مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-03-09

العمليات في المجال الافتراضي

بقلم: كيفين دوويل
لا شك  بأننا نعيش حقبة تاريخية صعبة، كما لم تكن العمليات فيها بسيطة في يوم من الأيام، ولكن مجال العمليات في العصر الحديث يتسم بالصعوبة والتعقيد الشديدين، كما أن نطاق العمليات الذي يجب أن تقوم القوات المسلحة بتنفيذ العمليات  فيه واسع جدا. على مدى المئة سنة الماضية، تطور مجال العمليات من سيناريوهات القوة مقابل القوة في المجال المادي بشكل رئيس إلى بيئة أكثر تعقيدا حيث تتم العمليات في كل من المجالات المادية والافتراضية. أما المجال الافتراضي (مجال المعلومات) فهو مجال المعلومات والأفكار. لم يكن هذا المجال حدثا جديدا وإنما ساهم تسارع وتيرة تطور مجال الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعية والتغطية الإعلامية العالمية إلى زيادة أهمية ودور المجال الافتراضي، من هنا أصبح هذا المجال مهما جدا لدرجة أننا يمكننا القول بأن نجاح المعركة في المجال المادي قد يحقق انتصارا تعبويا، ولكن هذا النجاح قد يكون فشلا ذريعا إن لم يصاحبه نجاح مماثل في المجال الافتراضي.
 
 كانت العمليات العسكرية على مر العصور تركز على المجال المادي، وقد أصبحت القوات المسلحة الحديثة فاعلة للغاية في المجال المادي، وبالتالي لن يقوم الأعداء المحتملون باستخدام القوة في مواجهة القوة. وبدلا من ذلك، فقد أصبح الأعداء المحتملون، سواء على أرض المعركة أم الذين يحاولون تحقيق التأثير من خلال الإرهاب، يتمتعون بمهارة كبيرة ومتزايدة في استخدام المجال الافتراضي للتأثير على عمليات صنع القرار والتأثير على عقول وآراء الشعوب. فعلى سبيل المثال، قد يكون لأي هجوم إرهابي على مدينة رئيسة تأثير مادي محدود، ولكن التأثير النفسي في المجال الافتراضي وتضخيمه من قبل وسائل الإعلام وتغطية الإنترنت، قد يكون كبيرا جدا لا يتناسب مع حجم الضرر المادي لذلك الهجوم. وبالتالي اصبح لزاما على القوات المسلحة بشكل عام أن تتمتع بمهارة مماثلة في المجال الافتراضي ويجب أن يتم توسيع التركيز على العمليات القتالية البحتة وأن يؤخذ بعين الاعتبار للمجال الافتراضي بشكل أكبر إذا أردنا تحقيق النجاح بالمعنى الاستراتيجي. 
 
عمليات المعلومات
من وجهة نظر عقائدية، يعرف اصطلاح “عمليات المعلومات” بأنه اصطلاح شامل يستخدم لتغطية مجموعة من الأنشطة المستخدمة لتحقيق التأثير في المجال الافتراضي، ومن التطورات التي طرأت على مفاهيم حرب القيادة والسيطرة الحرب في التسعينات، أن أصبحت عمليات المعلومات تعمل على تنسيق العديد من الوظائف مثل مشاركة القائد الرئيس والعمليات النفسية، والأنشطة المضادة لمراكز القيادة وعمليات شبكات الحواسيب والحرب الإلكترونية. ومع زيادة الخبرة وتبلور الأفكار، أصبحت العقائد الجديدة في الجيوش الغربية تعكس الأهمية المتزايدة لعمليات المعلومات وأصبحت الآن ضمن قائمة الأنشطة المؤثرة بعد معرفة التأثير الذي تحققه على صناع القرار. والأهم من ذلك، أن الأنشطة المؤثرة، والتي كانت تعتبر عملا إضافيا في الإسناد، قد أصبحت النمط السائد في التخطيط العملياتي والتعبوي. 
 
بالتزامن مع تطور العقيدة لعمليات المعلومات، قامت الجيوش الغربية بعملية تطوير المفاهيم وتنفيذ التفكير المرتكز على التأثير بعد ذلك، وليس هناك من شك في أن مفهوم التأثير قد تم تضخيمه في البداية وتم الترويج له باعتباره ثورة في الشؤون العسكرية. فقد ثبت أن الأفكار من مثل” التقرب القائم على التأثير” و “العمليات القائمة على التأثير” بأنها غير مناسبة، إلا أن الإرث الذي خلفته هذه الحقبة كان هو الاستخدام المتواصل “للتفكير القائم على التأثير” كأساس للعمليات أساس، حيث يقود هذا التفكير المخططين بعيدا عن النظر في العمليات القائمة على الأنشطة فقط، عن طريق توجيههم للتفكير في التأثير الذي يرغبون في تحقيقه ومن ثم تحديد أفضل الطرائق لتحقيق ذلك. من خلال دراسة المجال الافتراضي الذي يحظى بأهمية متزايدة بالإضافة إلى المجال المادي الذي نفهمه بشكل جيد واستخدام كافة الوظائف التي يتم تنسيقها في عمليات المعلومات بالإضافة إلى منظومات الأسلحة التقليدية التي تحقق التأثير المادي، يصبح لدى المخططين مجموعة واسعة من المجالات التي تساعدهم في تحقيق التأثير المرغوب. 
 
فعلى سبيل المثال، إذا كان التأثير المطلوب هو “تدمير منظومة القيادة والسيطرة»  فقد يتم تدمير مركز القيادة والسيطرة بوساطة الأسلحة دقيقة الإصابة، ولكننا نستطيع تحقيق التأثير ذاته عن طريق تنفيذ هجوم إلكتروني عبر الإنترنت، أو تعطيل نظام التهوية أو التأثير على أحد الموظفين للقيام بالتخريب أو عن طريق منع أو تغيير المعلومات التي تصل لذلك المركز، وهناك العديد من الخيارات والمهم أن نقوم بدراسة كافة هذه الخيارات. 
لذلك، بما أننا نعلم الآن بضرورة توسيع مجال التركيز ليشمل المجال الافتراضي، كيف يمكننا التغلب على هذا التحدي وتطوير مجموعات أهداف تأخذ بعين الاعتبار كلا المجالين بشكل مناسب؟ من نماذج المفاهيم المستخدمة من قبل المملكة المتحدة وحلف شمال الأطلسي للمساعدة في معالجة هذه الضرورة هو نموذج يقوم بدراسة “الإرادة والفهم والقدرة” كمجالات أساسية للأنشطة على كافة المستويات، ويبين هذا المفهوم بأن قدرة أي طرف (عدو أو صديق أو محايد) على استخدام القوة بشكل فاعل أو التهدد باستخدام القوة لتحقيق النتيجة المرجوة تعتمد على إرادته على العمل وفهمه للموقف وقدرته على العمل بشكل حاسم. وتحدد هذه العناصر معا الفاعلية العسكرية لأي طرف من الأطراف، وإذا تم تغيير أي من هذه العناصر، فستتغير قدرة ذلك الطرف على العمل بالطريقة المطلوبة وفقا لذلك. 
 
الإرادة: على المستوى الاستراتيجي، تتأثر الإرادة بعوامل مثل الثقافة الوطنية، الأيديولوجية والإرادة السياسية، وعلى المستويين العملياتي والتعبوي ترتكز على الوحدة الاجتماعية للمجتمعات المعنية أو الجماعات المسلحة والروح المعنوية وروح العمل الجماعي والتماسك. وما أن يفقد أحد الأطراف الإرادة على العمل، فإنه يفقد قدرته على التأثير بشكل فاعل على الأحداث. 
 
الفهم: إن فهم أي طرف من الأطراف للموقف ينبع من المعلومات التي يتلقاها ذلك الطرف، ولكن هذا الفهم يعتمد اعتماد كبيرا على أفكار وخبرات وحواس ذلك الطرف أيضا. لذلك، إن فهم الموقف يحظى بأهمية كبيرة في تحديد أعمال ذلك الطرف، بل وفي التأثير على إرادته للعمل أيضا. 
 
القدرة: تعتمد أي طرف من الأطراف على قدراته المادية واستخدامه وفائدتها في موقف معين، وعلى الرغم من أن كمية ونوعية تلك القدرات قد تمنح ذلك الطرف بعض الأفضلية، إلا أن هناك مجموعة متنوعة من العوامل الأخرى إلى قد تؤثر أيضا على درجة الفاعلية. يعتمد بعض هذه العوامل، مثل العوامل الجغرافية، على الموقف، ولكن بعضها الآخر، مثل أولوية تخصيص الموارد لتحقيق المهام، تعتمد على تقدير قائد، وهذا أمر يمكن التأثير عليه وتغييره. 
وبعبارات بسيطة، تكمن الإرادة والفهم في المجال الافتراضي بشكل رئيس، بينما تكمن القدرة في المقام الأول في المجال المادي، كما تتأثر الإرادة والفهم والقدرة بالنيران وأنشطة التأثير. أما العلاقات بين الإرادة والفهم والقدرة فلا تقتصر على مفهوم معين وإنما قد تختلف من طرف إلى آخر ومن موقف إلى آخر. إن هذه العناصر الثلاثة (الإرادة والفهم والقدرة) مترابطة مع بعضها ترابطا وثيقا، وهذا أمر أساسي يدعونا للتفكير بكيفية التأثير عليها، ويوضح الشكل أدناه النموذج المستخدم في عقيدة المملكة المتحدة ويسمى “العمل المشترك.”
 
العمل المشترك
يجمع مفهوم “العمل مشترك: بين النيران (وهو نشاط مادي في الغالب يؤدي إلى تحقيق تأثير مادي في المجال المادي) وأنشطة تأثير (ومعظمها أنشطة غير المادية تؤدي إلى تحقيق تأثير ذهني في المجال الافتراضي)، وهنا يتم تمكين كل من النيران وأنشطة التأثير من خلال المناورة. يضمن “العمل المشترك” بأن يقوم القادة بدراسة كافة وسائل تحقيق التأثير عبر مجموعة متنوعة من الأنشطة، التي تتراوح بين البث الإذاعي البسيط، على سبيل المثال، والضربات المادية الكبرى على الأهداف. من المهم أن ندرك أن هذا المفهوم يقوم بالجمع بين الأنشطة والتأثير ولذلك كانت الخطوط والحدود غير واضحة المعالم في المخطط أعلاه كي توحي بعدم وجود أمور مطلقة. 
 
النيــــران 
تعرف النيران، مثل نيران الأسلحة الخفيفة والصواريخ المضادة للدبابات، وقذائف المدفعية أو الذخائر التي تلقى من الجو، في العقيدة البريطانية على أنها “الاستخدام المدبر (المدروس) للوسائل المادية لإسناد تحقيق التأثيرات المادية بشكل رئيس”، ويتم تنفيذها في المجال المادي وتركز يشكل رئيس على قدرة أحد الأطراف، بما في ذلك القدرة التي تمكنه من فهم موقفه، إلا أنها يمكن أن تستخدم لتحقيق، التأثيرات النفسية (مثل خفض الروح المعنوية)، والتأثيرات المادية (مثل تدمير أو الاستنزاف) بشكل مباشر أو غير مباشر.
 
أنشطــــة التأثيـــر 
توفر أنشطة النفوذ، مثل عمليات المعلومات أو العمليات الإعلامية، “القدرة، أو القدرة المتصورة، للتأثير على شخصية أو سلوك شخص ما أو شيء ما” وفقا للعقيدة البريطانية. تحظى أنشطة التأثير بتأثير كبير على أنماط الفهم، حيث تعمل على التلاعب بالمعلومات في المجال الافتراضي قبل استلامها، أو طريقة فهم تلك المعلومات بعد استلامها. كما قد يكون لأنشطة التأثير أيضا تأثير مباشر على الإرادة من خلال وجود تأثير رادع بما يكفي للحيلولة دون قيام العدو باي عمل محتمل على الإطلاق. 
 
المنــــاورة
توصف المناورة في العقيدة البريطانية بأنها “الأنشطة المنسقة والضرورية لتحقيق الأفضلية في التوقيت والمكان في موقف معين”، حيث تعمل المناورة على منح كل من يسعى إلى تحقيق أي تأثير مادي أو ذهني في الوقت والمكان المناسبين للقيام بذلك. كما قد يكون للمناورة أيضا تأثير مباشر على الإرادة، وهو تأثير كاف بحد ذاته، فعلى سبيل المثال، قيامنا بنشر قوة في موقع معين يمكننا من خلاله استخدام النيران، قد يردع العدو من القيام بأي عمل، وبهذا لن يعود استخدم النيران أمرا ضروريا. 
 
والنقطة الأخيرة التي ينبغي دراستها هنا هي كيفية تنسيق وترتيب العناصر الثلاثة (الإرادة والفهم والقدرة) وبالتالي معالجتها كأهداف لتحقيق التأثير المرغوب. وهنا ينبغي أن يتم استهداف الإرادة لمحاولة التأثير على السلوكيات قبل بدء الصراع، إذا فشلنا في ذلك، ينبغي أن تستمر المحاولات للتأثير على الإرادة، ولكن ينبغي أيضا التأثير على أنماط فهم العدو والمامه بالموقف، وإذا فشلنا في كل هذا، فينبغي التأثير على قدرة العدو.  قد يقول البعض إن هذا هو العكس تماما مما يجري في معظم العمليات العسكرية حيث يتم استهداف قدرة العدو أول شيء يتم استهدافه، وهذا ربما يعكس أن بعض المواقف قد تستمر حتى بعد الانتهاء من مرحلة استهداف الإرادة لمنع اندلاع النزاع.  
 
تبدو هذه المقالة القصيرة حول العمليات في المجال الافتراضي جيدة ومفيدة، ولكن لماذا هي موجودة في مجلة كلية القيادة والأركان؟ تساهم الأهمية المتزايدة للمجال الافتراضي في ضرورة تغيير الطريقة التي يتم بها إعداد القوات المسلحة للعمليات، هذا يشمل الدراسات التي تتم في كليات القيادة والأركان. فتركيز العمليات عبر العصور كان على المجال المادي وبالتالي كان التدريس والتعليم في كليات القيادة والأركان مركزا على نحو مماثل نظرا لذلك. ولهذا يجب أن يتغير هذا الأمر اذا أرادت القوات العسكرية أن تبقى تتمتع بالفاعلية في العمليات المعاصرة والأهم من ذلك، تحقيق النجاح الاستراتيجي على المدى البعيد. يجب أن يأخذ التدريب والتعليم بعين الاعتبار أهمية المجال الافتراضي، كما ينبغي أن يفهم القادة في كافة المستويات المجال المادي والتأثير التي تترتب عليها كافة الوسائل المتاحة، وأفضل مكان للبدء في بناء هذا المفهوم هو في كافة مستويات تدريب هيئات الركن. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-09-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2017-03-08
2014-12-20
2015-12-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1219

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره