مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-05-02

عمليات الراية الكاذبة

بقلم : اللواء الركن بحري إبراهيم سالم محمد المشرخ 
 
وهي جريمة حرب لا يمكن تبريرها، اياً كان الفاعل . إذ تعد هذه الكارثة إحدى تجاوزات الحرب البشعة مهما كانت مبرراتها ودوافعها، وان ادعى المهاجمون انهم استهدفوا مستودعات تحتوي على أسلحة كيميائية ، فهي أيضا جريمة لا تغتفر. وقد جاءت الضربة الامريكية التي استهدفت مطار الشعيرات في 6 ابريل ، اي بعد الهجوم الكيميائي بيومين ، لتؤكد هوية الفاعلين من وجهة نظر الإدارة الامريكية، حيث اكدت وزارة الدفاع حينها انها تمكنت من تدمير %20 من قدرات السلاح الجوي السوري.
 
تكهنات وبوادر
بعد وقوع الحادث بدأ التطبيل والتزمير الاعلامي من مناصري المعسكر الشرقي للبحث عن تبرير مقنع لتلك المذبحة ، وعليه فقد عجت المحطات الإخبارية، ومواقع التواصل الاجتماعي الموالية للحكومة السورية، بسيناريوهات جديدة للموقف، لتبرر للمجتمع الدولي ان ما جرى لا يعدو عن هجوم مفبرك قامت به المعارضة لإلصاق التهمة بالجيش السوري ، ولقد ذهبت احدى المحطات الى ابعد من ذلك، حينما ادعت انه قد تم قتل الضحايا من المدنيين سلفاً قبل الهجوم وتجهيزهم كفناني مسرح دمى تحركهم أيدي المخرج باحتراف من تحت الطاولة.
 
دراسة الحالة 
يأتي ما تقدم مثالاً حياً على شن عمليات لا يمكن وصفها الا بعمليات الراية الكاذبة ، لما يدعيه كل طرف بان خصمه هو المسؤول عن هذه المجزرة ، خاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار الظروف المحيطة بهذا الحدث ، من عدم التمكن من اجراء تحقيق دولي مباشر ، وإمكانية استغلال الجماهير الواهنة والمدروسة بعناية من الناحية النفسية والعقائدية ، عداك عن الدعم الذي تقدمه أجهزة الإعلام التي أصبحت تقود الموقف في عصر المزاودات والنكاية لتقلب الحق باطلا والباطل حقاً. 
وهنا يبدأ التحليل حلقته الأولى بعد الاطلاع بالتفصيل على ما يتوفر من معلومات، ودراسة الموقف الجيوسياسي المتأزم على الصعيدين الاقليمي والدولي. وكما نعلم بان تأزم الأوضاع الداخلية يدفع الاطراف المتحاربة الى البحث عن وسيلة للخروج من مأزقها، ولو اضطرت الى استخدام اسلحة غير تقليدية محظورة على حساب الابرياء. فإدعاءات الجهات التي قامت بالهجوم الكيميائي ان ما جرى هو عمل اجرامي قام به اعدائها يضفي على هذه العملية طابع عمليات الراية الكاذبة (False Flag Operation) التي يتم اللجؤ فيها لتنفيذ هذا النوع من العمليات للخروج من الازمات، واحراج الاطراف المعادية ،وتنفيذ الخطط التي كانت قد رسمت سلفاً. فما هي إذن عمليات الراية الكاذبة؟.
 
عمليات الراية الكاذبة
يعتبر هذا المصطلح مصطلحاً بحرياً بامتياز حيث كان اول استخدام له في الحروب البحرية، وهو قيام سفينة برفع علم لا يعبر عن هويتها الحقيقية بهدف خداع الأعداء، والتمكن من الاقتراب من السفن المعادية قبيل الاشتباك والتلاحم. ونشير هنا ان اتفاقيات جنيف تحظر في اي نزاع مسلح استخدام الاعلام او العلامات او الشارات او الازياء العسكرية الخاصة بالدول المحايدة او غيرها من الدول التي ليست طرفاً في النزاع اصلاً. اما في الوقت الحاضر فيستخدم المصطلح لوصف العمليات العسكرية السرية التي تخدم اهدافاً سياسية واستخبارية. وقد صممت بعض هذه العمليات لخداع الجماهير واقناعهم بان ما تقوم به حكوماتهم ما هو الا رد فعل على هجوم معاد خارجي، مما يعطي الحكومة التخويل السياسي المطلوب لشن الحرب بعد اقناع العباد أن البلاد وقعت ضحية لتلك الهجمات . وتزداد اهمية عمليات الراية الكاذبة حينما يكون الشعب لا يريد الحرب ، وتكون المعارضة قوية ، بحيث تحبط محاولات القيادات العليا للقيام باي اعمال عسكرية، لياتي دور السلطة لتضع المعارضة امام الشعب في نفس خانة العدو، وقد كان ذلك واضحاً حينما  خاطب احد رؤساء امريكا الاصوات الرافضة لاعلان بلاده الحرب بالقول» هل انتم معنا ام ضدنا» . ولك أن تتخيل قدرة الدول المتقدمة من موارد وتكنولوجيا ونفوذ وإعلام على انجاز مثل هذه العمليات المضللة بكل سهولة ويسر. وجدير بالقول ان مثل هذه العمليات قد تاتي اثر تمهيد الاجهزة الاستخبارية الطريق امام المخربين، او تقديم المساعدة لهم في ضرب منشآت داخل البلاد لتمكين الحكومة من اتخاذ إجراءات طالما كانت تطمح اليها مثل اعلان حالة الطوارئ او فرض الاحكام العرفية مثلاً.
 
دراسة الهدف
يتم دراسة الاوضاع النفسية للجماهير المستهدفة بتلك العمليات دراسة معمقة شاملة يقوم بها المتخصصون في دراسة الارهاب «Terrorologists”  للخروج بافضل الوسائل لتطبيق خدعتهم “Big Lie”. وبمساندة الإعلام وتكرار خلاصة الخطط على اذهان الجماهير المستهدفة تتهيأ الفرصة لقبول الافكار الجديدة التي يريدون زرعها وما  الاسلاموفوبيا «Islamophobia”  الا احدى الامثلة الصريحة على ذلك. ويتم التركيز على نقاط ضعف الجماهير من خوف وسذاجة وامية ، واستغلال معتقدات الناس من حيث ايمانهم بالقدرية (Just-World Hypothesis) او مستوى التنافر المعرفي والاقتناع (Cognitive Dissonance and Conditioning) لديهم لتقليل نسبة الجماهير التي لا تنطلي عليهم الخدع.
 
استراتيجيات التراجع
تستند عمليات الراية الكاذبة خلال التخطيط لجملة واسعة من إجراءات التراجع الطارئة لتعطيل التحقيقات في حال فشل العملية ، والسماح للمنفذين باختيار الرواية الرسمية المناسبة المقنعة ، التي تتوافق مع تدرج الأحداث وتطورها بعد التنفيذ. وقت تضطر تلك الاجهزة الى اتخاذ اجراءات احترازية اضافية، مثل تصفية الشهود، وابتزاز الصحفيين،  للمحافظة على سرية تلك العمليات ، على الرغم مما تنطوي علية تلك الإجراءات المضادة من مخاطر.
 
أمثلة على عمليات الراية الكاذبة
هنالك أمثلة كثيرة وبالمئات على تبني بعض الحكومات لتكتيكات الحرب النفسية فيما يتعلق بتهيئة الجماهير للقبول بما تم فبركته من خطط تجعلهم يعتقدون ما يطلب منهم ان يعتقدوا، ومن هذه الأمثلة لا الحصر:
- سعي ملك السويد في ثمانينيات القرن الثامن عشر للبحث عن طريقة لتوحيد شعبه المقسم ، ورأب ارثه السياسي المتصدع، حيث راى بان اشعال حرب مع روسيا هو الحل. وفي ظل افتقاره للسلطة السياسية لإعلان الحرب  من جانب واحد ، فقد طلب من خياط الاوبرا حياكة ملابس عسكرية روسية، لبسها بعد ذلك جنود سويديون قاموا بمهاجمة موقع مراقبة سويدي على الحدود مع فنلندا وهي جزء من حدود السويد مع روسيا، الامر الذي اثار غضب الجماهير في ستوكهولم معتقدة بان الروس قد قاموا فعلاً بمهاجمة الموقع الحدودي السويدي ، وهيَّأ الرأي العام لشن الحرب التي استمرت بين عامي 1788-1790.
 
- وفي عام 1931 قام احد ضباط الجيش الياباني بتفجير المناطق المرتفعة على طول سكة الحديد التي تمتلكها اليابان في مدينة موكدن في منشوريا، وقد القي باللوم آنذاك على المنشقين الصينيين واستخدم هذا الحادث لتبرير احتلال اليابان لمنشوريا بعد ذلك بستة اشهر. وعند اكتشاف هذه الخدعة واجهت اليابان مواقف دبلوماسية صعبة اضطرتها الى الانسحاب من عصبة الامم.
 
- وفي عام 1939 وضع الالماني هنرك هملر خطة لاقناع الراي العام الالماني بأن المانيا ضحية للعدوان البولندي لتبرير غزو بولندا. وبذلك تم فبركة هجوم واعتداء على محطة الاذاعة الالمانية»Sender Gleiwitz” الواقعة بالقرب من الحدود البولندية من قبل جنود سجناء بولنديون يرتدون الزي العسكري البولندي والذين تم قتلهم وتركهم داخل محطة الاذاعة ، حيث قام الألمان في نفس اللحظة بإذاعة رسالة باللغة البولندية من نفس المحطة مناهضة لألمانيا ،متظاهرين ان وحدة عسكرية بولندية هاجمت الاذاعة بعد تقديم الجثث كدليل على الهجوم. إثر ذلك قام هتلر بغزو بولندا مباشرة معلنا بذلك بداية الحرب العالمية الثانية.
 
- وفي عام 1962 اقترح رئيس هيئة الاركان المشتركة الأمريكي خطة (Operation Northwoods) يطالب بها الحكومة الأمريكية السماح بتنفيذ سلسلة من الهجمات التضليلية داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك اسقاط طائرات عسكرية ومدنية، وحوادث قنص داخل واشنطن ، لإلقاء اللوم على الكوبيين، لإيجاد حجة وعذر مقنع لإصدار الأوامر بغزو كوبا، ورفض الرئيس الامريكي جون كندي توقيع هذه الوثيقة قبل عام من اغتياله.
 
- وفي شهر اوغسطس من عام 1964 تعرضت المدمرة الامريكية (USS Maddox) خلال قيامها بمهمة الدوريات في خليج طونكن للهجوم من زوارق طوربيدية تابعة لبحرية فيتنام الشمالية ، حيث اشتبكت المدمرة مع تلك الزوارق وردت على النيران. نتج عن هذا الحادث إصدار قرار دولي بشأن خليج طونكن يسمح للرئيس جونسون بشن الحرب على فيتنام. وبعد عدة سنوات سجلت اعترافات بان المدمرة لم تتعرض اصلاً للهجوم ، ليتضح في عام 2005 بان وكالة الأمن القومي (National security Agency) تلاعبت بالمعلومات ليبدو ان هنالك هجوماً ضد السفن الامريكية في ذلك الوقت.
 
- وفي خريف عام 1999 اجتاحت التفجيرات عدد كبيراً من المباني السكنية في المدن الروسية ، وأدت الى مقتل 293 شخصاً وأحدثت دماراً ورعباً هائلين. وعلى الرغم من إلقاء اللوم على الإرهابيين الشيشان الذين كانوا يصارعون الروس في الحرب الشيشانية الثانية، فقد القي القبض على عملاء جهاز الأمن الفدرالي (FSB)وهم يزرعون العبوات المتفجرات المطابقة لنوع المتفجرات المستخدم في تفجير المباني السكنية. عندها ادعت الحكومة الروسية ان ذلك جزء من تمارين امنية خاصة. وفي أعقاب نفس هذه الموجة تولى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السلطة في روسيا في وقت متاخر من ذلك العام.
 
تعتبر هذه ألامثلة قليلة جداً بالنظر الى  مئات الحوادث التي تم فبركتها لتحميل الجهات المعادية دولا او افراداً او منظمات جرائم لم يرتكبوها بهدف تحقيق مآرب خاصة. ولا يزال استخدام نفس هذه الأساليب شائعا في عصرنا الحاضر، ولكن كشف تلك الاعمال يحتاج الى التسلح بالعلم والمعرفة والخبرة والاطلاع المستمر على الأحداث التاريخية، لانها دروس مستفادة لا بد من الاستعانة بها لتنير لنا المسقبل وتكشف غمة التكهنات.
 
إختبار عملي
وفي 15 أبريل الماضي كشف موقع سكاي نيوز عربية الاخباري الالكتروني بعنوان «صحيفة تكشف مصدر متفجرات هجوم دورتموند»، أشارت فيه إلى أن مصدراً مشاركاً في تحقيقات الهجوم، قال ان المتفجرات التي استخدمت في الهجوم على حافلة فريق كرة القدم الالماني المذكور، قد تكون من الامدادات الخاصة بالقوات المسلحة الالمانية. وقد اكد الخبر الذي نقله الموقع الاخباري المذكور عن صحيفة «فيلت إم سونتاغ» ان المتفجرات في القنابل الانبوبية التي كانت مليئة بمسامير، قد تكون قد جاءت من مخزون القوات المسلحة الالمانية. ولا يزال البحث جارياً للتاكد من ذلك. ولم يتضح بعد من نفذ الهجوم الذي وقع الثلاثاء 11 ابريل 2017، وشكك الادعاء الالماني في صحة رسائل اشارت الى ان متشددين قد نفذوا الهجوم طبقاً للرواية التي اورتها صحيفة «بيلد» ، عن محقق قوله «أن متطرفين يمنيين مسؤولون على الارجح عن هذا الهجوم. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-06-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1164

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره