مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-01-04

القمة العالمية لرئيسات البرلمانات... واستحقاقات المستقبل

بقلـــــم:/ ياسر عبد العزيز
إن النظر إلى المستقبل، وحساب الفرص المتولدة عن معطيات التقدم المادي، أمر ضروري بكل تأكيد، لكن المشاركة في تلك المسيرة الذكية، لا تتطلب الوعي بها فقط، والأخذ بأسبابها، وإنما تتطلب كذلك حساباً دقيقاً لتأثيراتها في البنية المجتمعية، وقدرة على تفادي مخاطرها.
 
تبدو دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من دول العالم الأكثر ارتباطاً بمفاهيم التقدم والحداثة، لكنها تخطو خطوات محسوبة في ذلك المجال، بحيث تحرص على الموازنة بين استحقاقات التنمية والتقدم والرفاه من جانب، والالتزام الوثيق بالهوية الوطنية والخصوصية الاجتماعية واستحقاقاتها من جانب آخر.
 
في الفترة من 12 إلى 13 ديسمبر 2016، انعقدت في أبو ظبي «القمة العالمية لرئيسات البرلمانات»، وهي القمة الأولى من نوعها على المستوى الدولي، ولم يكن مستغرباً بطبيعة الحال أن تكون الداعية إلى القمة هي الدكتورة أمل القبيسي رئيسة المجلس الوطني الاتحادي، التي باتت أول إمرأة عربية تتولى رئاسة البرلمان في بلادها، على مدى نحو 150 سنة من الممارسة البرلمانية العربية.
ولم يكن مستغرباً أيضاً أن تكون كلمة الدكتورة القبيسي في افتتاح القمة تحت عنوان «استشراف المستقبل»، تكريساً لدور المرأة الإماراتية في العمل الوطني من جهة، وتعزيزاً لمسؤوليتها تجاه صنع مستقبل العالم، عبر التعاون مع نظيراتها في شتى الدول، من جهة أخرى.
 
حضر فعاليات تلك القمة نحو ألف من المشاركين والمشاركات، من بينهم نحو 100 شخصية عالمية بارزة، وأكثر من 400 برلماني يمثلون 50 دولة، ونحو 200 من الشباب، فضلاً عن قادة سياسيين، ودينيين، ومسؤولين حكوميين، وأصحاب مشروعات ومبادرات خاصة، ورؤساء منظمات، وعلماء ومخترعين، ليناقشوا موضوعات تخص مستقبل العالم، ودور البرلمانات في تشكيل هذا المستقبل.
وقد أتيحت الفرصة لرئيسات البرلمانات في عدد من مختلف دول العالم للتعبير عن أفكارهن ورؤيتهن للأدوار التي يمكن أن تلعبها الجمعيات الوطنية في التصدي للتحديات ومواجهة المشكلات وصياغة المستقبل.
الشعار الرئيس لهذا الحدث البارز وغير المسبوق على المستوى الدولي كان «متحدون من أجل تشكيل المستقبل»؛ وهو شعار يعبر عن توجهين رئيسين في سياسة دولة الإمارات الخارجية؛ أولهما الاتحاد والتعاون والتنسيق ونبذ الفرقة والنزاع، وثانيهما النظر إلى الأمام والعمل من أجل المستقبل المشترك.
بسبب هذين التوجهين الرئيسين، حرص الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية، في الكلمة التي ألقاها في افتتاح القمة، على أن يركز على موضوع «تحويل التحديات إلى فرص»، بعدما ضرب عدداً من الأمثلة على مشكلات كبيرة تم التعامل معها بحكمة، فتحولت إلى مزايا وعناصر تفوق.
ولأن القمة جعلت استشراف المستقبل هدفاً رئيساً لها، فقط حرصت على دعوة عدد من الخبراء والعلماء البارزين على المستوى العالمي، لكي يعرضوا صورة المستقبل، ويستشرفوا فرصه ومخاطره.
 
محركات المستقبل السبعة
 في اليوم الأول لأعمال القمة، عرض الخبير العالمي في مجال استشراف المستقبل «راي هاموند» رؤيته للمحركات الرئيسة التي تشكل مستقبل العالم، وقد لخصها في سبعة محركات على النحو التالي:
 
أولاً: الانفجار السكاني اللامتماثل
يرى «هاموند» أن الحالة السكانية تعكس تحدياً خطيراً على الصعيد العالمي، معتبراً أن معدلات الزيادة السكانية الحالية تطرح مخاطر كبيرة، وقد أكد أن العالم يعاني ما أسماه «مشكلة الانفجار السكاني غير المتماثل»، بالنظر إلى أن الدول الأقل نمواً هي الأعلى في معدلات الزيادة السكانية، مقارنة بالدول الأكثر نمواً، التي بات بعضها يعاني من مشكلة تراجع عدد السكان، وتقلص قوة العمل الشابة.
يقول «هاموند» إن عدد سكان العالم سيتزايد بما يراوح بين ثلاثة إلى أربعة مليارات خلال سنوات، وهؤلاء السكان الجدد سيحتاجون موارد ضخمة كالطعام، والماء، والطاقة، فضلاً عن فرص التعليم، والرعاية الصحية، والسكن، والعمل.
 
ثانياً: تغير المناخ
يرى «هاموند» أن التغيرات التي تضرب المناخ العالمي تتزايد بوتيرة متسارعة، وأنها تطرح مخاطر كبيرة، يمكن أن تشكل قيداً على عمليات التنمية، ويمكن أيضاً أن تأخذ العالم إلى أوضاع كارثية، إن لم يحسن التعامل مع آثارها، ويجد السياسات المناسبة للحد من تفاقمها.
بسبب ارتباط التغيرات المناخية بالنشاط الصناعي، وبعض أنشطة النقل، وأنماط الحياة السائدة، يصعب جداً السيطرة عليها، وهو الأمر الذي يلقي بتحديات كبيرة على القادة السياسيين، ليس فقط لأنهم مطالبون باتخاذ تدابير على المستويات الوطنية، للحد من آثار تلك التغيرات، ولكن أيضاً لأنهم مطالبون بالتعاون فيما بينهم، لأن مسببات تلك المخاطر عالمية، وتداعياتها عالمية كذلك.
 
ثالثاً: أزمة الطاقة
يبدو أن أزمة الطاقة العالمية لم تجد حلاً حتى هذه اللحظة، رغم الاختراقات الكبيرة التي تم تحقيقها في مجال تطوير الطاقة البديلة.
لقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبو ظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبو ظبي، أن الإمارات تدرك طبيعة تلك التغيرات، وتحرص على الاستعداد لعصر ما بعد وقف الاعتماد على النفط، حتى إنه اعتبر أن اليوم الذي سيشهد تصدير آخر برميل نفط من البلاد يجب أن يكون يوماً للاحتفال، وهو أمر يطرح تحديات كبيرة على الدول المصدرة للنفط، لاتخاذ التدابير اللازمة، التي يمكن من خلالها تحويل نمط اعتمادها الاقتصادي، ليصبح أكثر توافقاً مع عصر ما بعد النفط، بموازاة جهودها في تطوير مصادر بديلة للطاقة.
 
رابعاً: قوى العولمة التي لا يمكن إيقافها
تظل ظاهرة العولمة ظاهرة فريدة في نمطها المهيمن والتحكمي؛ وهي وإن كانت قد خلقت الفرصة الكبيرة في مجالات البحث العلمي، والاقتصاد، والسياسة، فإنها تلقي بأعباء كبيرة على المشرعين والقيادة السياسية في أي دولة من دول العالم.
تنطوي ظاهرة العولمة على مخاطر كبيرة تتصل بالقدرة على الحفاظ على الهوية الوطنية، وصيانة السيادة، والموازنة بين استحقاقات الاندماج والتقدم من جانب، واستحقاقات الهوية الوطنية والخصوصية من جانب آخر.
ثمة اعتبارات أخلاقية ومعنوية عدة تصطدم بقطار العولمة السريع، وهي اعتبارات تتصل بالشخصية الوطنية، والتراث، والتاريخ، ومنظومة القيم السائدة، ويعد التعاطي الحذق معها ضرورة وتحدياً كبيراً في آن.
 
خامساً: ثورة العلوم الطبية
في شهر ديسمبر من العام 2016، نقلت صحيفة «ذي جارديان» البريطانية عن باحثين أمريكيين قولهم إنهم توصلوا إلى شكل جديد من أشكال العلاج الجيني الذي يحظى بتأثير تجديدي واضح على فئران التجارب التي شملتها دراساتهم.
فبعد مرور 6 أسابيع من العلاج، عاد الشباب للفئران واستقامت أعمدتها الفقرية وتحسنت لديها صحة عضلة القلب، وشفيت سريعاً من الجروح، وعاشت مدة أطول بنسبة 30 %،.
يقول «خوان كارلوس ايزبيسوا»، الذي قاد فريقاً بحثياً في معهد «سالك» في ولاية كاليفورنيا، إن دراسة أجراها المعهد أظهرت أنه «قد لا يكون بالضرورة مضي الشيخوخة قدماً في اتجاه واحد، بل يمكن التصدي لها من خلال القيام ببعض التعديلات الدقيقة».
وقال الباحثون إن ذلك قد يساعدهم في الوصول لنهج جديد خاص بالرعاية الصحية، تتم فيه معالجة مشكلة الشيخوخة نفسها، بدلاً من معالجة الأمراض العديدة التي ترتبط بها. 
ولا يزعم العلماء هنا أنه من الممكن القضاء على الشيخوخة، لكنهم يقولون إنهم قد يتوصلون في المستقبل القريب لعلاجات يمكنها إطالة العمر.
وتنقل «ذي جارديان» عن «وولف ريك»، أستاذ علم التخلق في جامعة «كامبريدج»، الذي لم يشارك في الدراسة، قوله إن تلك النتائج «مذهلة للغاية»، معتبراً أن الفكرة الخاصة بالعلاجات التي تعمل على إطالة العمر هي فكرة «مقبولة وليست ضرباً من ضروب الخيال العلمي».
يشير «هاموند»، في كلمته بالجلسة الأولى لـ «القمة العالمية لرئيسات البرلمانات» إلى بعض تلك التطورات المذهلة، ويستعيد وصف «توفلر» لها باعتبارها «صدمة المستقبل»، التي تطرح المزيد من التحديات على الصعد الإنسانية والعلمية والأخلاقية والدينية والاجتماعية.
 
سادساً: التكنولوجيا
في الجلسة ذاتها التي تحدث فيها «هاموند» عن المحركات السبعة لمستقبل العالم، كان عالم آخر يطرح مقاربة فريدة، بالتركيز على التقدم التكنولوجي، وآفاق الذكاء الاصطناعي.
فقد تحدث أستاذ الفيزياء النظرية، في جامعة «نيويورك سيتي»، «ميشيو كاكو» عن أربعة اختراقات بشرية صنعت مسيرة التطور العالمي، وحددها في اكتشاف قدرة البخار، ثم اكتشاف الكهرباء، والتكنولوجيا وخصوصاً تجليات «الإنترنت»، وصولاً إلى الاختراق الرابع المتمثل في «الذكاء الاصطناعي».
يتفق «هاموند» و»كاكو» على أهمية التطورات في هذا المجال، ويرى كلاهما أنها ستأخذ العالم إلى آفاق جديدة سيكون لها آثار مذهلة.
يقول «كاكو» إن «الإنترنت» سيكون في عدسات العيون، وبالتالي فستكون المعرفة مجانية وفورية، بحيث ستلتقي شخصاً للمرة الأولى، فتأخذ عدسة العين صورة له، وتضعها على محركات البحث الموصولة بـ «الإنترنت»، لتعرف كل المعلومات المتوافرة عنه.
لن يكون في المستقبل مكان لبطاقات التعارف، أو عبارات من نوع «لا أتذكر اسمك» أو «أين تقابلنا آخر مرة».
بحسب «كاكو»، لن يخفق أي منا في التعرف على اللغة الصينية أو السواحلية وفهم معانيها، ولن يحتاج إلى مترجم أيضاً، لأن الاتصال المباشر ببرامج الترجمة، ستمكننا من الحصول على ترجمة فورية لكل ما نسمعه من اللغات الحية والميتة.
سيكون هناك ورق ذكي على الحائط، يمكن أن نتحدث إليه، وسيكون هناك «روبوت» في ساعة اليد، يعطينا استشارات فورية ومجانية في مجالات القانون أو المحاسبة أو الطب، وبكل اللغات.
ليس هذا فقط، فسنستخدم «حماماً رقمياً»، وسيكون هذا الحمام مجهزاً بإمكانيات طبية معملية فريدة، سيمكننا من خلالها الحصول على تحليلات فورية ومجانية لإفرازاتنا كلها، وسنحصل على تقارير طبية وافية، يمكن من خلالها اكتشاف أي خلل أو مرض.
 
سابعاً: الفقر
يعتقد «هاموند» أن الفقر هو المحرك السابع من محركات مستقبل العالم، وهو يرى أن العالم سيعاني لوجود مليارين من السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر، وهؤلاء سيشكلون ضغوطاً كبيرة على سلام العالم وأمنه واستقراره، وسيفرض وجودهم تحديات كبيرة، ليس فقط على الدول التي ينتمون إليها، ولكن أيضاً على دول العالم المتقدمة.
بسبب المخاطر الناجمة عن الفقر، ستكون هناك تهديدات للأمن والسلم الدوليين، وسيكون القادة مطالبين بإيجاد وسائل وتدابير للحد من هذا الفقر، وإخراج مئات الملايين من أسره، وهو أمر سيصطدم بكل تأكيد مع محدودية الموارد، وبعض العوائق السياسية.
كانت «القمة العالمية لرئيسات البرلمانات» إعلاناً إماراتياً عن ضرورة استشراف المستقبل، واستعراض فرصه ومخاطره، وتحويل مشكلاته إلى تحديات يجب التصدي لها، من أجل تجاوزها، لكنها كانت أيضاً برهاناً ساطعاً على أن الإمارات لا تنظر إلى المستقبل فقط، ولكنها تدعو الآخرين إلى الشراكة من أجل تشكيله على نحو رشيد وفعال.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-08-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1188

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره