مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-08-08

اهتمام الإمارات بالقوة الناعمة ... المنطلقات والأبعاد

لم يعد المستقبل هو ما يجب أن ننتظره بل ما يمكن أن نصنعه، عبر أفكار خلاقة، وتخطيط علمي، يرمي إلى تحسين شروط حياة الأجيال القادمة، وهو مسار ليس من الصعب المضي فيه قُدما مع يقظة الحلم، وتوافر الإرادة، وكفاءة الإدارة، وقبل كل هذا وضوح الهدف، والتجريب المستمر من أجل الأفضل. وأعتقد أن العنصر الأهم الذي يجعل بعض الدول تتقدم وأخرى تتخلف، ليس هو توافر المواد الخام، ولا رأس المال، بقدر ما هو وجود أفكار إبداعية تتوالى، متوزعة على مختلف مناحي الحياة، تتبناها إدارة سياسية واعية بالمتغيرات ومدركة للمتطلبات كافة، وتترجمها إلى برامج وخطط، تجد طريقا وسيعا يسيرا إلى التنفيذ.
 
بقلم:  د. عمار علي حسن
 
 
ويبدو هذا التصور حاضرا، إلى حد كبير، في خطة «الإمارات 2071» الذي انطلقت مؤخرا، وتمثل برنامج عمل حكومياً طويل الأمد، يتضمن وضع استراتيجية وطنية  لتعزيز قوة الدولة الناعمة، وتحسين موقعها في كثير من المؤشرات المعنية برصد وقياس ما ارتقته الدول في العديد من المجالات، حتى تحل المئوية الأولى لقيام اتحاد «دولة الإمارات العربية» فتجني الأجيال القادمة نتاج عمل حكومي متواصل لخمسة عقود من الزمن. 
وتقوم هذه الخطة على أربعة محاور يمكن شرحها تفاصيلها على النحو التالي:
 
1 ـ  حكومة مرنة: وهي حكومة تقاد أو تدار بوعي، وفق رؤية بعيدة المدى، تسعى إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي، وتقدم رسائل إيجابية للعالم، إثر تبنى أفضل التجارب والممارسات، النابعة من استراتيجية وطنية لتعزيز القوة الناعمة للدولة، وضمان وجود مصادر جديدة ومتنوعة للإيرادات الحكومية المستدامة  والقدرات المالية والاستثمارية بعيداً عن النفط، وتطوير آلية لرصد المتغيرات التي تطرأ على مختلف القطاعات، وقياس حجم تأثيرها في الأجيال المقبلة، التي يجب أن تشارك في كل هذه العمليات والسياسات والمبادرات من خلال إنشاء مجالس استشارية لها في القطاعات الحكومية كافة، بل وتولي العناصر الكفؤة منها مسؤولية الإدارة والتسيير.
 
2 ـ تعليم للمستقبل: ويتم هذا بتعزيز مستوى تدريس العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، لاسيما في مجالات الفضاء والهندسة والابتكار والعلوم الطبية والصحية، وترسيخ القيم الأخلاقية والتوجهات الإيجابية، وتلك التي تُعلي من مستوى الاحترافية والمهنية في المؤسسات التعليمية، وتكوين عقول منفتحة على تجارب الدول المتقدمة، عبر تعليم الطلاب تاريخ وثقافات وحضارات الدول الأخرى، وتدريسهم لغات جديدة كاليابانية والصينية والكورية، ووضع آليات لاستكشاف المواهب الفردية للطلبة منذ المراحل الدراسية الأولى، والتركيز على تمكين المدارس من أن تكون بيئة حاضنة في مجال ريادة الأعمال والابتكار، وتحويل المؤسسات التعليمية في الدولة إلى مراكز بحثية عالمية، وتعزيز منظومة التعلّم المستمر والتكاملي، وضمان وجود جامعات إماراتية ضمن قوائم أفضل الجامعات عالمياً، تكون جاذبة للطلبة والأكاديميين والباحثين من مختلف أرجاء المعمورة، وتعمل على تأهيل الأجيال المقبلة لزمن مختلف.
 
3 ـ اقتصاد معرفة متنوع: وهناك طموح ليكون اقتصادا بوسعه منافسة أفضل اقتصادات العالم. ويتم هذا عبر تطبيق آليات عدة، من بينها: رفع مستوى الإنتاجية في الاقتصاد الوطني، ودعم الشركات الوطنية للوصول إلى العالمية، والاستثمار في البحث والتطوير في القطاعات الواعدة، والتركيز على تلك التي تعتمد على الابتكار والريادة والصناعات المتقدمة، وتطوير استراتيجية اقتصادية وصناعية وطنية تستشرف المستقبل، وتضع الإمارات ضمن الاقتصادات المهمة في العالم، وتربية وتنمية جيل من المخترعين والعلماء الإماراتيين، ودعم إسهامهم في تطور العلوم والتقنية، والتنسيق والتكامل مع الدول المتقدمة في هذا الشأن، وتحسين المستوى المهني لدى الإماراتيين، وإكسابهم ثقافة عمل جديدة، وتشجيع تصدير المنتجات والخدمات الوطنية المتقدمة لمختلف أنحاء العالم عن طريق برامج متخصصة ومكثفة، ودعم وتشجيع زيادة نماذج الشركات الإماراتية الرائدة.
 
4 ـ مجتمع أكثر تماسكا: ويتحقق هذا بترسيخ قيم التسامح والتماسك والتواضع والاحترام والولاء للوطن في ربوع المجتمع، وكذلك تمكين الشباب والنساء، وجعل السعادة والإيجابية أسلوب حياة، وتوفير جودة عالية في مجالي الصحة والرياضة، وتوظيف كل الطاقات البشرية في طريق التكاتف والتعاون، وتكوين أسر واعية بمتطلبات المرحلة المقبلة، وتطوير برامج تجعل أجيال المستقبل قادرة على إعطاء نموذج جيد عن دولة الإمارات في الخارج، والأهم هو زيادة مستوى التفاف الإماراتيين حول وطنهم وراية اتحادهم.
 
وتأخذ هذه الاستراتيجية بأركانها الأربعة في حسبانها عدة اعتبارات، أولها أن عصر النفط يوشك على الرحيل، وأن الاستعداد لما بعده واجب وطني، ومسؤولية حكومية، لا يمكن التنصل منها، أو التغافل عنها. فالمجتمع الإماراتي، شأنه شأن الدول النفطية الأخرى في الخليج العربي وغيره، اعتاد على نمط من المعيشة، لابد من أن يستمر تنعمه به بعد ذبول تأثير النفط في الحياة، إما لتراجع أسعاره، أو لتدني نسبة الاعتماد عليه بعد ظهور بدائل أخرى للطاقة، أو نضوب احتياطياته لدى منتجيه. 
 
واستمرار مثل هذا العيش يتطلب ضمان وفورات مالية، وهذا لن يتحقق من خلال الاعتماد على مدخرات الحقبة النفطية، والذي تم تجميعها في صناديق سيادية، إنما عبر بناء اقتصاد مختلف، في موارده وتوجهاته ورهاناته والقوى الفاعلة التي تحرك مفاصله، أو تتحكم في آلياته. 
 
وثانيها أن هذه الاستراتيجية تتسم بالتكامل والترابط، وهما خاصيتان أساسيتان للتفكير الاستراتيجي بشكل عام، إذ إنها قامت على سلسلة من البرامج التي يعتمد كل منها على الآخر، وهي تشكل مقدمات وعمليات للتحويل ثم نتائج. فالمقدمات تتمثل في العمل من أجل اقتصاد متنوع، وتطوير التعليم وتحديثه، وعملية التحويل تتمثل في الجهود الإدارية التي تقوم بها حكومة مرنة ومدربة ومطلعة على أحدث الخطط، ومستعينة بمستشارين أكفاء، لتكون النتيجة هي مجتمع متماسك، ينعم برغد العيش والأمان، ويتطلع إلى المستقبل بخطى واثقة وقلوب مطمئنة.
 
وفي إطار هذه العمليات المتلاحقة فإن تحديث الاقتصاد وتنويعه لا يمكن أن يتم إلا بزيادة الاعتماد على القدرات الفكرية، وليس الموارد الطبيعية التي يتكئ عليها الاقتصاد التقليدي، وهذا يتطلب نظاما تعليميا مختلفا. كما أن الأمرين لا يتحققان معا إلا بإدارة تتمتع بلياقة ذهنية عالية، وقدر كبير من المرونة، التي تؤهلها للتعامل مع المتغيرات والمستجدات.
 
وثالثها أن القيادة السياسية، التي تبنت مشروعات من هذا القبيل في السنوات الأخيرة، معنية بتعزيز قدرات الدولة والحفاظ على حد الكفاية الاجتماعية والاقتصادية الذي اعتاد عليه المجتمع، فإذا كانت هذه القدرات قد تطورت وتقدمت بفعل توظيف عوائد النفط، فإنه لا يجب تركها تتدهور إثر تراجع هذه العوائد، بل يجب توفير البديل الآمن من الآن، وبما يقي الدولة من أي هزات تؤثر على تماسكها، أو علاقة مواطنيها بالإدارة أو القيادة، أو بالفكرة الجامعة التي التف حولها شعب الإمارات والتي تبلوت في شعار “البيت متوحد”، أو حتى بما تقوم به دولة الإمارات من مد يد العون إلى الآخرين.
 
أما البعد الرابع فيتعلق بفتح الباب أمام الأجيال المقبلة للمشاركة في صناعة حاضرها ومستقبلها، لاسيما بعد اتساع رقعة التعليم في المجتمع الإماراتي. فالأجيال التي عاصرت ظهور النفط وطفراته المتوالية كانت تعتمد على شراء الخبرات والإمكانات المادية من الخارج، وهي مسألة تفكر القيادة الحالية في تغيير مسارها، بحيث يعتمد الإماراتيون على أنفسهم في بناء نمط العيش الذي يريدون توفيره لأنفسهم في المستقبل، وفي القدرة على إدارته دون تردد ولا إبطاء.
 
والبعد الخامس يتمثل في تجهيز المجتمع لمنظومة قيم تواكب العصر الجديد المختلف. ففي عصر النفط كانت القيادة السياسية حريصة على عدم انسلاخ حاضر الإماراتيين عن ماضيهم، ولذا وجدنا حديثا مطولا وعميقا ودائما عن الموروث وفضل الأجداد على الأحفاد، وكان الكبار يذكرون الصغار دوما بما كان في الماضي من شقاء وكفاح مضن في سبيل العيش، وذلك كنوع من الضبط الاجتماعي الضروري للحفاظ على هوية المجتمع، وعدم الانغماس في الترف إلى حد الإفساد، كما جرى لمجتمعات أخرى. 
 
ويبدو الآن أن القيادة، بمشروعها الذي نحن بصدده هنا، عازمة على تجهيز الجيل الجديد لقيم أخرى مثل الاستقلالية، والاعتماد على الذات، والانفتاح على الآخرين ثم تقبلهم ورعاية مشاعرهم، لأن المجتمع الإماراتي سيظل متنوعا على النحو الذي نراه في الوقت الراهن، بل إن هذا التنوع سيتجذر لأنه سيستند إلى أسس اقتصادية مختلفة، تنقله من الكم إلى الكيف، إذ أن زيادة مستوى الأتمتة في القطاع الصناعي ستجعل الحاجة أقل إلى القوى العاملة الكبيرة، وفي الوقت نفسه تؤثر على المهارات المطلوبة لسوق العمل. 
 
إن مشروع الإمارات 2071 يعد هو أبعد خطوة تضعها دولة الإمارات العربية المتحدة في مسار صناعة المستقبل، وأعتقد أن تلك الأركان الأربعة التي يقوم عليها، سيكون لها صدى كبير على مختلف المؤسسات، وكذلك الإجراءات والقرارات والتشريعات والتدابير والبرامج، في السنوات القليلة المقبلة.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-08-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2014-12-20
2016-11-03
2014-12-23
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1188

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره