مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-09-07

التربية الأخلاقية.. نحو أمن فكري يجتث التطرف والعنف

في عالم يشهد حالة غير مسبوقة من انتشار التيارات الفكرية المتناقضة والمتضادة، التي تصل إلى حد التطرف والعنف وإرهاب المجتمعات، لم يعد الفكر رفاهية مقتصرة على النخبة المثقفة من أدباء ومفكرين، بل بات أسلوب حياة له انعكاساته وتأثيراته المباشرة على مستقبل المجتمعات واستمرارها، ليصبح الترابط بين الأمن والفكر ترابطاً عضوياً، فمن دون فكر معتدل قائم على قبول الآخر واحترامه لا يمكن أن يشيع الأمن والأمان في أي دولة أو مجتمع مهما كبر أو صغر.
 
بقلـم: سعادة منصــور إبراهيـم المنصــوري
مدير المركز الوطني للإعلام
 
ومن هذا المنطلق، فإن الأمن الفكري يعتبر عنصراً رئيساً من عناصر تحصين المجتمعات وخاصة فئة الشباب الأكثر تأثراً وتعرضاً للاستهداف الفكري، وللوصول إلى أمن فكري، لا بد من قاعدة صلبة يبنى عليها التكوين الفكري وكيفية الحكم على الأمور والقدرة على التفريق بين الخطأ والصواب، ومن هنا جاء الاهتمام بالتربية الأخلاقية، الموجهة بشكل خاص للطلبة في سنوات عمرهم الأولى، لما لهذا الأمر من دور في توجيه أبنائنا نحو التفكير العقلاني، وترسيخ قيم التسامح والعيش المشترك وقبول الآخر، ورفض أية أفكار إقصائية متطرفة، لا تؤمن بلغة الحوار والنقاش الموضوعي الحضاري.
 
إن التربية الأخلاقية التي تقوم على مفاهيم الخير والمساواة والتسامح  ورفض التمييز العنصري، تعتبر خطاً دفاعياً فكرياً في مواجهة الأفكار الشاذة القائمة على العنف والتطرف، ورفض الاعتراف بأن الحياة تستوعب أكثر من فكر وأن الاختلاف هو سنة الكون.
 
واليوم  وعالمنا يشهد أكثر من أي وقت مضى ظهوراً لتيارات فكرية مشوّهة، تجنح بعيداً عن منظومة القيم والأخلاق التي نشأت عليها مجتمعاتنا، بات من الواجب أن تولي كافة الدول مناهج «التربية الأخلاقية» أهمية قصوى، فهي الجدار الذي تتحطم عليه الأفكار الظلامية التي لم ولن تنتج إلا الدمار والخراب، بسبب انحرافها بالإنسان عن فطرته السوية التي أساسها السماحة ومحبة الخير ونبذ الشر، فكلما كانت المجتمعات متشبثة بقيمها الأخلاقية، تمكنت من التعايش مع الحضارات المختلفة وتبادلت معها الثقافات والمعارف.
 
ودولة الإمارات - برؤية قيادتها الاستشرافية، وإيمانها بأن الإنسان هو العنصر الرئيس في التنمية والتقدم والازدهار، عملت على إدراج مادة «التربية الأخلاقية» ضمن المناهج الدراسية، في تأكيد واضح منها للدور الكبير للأخلاق في إعداد النشئ وتربيتهم على القيم والمثل العليا التي تشكل المخزون الحضاري والوسيلة المثلى لمواصلة نهضة دولة الإمارات.
 
ويشير العديد من الدراسات العلمية ومنها  نظرية ماسيلو أو «هرم ماسيلو للاحتياجات الإنسانية»، إلى أن القيم والمبادئ المرتبطة بتحقيق الذات وتقدير الآخرين تأتي ضمن الاحتياجات الخمسة الأساسية للإنسان، فمن خلال شعوره بالتقدير من قبل الآخرين يتولد لديه شعور بالأمان وبالقدرة على الإنجاز والعمل، فيما يؤدي تحقيق الذات إلى الانطلاق نحو الإبداع والابتكار، وهذه الأولويات الإنسانية مرتبطة بشكل وثيق بمبادئ التربية الأخلاقية التي ترسخ مفاهيم احترام الآخرين وتقديرهم.
 
وقد تميزت دولة الإمارات في هذا المجال، من خلال وعي قيادتها وإيمانها بأهمية توفير كافة جوانب التقدير والتحفيز التي تعزز من القيم النبيلة وترسخها في وجدان المجتمع الإماراتي، وهذا ما يلاحظه الجميع في دولة الإمارات العربية المتحدة، بحيث شكلت القيادة نموذجاً وقدوة يحتذى بها من قِبَل مختلف فئات المجتمع.
 
الرؤية الاستراتيجية
 وهنا أشير إلى الرؤية الاستراتيجية لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي أطلق مبادرة «التربية الأخلاقية»، حيث تؤكد رؤية سموه أن الأخلاق والقيم والمبادئ السامية عوامل رئيسة في مواصلة التطور والتقدم، وبناء الإنسان الواعي والقادر على المساهمة في مسيرة الدولة ونهضتها، وأذكر هنا قول سموه: «دولة الإمارات تتميز بهويتها الثقافية وقيمها الأخلاقية الأصيلة، المرتكزة على موروث القيم النابع من تعاليم الدين الحنيف، وتقاليد الآباء والأجداد التي تعلي من قيم التسامح والاحترام والتعاون، وحب الخير والانتماء والبذل والتضحية، والعطاء اللامحدود للوطن».
 
ولطالما كانت قيادتنا تركز على المفاهيم الأخلاقية كعامل منعة وقوة للمجتمع، لذلك فهي تحرص على ترسيخ وتعزيز المبادئ السامية من خلال مبادراتها الدائمة لتكريم وتقدير الأعمال والمشاريع التي تعزز قيم البذل والعطاء والتسامح، لأن القيادة مؤمنة بأن تكريم هذه الأعمال يشكل أداة حقيقية لغرس وتعزيز هذه القيم في المجتمع، من خلال القدوة (النموذج) التي تسهم في بناء مجتمع مترابط حيوي قادر على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص.
 
إن مبادئ العدل والمساواة وسيادة القانون التي رسختها قيادتنا الحكيمة في المجتمع الإماراتي، كانت من العوامل الرئيسة لتأمين المجتمع واستقراره وترابطه، وهذا بالضرورة انعكس إيجاباً على الأمن الفكري، فالشخص الذي يشعر بأنه ينتمي لمجتمع ذي قيم أخلاقية يكون من الصعب جداً اختراقه فكرياً والتغيير في ثوابته وقيمه، لكونه محصناً بمنظومة قيمية صلبة، معززة بمبادئ الحكم الرشيد التي ترى في تقدير واحترام الفرد والمجتمع أولوية ونهجاً راسخاً.
 
فمبادرة  «التربية الأخلاقية» التي ترسخ بمضامينها ومفاهيمها قيم التسامح والتعاون والبذل والعطاء، تأتي انعكاساً لرؤية حكيمة تؤكد مكانة القيم في تعزيز مسيرة تطور المجتمع الإماراتي، وبناء الإنسان، وإعداد أجيال مثقفة واعية متمسكة بالقيم الأصيلة، تتمتع بأعلى قدر من الانتماء لوطنها ومجتمعها، قادرة على العمل بجد وإخلاص والتضحية في سبيل رفعة الوطن وعزته وكرامته.
 
وتأتي هذه المبادرة لمحاربة الأفكار المتطرفة والشاذة التي وجدت في ظل الانفتاح غير المسبوق  وغير المنضبط لوسائل  التواصل الاجتماعي بشكل خاص، أرضية خصبة تبث فيها سمومها، وتؤثر بشكل سلبي في الأجيال، وتحيد بها عن جادة الطريق الصحيح إلى طرق مظلمة تمزق الروابط التي تجمع الإنسان بأخيه الإنسان روابط التسامح والحب واحترام الآخر بقيمه وتقاليده ومعتقداته.
 
فالتربية الأخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان، الإنسان الذي يعبر عن ذاته بأفعال أخلاقية نابعة من إيمانه المطلق بالقيم، ولتشكل مرجعية لتوجيه سلوكه وفكره لمواجهة أي تهديد فكري متطرف لا يقوم على أية مقومات حضارية أواحترام للقيم الإنسانية، ولهذا لابد من توفير الأدوات التي تسهم في تعزيز وغرس هذه القيم في المجتمع لتشكل حصناً يحمي أجيالنا من هذه الأفكار وموجهاً لها نحو فعل الخير ونشر رسائل المحبة والسلام للجميع. 
 
والإعلام بأنواعه المختلفة وبما لديه من إمكانيات مؤثرة، وقدرة كبيرة على الانتشار والتأثير والوصول إلى كافة فئات المجتمع، هو أداة جوهرية ومساهم رئيس في ترسيخ منظومة القيم وتعزيز الأمن الفكري ومواجهة الأفكار المتطرفة. 
 
المجلس الوطني للإعلام
نحن في المجلس الوطني للإعلام وإيماناً منا بالأهمية الكبيرة للتربية الأخلاقية، فإننا نسعى إلى توظيف جميع الوسائل والأدوات المتاحة - بالتعاون مع شركائنا الاستراتيجيين- للمساهمة في تعزيز وترسيخ القيم الأخلاقية، التي تحصن الشباب وتنشئ جيلاً مثقفاً إيجابياً وواعاً مؤمناً بقضايا وطنه ومدركاً لأهمية الحفاظ على منجزاته ومكتسباته وقيمه وإرثه الأخلاقي، ومستعداً للعمل من أجل بناء مستقبل أفضل لوطنه من دون أن يجنح إلى تطرف أو عنف.  
 
وهذا الالتزام ينبع من إيماننا الراسخ بضرورة وجود استراتيجية إعلامية متكاملة وشاملة، تسهم في الحفاظ على عقول الشباب من الغزو الفكري المنحرف وتحصينهم ثقافياً ومعرفياً، حيث تنسجم رسالتنا ورؤيتنا وأهدافنا مع مبدأ راسخ في نهج دولة الإمارات يقوم على الاستثمار في الإنسان، الثروة الأغلى والقيمة الأساسية والنواة الرئيسة لتحقيق التنمية والوصول بالدولة إلى مراتب متقدمة، وتحقيق رؤية القيادة في الوصول إلى المراكز الأولى عالمياً.
 
إن نشر القيم الأخلاقية وترسيخ مبدأ التربية الأخلاقية ودوره في صناعة الحضارة ورقي الأمة، مسؤولية مشتركة تتطلب منا جميعاً العمل معاً لتوعية المجتمع بها، وبمدى أهميتها في صناعة مستقبل مشرق يكون فيه أبناء دولتنا نموذجاً يحتذى به عالمياً في سمو أخلاقهم ورقي أفكارهم، وتمسكهم بقيمهم الإنسانية النبيلة والسامية المستمدة من إرثهم التاريخي والحضاري.
 
ولعل من المهم القول بأن الإرهاب هو وليد فكر متطرف، وإذا ما حاصرنا هذا الفكر وحصنا أبناءنا وزودناهم بالأدوات اللازمة لمواجهته، فإننا نجتث بذلك الإرهاب من جذوره، لأن التربية الأخلاقية وسمو المبادئ والقيم هي المفتاح الرئيس والأداة الفاعلة لتحقيق الأمن الفكري.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1306

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره