشديد، والمجهود الهائل، والغموض الكبير، والدمار الذي لا مفر منه. وتتضافر هذه الخصائص جميعاً لتجعل جميع الحروب مروعة في حد ذاتها. فلماذا تخوض الدول الحروب؟ قبل كلاوزفيتز، وصف الجنرال والمؤرخ الإغريقي، ثوسيديدس، رأياً متبصراً جوهرياً استمر لأكثر من 2500 عاماً: سوف يستمر خوض الحروب، وسوف تبقى الاستراتيجيات العسكرية تتمتع بالأهمية؛ لأن البشر الذين يعانون النقص يبالغون في ردود أفعالهم تجاه مفاهيم "الخوف، والشرف، والمصلحة"، وفي أغلب الأحوال فإنهم يقررون محاربة بعضهم بعضاً بسبب إخفاقهم في الفهم. إن هول الموت والدمار، إلى جانب استعداد الإنسان للتأثر بمفاهيم "الخوف، والشرف، والمصلحة"، يكشف الطبيعة الحقيقية والثابتة للحرب بأنها وحشية ومدمرة وقد لا يمكن السيطرة عليها. أما الذي يتطور بالفعل مع مرور الوقت فهو سمات كل حرب، حيث تتغير في الأساس نتيجة التقدم في مجال التكنولوجيا.
 
لذلك، وعلى الرغم من أن طبيعة الحرب لا تتغير، فإن سمات الحرب المستقبلية ستتغير مع تطور أدوات الحرب. في المستقبل القريب على سبيل المثال، من المرجح أن تكون الحرب أقل اعتماداً على الإنسان وأكثر استخداماً لقدرات تكنولوجيا النانو الدقيقة. وكما يذكر بيتر سينجر في كتابه "الحرب عن بعد: ثورة الروبوتات والصراع في القرن الحادي والعشرين": "ثمة ثورة مذهلة تجري في ميدان المعركة، ولم يقتصر أثرها في التغيير على كيفية خوض الحروب، بل أيضاً على السياسة والاقتصاد والقوانين والأخلاقيات التي تحيط بالحرب نفسها." إن تكنولوجيا النانو الدقيقة تنطوي على التلاعب بالمادة على المستوى الجزيئي، وإنتاج مواد تكتسب صفات جديدة كلياً. على سبيل المثال، تسهم تكنولوجيا النانو في تمكين الطائرات بدون طيار البالغة الصغر من إجراء عمليات مراقبة واستطلاع حتى داخل الأماكن المغلقة. كما يمكن أن تقوم أجهزة حاسوب صغيرة للغاية بصنع قذائف قادرة على تصحيح مساراتها في الجو، مثل صواريخ كروز المصغرة. 
 
وتستطيع معالجات النانو أن تنتج قفزات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى مزيد من منظومات الأسلحة المتطورة. ويعتقد بعض المحللين أن مثل هذا التقدم التكنولوجي القوي من شأنه أن يجعل الدول تحجم عن الدخول في الحرب، ولكن كما أن المنظرين اعتقدوا بحماقة أن القنبلة الذرية ستؤدي إلى سلام دائم، فإن ثوسيديدس وكلاوزفيتز يتنبآن بدقة خلافاً لذلك.
 
في عام 1913 ألف نورمان أنجيل كتاب "وهم كبير، دراسة عن العلاقة بين القوة العسكرية والمصلحة الوطنية". كانت فرضية هذا الكتاب أن الاقتصادات الوطنية في أوروبا قد نمت على نحو متداخل فيما بينها بحيث أصبحت الحرب بين الأوروبيين مستحيلة، ولكن بعد عام فقط التهب العالم كله بنيران الحرب العالمية الأولى. وخلال تلك الحرب مات نحو 16 مليون شخص وجرح 20 مليون نسمة، مما جعلها إحدى أعنف الصراعات في تاريخ البشرية. واليوم، بعد قرن من نشوب ذلك الصراع الرهيب، يجب علينا جميعا أن نفهم تماماً الحرب من أجل تجنب الصراعات والحفاظ على السلام الذي يدعم ازدهارنا ورخاءنا الوطني. كما يجب علينا أيضاً أن نكون قادرين على تصور كيف يمكن أن تتغير خصائص الحرب في السنوات المقبلة من أجل ضمان ألا تعاني أمتنا من أسوأ آثار الخوف والشرف و المصلحة الوطنية .
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2018-01-29 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2012-05-01
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1370

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره