مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-10-01

التنبــــؤ العسكــــري في القــــوات المسلحـــة

يعتبر التنبؤ ظاهرة علمية معتمدة في مجال النشاطات العسكرية . ويمكن القول بأنه ليس هناك إنسان يستطيع أن يتنبأ بدقة عن المستقبل ولكن باستطاعته تحديد معطيات الحاضر والماضي وعكسها على احتمالات معقولة مستقبلية بعد إدراك سنن وقوانين الصراعات المسلحة واستخدام الطرائق والأساليب العلمية التي تحكم جوانبها وتثبت متغيراتها . يتخذ الأفراد عند أدائهم نشاطاتهم اليومية مجموعة من القرارات التي تخص الحاضر وبنفس الوقت يخططون لقرارات مستقبلية غير أنه تنقصهم لذلك المعرفة عن المستقبل . وهذا يؤكد وجود حالة عدم التأكد . 
 
بقلـــــم: معلم أول  صـلاح اسماعيــل
 
إن من بين أهم أهداف التنبؤ هي تقليل مجال عدم التأكد. لم يحظ التنبؤ بالاهتمام الذي تراه الأن في الدول العظمى إلا منذ عهد قريب وقد بدأ التنبؤ العسكري يأخذ اتجاهات البحث العلمي والتجارب الميدانية بعد عام 1960 م  حتى كاد أن يكون التنبؤ فرعا مستقلا بذاته نتيجة للثورة العلمية والتقنية في الميادين كافة ومنها ميدان العلوم العسكرية . وقد ازدادت ثقة العسكريين في التنبؤ العلمي العسكري بعد أن أعطى نتائجا إيجابية في مجالات متعددة  ثبتت صحتها من خلال التجارب العلمية أو الواقع الفعلي . ولقد كان لتطوير استخدام الحواسيب الدور الأهم في استخدام أساليب التنبؤ التي مكنت الباحثين من معالجة معضلات كبيرة ومعقدة .
 
مفهوم وطبيعة التنبؤ
عرف التنبؤ  بأنه تقدير التطورات المستقبلية  أو المتوقعة  في ضوء الاختبارات السابقة. ويعتمد التنبؤ على مجموعة كبيرة ومتزايدة من التعميمات التي يربط كل منها بين عاملين أو اكثر. ويعتبر سجل أداء الماضي أحد القواعد التي يعتمد عليها التنبؤ  وذلك لأن التنبؤ يفترض لدرجة ما امتداد الماضي إلى المستقبل من خلال الحاضر . وعرف التنبؤ العسكري كذلك  بأنه مجموعة الطرائق والأساليب والإجراءات المتبعة لمعرفة خصائص الحرب المقبلة والعوامل المحددة لها , وتحديد الاتجاهات المتوقعة لتطوير التسليح والتجهيز وبعض الأعمال المتعلقة بالحرب . 
 
أهداف التنبؤ العسكري
يمكن أن تكون أهداف التنبؤ العسكري في الوقت الحاضر الإجابة على الأسئلة التالية :
ماهي احتمالات نشوب الحرب في المستقبل القريب والبعيد ؟
ما هو الموقف السياسي والعسكري الذي ستحدث فيه مثل هذه الحرب ؟
ماهي طبيعة هذه الحرب( أهدافها , أساليبها, طرائق إدارتها , نتائجها المحتملة ) ؟ 
ما هو التأليف المنتظر للقوات المسلحة ونوع الأسلحة والتجهيزات التي ستسلح بها ؟
ماهي إمكانات الاقتصاد الحربي للدولة لتحقيق ذلك؟
ماهي الأهداف الجديدة أو المحورة التي تظهر أثناء الحرب وبعد انتهائها ؟
 
اقسام التنبؤ العسكري
يمكن تقسيم التنبؤ العسكري بالاستناد إلى المعايير التالية :
من حيث الزمن .
التنبؤ قصير الأمد (وهو ما يختص بالمستقبل القريب الذي لا يتجاوز السنة الواحدة ) .
التنبؤ متوسط الأمد ( وهو ما يختص بالمستقبل والذي يزيد عن السنة وحتى خمس سنوات ) .
التنبؤ بعيد الأمد ( وهو ما يهتم بالمستقبل البعيد الذي يزيد عن خمس سنوات ) .
 
من حيث المجال
التنبؤ العسكري الاستراتيجي . ومن أهدافه الحصول على تنبؤات عن طبيعة وأساليب إدارة أي حرب مقبلة والتغيير في اطراف الصراع ومهمات وتأليف القوات المسلحة والأحلاف إن وجدت . ويرتبط هذا النوع من التنبؤ بالموقف السياسي العالمي  بشكل عام والموقف السياسي لأطراف النزاع بشكل خاص. 
 
التنبؤ العسكري التعبوي .من أهدافه دراسة أحوال وظروف إدارة المعارك وطبيعتها في المستقبل وتحديد الوسائل المستخدمة فيها والكشف المسبق عن نتائج المعارك والاستخدامات التعبوية للأسلحة والتجهيزات العسكرية الجديدة والتي يحتمل ظهورها مستقبلا  مع محاولة معرفة فاعليتها.
 
التنبؤ العسكري الاقتصادي . ومن أهدافه الكشف من إمكانات الاقتصاد الوطني والحربي ,والعدو المحتمل والدول ذات العلاقة لتأمين جميع متطلبات القوات المسلحة في السلم والحرب .
التنبؤ العسكري التقني . ومن أهدافه إعطاء احتمالات ظهور أسلحة ومعدات قتالية جديدة لدى العدو وطرائق التطور المطلوب أو المحتمل في الخواص الفنية للأسلحة والتجهيزات العسكرية وتحديد آفاق الإمكانات المقبلة للتقدم العلمي التقني والتنبؤ في المتغيرات المحتملة في القاعدة الفنية الصناعية لخدمة المجهود الحربي .
 
العلوم الأساسية وأساليبها المستخدمة في التنبؤ العسكري
الإحصاء في التنبؤ العسكري. لمَّا كانت الأعمال القتالية من الظواهر التي يتكرر حدوثها بكثرة وإن الطرائق الرياضية هي أفضل الطرائق لدراستها فإنه يمكن اعتبار التنبؤات التي تحصل عليها رياضيا كقاعدة عامة , وتنبؤات سليمة وصحتها بالنسبة لأغلبية تلك الأعمال التي هي من نوع واحد . وعملية التنبؤ هي مسالة لابد منها عند وضع الحلول لأشياء مجهولة. كما إن التنبؤ المستقبلي يسهل عملية التخطيط لأغراض ومستويات مختلفة . ويعتبر التنبؤ الكمي (الإحصائي) إحدى الوسائل الرئيسة لتأمين ذلك. فالإحصاء علم يبحث في طريقة جمع الحقائق الخاصة بالظواهر الطبيعة والاجتماعية التي تتمثل في الحالات أو المشاهدات المتعددة وفي كيفية تسجيل هذه الحقائق في صور قياسية رقمية . كما يساعد الإحصاء في تقدير وتخمين مقادير وكميات يصعب أو يستحيل حسابها بشكل مضبوط وكذلك التنبؤ بالظواهر الطبيعية والعلمية. كما يساعد في اتخاذ القرارات .
 
نظرية الاحتمالات والتوزيع الاحتمالي
لقد عرف الإنسان مفهوم الاحتمال بطرائق مختلفة ويتعلق أول هذه الطرائق بالتجارب التي تتصف بكون الحوادث الابتدائية المرتبطة بها منتهية العدد ( محدودة) ومتكافئة من حيث وقوعها أو عدمه. ونادراً ما تمثل هذه التجارب ظواهر طبيعية بل غالبا ما وضعها الإنسان لنفسه ويرتبط مفهوم الاحتمال ارتباطاً وثيقا بمفهومين آخرين أساسيين هما .الاختبار (التجربة) والحادثة . 
 
نظرية المعاينة 
لقد تطور أسلوب المعاينة وتطبيقاته الحديثة تطورا سريعا ودخلت فيه مجالات عديدة وهناك لاستخدام العينات فوائد كثيرة بدلا من الحصر الشامل لها .ومن ذلك الاقتصاد بالنفقات، والاقتصاد بالوقت والجهد، والدقة .
 
دراسة السلاسل الزمنية
تعتبر السلاسل الزمنية من الأساليب الملائمة للتنبؤات والتوقعات المستقبيلية المحسوبة بدرجة مقبولة من الدقة ولما كانت كل أعمال التخطيط هي حسابات مبكرة لأعمال وإجراءات تنفذ لاحقا في ظروف محددة فقد اعتبرت تلك الأعمال ضمن التوقعات المستقبلية ، ومن الضروري التهيؤ لها . 
 
وتعرف السلسلة الزمنية “بأنها مجموعة من المشاهدات ماخوذة لفترات متساوية كأن تكون سنوات متوالية أو أشهرا أو أياما أو ساعات. ولاتعتبر هذه المشاهدات عينات عشوائية وذلك لأنها مرتبة وفق عامل الزمن وتظهر صعوبة تحليل السلاسل الزمنية لأن التغيرات مترابطة أو غير مستقلة بتأثير الزمن” .
 
التحليل التاريخي
يقسم علم التاريخ إلى الأقسام التالية:تاريخ الحروب. وهو أحد حقول التاريخ العسكري الذي يكشف أهداف وأسباب وطبيعة الحروب. وسير معاركها، ونتائجها، وأهميتها في الوقائع التاريخية .تاريخ بناء القوات المسلحة . وهو يدرس عملية تشكيل وتنظيم وإعداد وتجهيز القوات المسلحة وصنوفها المقاتلة وخدماتها .  تاريخ فن الحرب . ويبحث في تطور وتبدل أنواع وأساليب الأعمال القتالية .تاريخ الفكر العسكري . ويدرس تطور العقائد والنظريات العسكرية المتعلقة بطبيعة وسمات الحروب وتهيئتها وتطبيقها والمسائل الأخرى المتعلقة بالفن العسكري . 
 
التفكير المنطقي والتنبؤ العسكري
أهم أساليب التفكير المنطقي التي تتعلق بالجوانب العسكرية في مجال التنبؤ هي ما يلي :الحدس . هو الظن والتخمين ، وهو طريقة التوصل إلى الحقيقة عن طريق تحسسها مباشرة دون تعليلها   بالبراهين، ويمكن القول إن الحدس هو الفهم السريع والخاطف للموقف المعقد واتخاذ القرار المعلل. وهناك  أنواع للحدس منها، الحدس العقلي والحدس التجريبي والحدس الإبداعي ، وهو الذي يتعلق بالتنبؤ بأعمال العدو ونتائج المعركة وبما سيحدث نتيجة للأعمال التي تقوم بها أو يقوم بها العدو . وبه يمكن إدراك النتيجة دون الوصول إلى البرهان .
 
 الاستدلال . عند عدم حضور المعرفة في الذهن يلجأ العقل إلى عمليات ذهنية مختلفة يستخرج منها قانونا من جميع الملحوظات والتجارب السابقة ويستنتج من جملة المبادئ الأولية وصولا للمعرفة. والاستدلال نوعان . 
 
الاستقراء  والاستنتاج .التحليل والتركيب . يعتبر التحليل والتركيب من أهم اساليب التفكير المنطقية لأن البحث في أية معضلة يبدا كقاعدة من تحليل حوادثها  المحيطة وتجزئتها إلى عناصر مستقلة تدرس منفردة وتستخلص منها الاستنتاجات وتعتبر الأخيرة ذات صلة وثيقة بالتنبؤ غير أن التنبؤ ذاته لا ينتج عن التحليل .أما التركيب فهو العملية العكسية لربط الأجزاء والعناصر بالكل ربطا فكريا . 
 
ومن الضروري تركيب معطيات الموقف بعد تقدير ارتباطها المتبادل وتأويلها تأويلا صحيحا وعلى أساس هذا العمل الفكري تنشا الشروط من أجل التنبؤ من تطور المواقف المستقبلية وينشأ لدى القائد كنتيجة للتركيب تصور كاف عن طابع المعركة المقبلة ويحدد في النهاية تنبؤاته فيها .التجربة والتخصيص. يقصد بالأول تجريد خصائص الموضوع الموجود ة( المعلومة) عن تلك غير الموجودة فالقائد عنده تقديره الموقف يقوم بتجريد هذا الموقف باتجاه معين ويهمل الاتجاهات الأخرى . 
 
فيختار ما هو جوهري من جميع المعطيات لتحديد المهم والأهم لتطوير المعركة. والعملية الفكرية المعاكسة للتجريد هي التخصيص , الذي بدوره يؤمن الشعور لدى القائد بإيقاع المعركة ويتخذ القرار الأكثر تعليلا المستند إلى ظواهر المعركة الملموسة إضافة للمبادئ العامة احيانا القياس . في المنطق هو ذلك الاستنتاج الذي يستخلص منه تشابه موضوعين أو ظاهرتين ببعض الدلائل أو بدلائل أخرى ويستخدم هذا الأسلوب المنطقي استخداما واسعا في عملية تفكير القائد خاصة عند وجود افتراضات أولية مسبقة . 
 
ولايعتبر القياس برهانا بل إنه أساس للتوقع والتخمين فبوساطته يمكن التوصل إلى توقعات أولية تختبر بمعطيات المواقف وأساليب المنطق الأخرى للتنبؤ عن تطور الأحداث بيقين أكثر الأسباب والمسببات . إن وضع العلاقة بين الأسباب ومسبباتها هو الأسلوب الأهم في المعركة حيث به نستطيع التنبؤ في المعركة فكل ظاهرة في المعركة تستدعي ظاهرة أخرى تبدو بالنسبة إليها كسبب والمسبب هو نتيجة تأثير السبب الذي يتقدمه من حيث الزمن . فإذا ما كان السبب معلوما أمكن التنبؤ بالنتائج فإدارة المعركة الجيدة يجب أن تعتمد على معرفة سير الأعمال القتالية والاستخدام الواعي للارتباطات بين أسباب ومسببات وظواهر المعركة أي على التنبؤ بالمسببات ذلك لأن الاستخدام الصحيح لها يقع ضمن الاستنتاجات والتنبؤ.
 
التنبؤ في إطار بحوث العمليات في القوات المسلحة. 
ظهرت خلال الحرب العالمية الأولى وماقبل الحرب العالمية الثانية نشاطات محدودة في مجال بحوث العمليات لاتتعدى استغلال بعض العلماء كمستشارين للقيادات العسكرية لمعالجة معضلات عسكرية محددة من خلال خلفيتهم العلمية . وقد أعقبت ذلك محاولات فردية للتعمق في مجال التقويم الكمي ووضع النماذج الرياضية . ورغم ذلك لم يظهر كيان تنظيمي لبحوث العمليات إلا في بداية الحرب العالمية الثانية حيث شكلت في بريطانيا هيئة استشارية مختلطة لرئاسة الوزراء تتألف من علماء من مختلف الاختصاصات تتعاون مع القيادات العسكرية لأجراء دراسات وتحاليل لمعضلات مختلفة وحلها باستخدام بحوث العمليات ، التي تعرف بأنها مجموعة من الأساليب العلمية التي تضع متخذ القرار على قاعدة موضوعية يمكنه الانطلاق منها لاتخاذ القرار المناسب . 
 
لقد شهدت بحوث العمليات نموا متزايدا في تطبيقاتها في المدة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فظهرت تطبيقات جديدة في منشآت الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية استفادت منها القوات المسلحة في حل معضلاتها العسكرية .ومن بين التطبيقات العسكرية مثلا كيفية تقليل قدرة الألمان على تدمير الجزر البريطانية أو تعظيم قدرة الحلفاء على تدمير آلة الحرب الألمانية .وتشكلت جمعيات بحوث العمليات منها (ORSA)و (TlMS) وتطور الكثير من العلوم المفيدة في مجال المحاكاة  والحاسوب وتحليل النظم ونظريات المباراة وأساليب رياضة أخرى . ومنذ بداية السبعينات وحتى يومنا هذا وحركة بحوث العمليات في القوات المسلحة في البلدان المتقدمة تشهد تقدما “ هائلا وسريعا”. وتحقق نجاحات عملية كبيرة باتت معها مواكبة التطور عملية صعبة ، خاصة من قبل البلدان النامية. وسوف تستمر بحوث العمليات كأسلوب علمي  في نموها وتمتد إلى ميادين تنافس جديدة في البحث والتطبيق لتشمل معظم مجالات الحياة . 
 
لقد تطور العلم العسكري وانفتح على العلوم الأخرى ومنها الرياضيات والإحصاء وبحوث العمليات . وعن طريق الإحصاء ونظرية الاحتمالات أمكن وضع قوانين وصياغة القواعد التي تخضع ظواهر الأعمال  القتالية للتنبؤ. وكذلك بيان بشكل موجز عن الجوانب النظرية المتعلقة بالتنبؤ  مستهدفين إلقاء الضوء على  التطبيقات المستخدمة  لحل المعضلات في القوات المسلحة وتقديم أساليب منطقية وعملية تساعد في اتخاذ القرار الأمثل لتلك المعضلات .  وكان لبحوث العمليات دور بارز في تطور العلم العسكري خاصة بعد اتساع استخدام الحواسيب في تطبيقاته بما في ذلك نظم المعلومات ولعب الحرب وغير ذلك في المجالات المتعددة الأخرى.


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-03-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1108

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره