مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-05-11

محمد الفاتـح شـخصيـة فـذَّة جمعت بين القوة والعدل

النسر الكبير يُغتال بالسم
قائد من أروع قادة الحضارة الإسلامية في القرون الخمسة الأخيرة، إن لم يكن بحق هو أعظمهم، كان محمد الفاتح أعظم من تسلّم قيادة أعظم إمبراطورية إسلامية  تقف وحدها مدافعة عن المسلمين بعد سقوط الأندلس، وبعد انهيار خلافة العباسيين، فكان ظهور العثمانيين إنقاذاً من الله للعالم الإسلامي.
 
إعداد: أمل سالم الحوسني
 
نشأة محمد الفاتح
ولد السلطان محمد الفاتح في 27 من رجب 835 هـ - 30 من مارس 1432م، ونشأ في كنف أبيه السلطان «مراد الثاني» سابع سلاطين الدولة العثمانية، الذي تعهّده بالرعاية والتعليم؛ ليكون جديراً بالسلطنة والنهوض بمسئولياتها؛ فأتم حفظ القرآن، وقرأ الحديث، وتعلم الفقه، ودرس الرياضيات والفلك وأمور الحرب، وإلى جانب ذلك تعلم العربية والفارسية واللاتينية واليونانية، واشترك مع أبيه السلطان مراد في حروبه وغزواته.
ثم عهد إليه أبوه بإمارة «مغنيسيا»، وهو صغير السن، ليتدرب على إدارة شئون الدولة وتدبير أمورها، تحت إشراف مجموعة من كبار علماء عصره، مثل: الشيخ «آق شمس الدين»، و«المُلا الكوراني»؛ وهو ما أثر في تكوين شخصية الأمير الصغير، وبناء اتجاهاته الفكرية والثقافية بناءً إسلامياً صحيحاً.
 
وتولى حكم الخلافة العثمانية في 16محرم 855هـ - 18 فبراير عام 1451م، وعمره 22 سنة، وكان الفاتح شخصية فذَّة، جمعت بين القوة والعدل.
ولقد أثمرت تربية العلماء له حب الإسلام والإيمان، والعمل بالقرآن وسنة سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك نشأ على حب الالتزام بالشريعة الإسلامية، واتصف بالتُّقى والورع، وكان محباً للعلم والعلماء، ومشجعاً على نشر العلوم.
 
وكان الفاتح يميل لدراسة كتب التاريخ، وقد سار على المنهج الذي سار عليه أجداده في الفتوحات؛ ولهذا برز بعد توليه السلطة في الدولة العثمانية بقيامه بإعادة تنظيم إدارات الدولة المختلفة، واهتم كثيراً بالأمور المالية، فعمل على تحديد موارد الدولة، وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ، أو الترف، وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش، وأعاد تنظيمها، ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم، وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذلك العصر، وعمل على تطوير إدارة الأقاليم، وأقر بعض الولاة السابقين في أقاليمهم، وعزل من ظهر منه تقصير أو إهمال، وطوَّر البلاط السلطاني، وأمدهم بالخبرات الإدارية والعسكرية الجيدة؛ مما أسهم في استقرار الدولة، والتقدم إلى الأمام.
 
ولم يكتف السلطان محمد بذلك، بل إنه عمل بجد، من أجل أن يتوِّج انتصاراته بفتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، والمعقل الاستراتيجي المهم للتحركات الصليبية ضد العالم الإسلامي لفترة طويلة من الزمن، والتي طالما اعتزت بها الإمبراطورية البيزنطية بصورة خاصة والمسيحية بصورة عامة، ومن أجل جعلها عاصمة للدولة العثمانية.
 
الإعداد لفتح القسطنطينية
لقد بذل السلطان محمد الفاتح جهودا ًخارقة في مجال التخطيط لفتح القسطنطينية، كما بذل جهوداً كبيرة في دعم الجيش العثماني بالقوى البشرية، حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون مجاهد. وهو عدد كبير إذا قُورن بجيوش الدول في تلك الفترة، كما عنى بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة، وبمختلف أنواع الأسلحة، التي تؤهلهم للجهاد المنتظر. كما اعتنى الفاتح بإعدادهم إعداداً معنوياً قوياً، وغرس روح الجهاد فيهم، وتذكيرهم بثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على الجيش الذي يفتح القسطنطينية، وعسى أن يكونوا هم هذا الجيش المقصود بذلك.
وفي الناحية التكتيكية العسكرية بدأ محمد الفاتح خطوة عملية كبيرة حين صمم على إقامة قلعة روملي حصار في الجانب الأوربي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القلعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي.
 
وقد حاول الإمبراطور البيزنطي إثناء السلطان الفاتح عن عزمه في بناء القلعة مقابل التزامات مالية تعهَّد بها، إلا أن الفاتح أصر على البناء؛ لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع، حتى اكتملت قلعة عالية ومحصنة، وصل ارتفاعها إلى 82م، وأصبحت القلعتان متقابلتين، ولا يفصل بينهما سوى 660م تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور إلى غربيه، وتستطيع نيران مدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون، وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة.
 
كما اعتنى السلطان بتطوير الأسلحة اللازمة لهذه العملية المقبلة، ومن أهمها المدافع، التي أخذت اهتماماً خاصاً منه؛ حيث أحضر مهندساً مجرياً يُدعى أوربان كان بارعاً في صناعة المدافع، فأحسن استقباله، ووفَّر له جميع الإمكانيات المالية والمادية والبشرية، وقد تمكن هذا المهندس من تصميم وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة، كان على رأسها المدفع السلطاني المشهور، والذي ذكر أن وزنه كان يصل إلى مئات الأطنان، وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه.
كما أعطى الفاتح عناية خاصة بالأسطول العثماني؛ حيث عمل على تقويته، وتزويده بالسفن المختلفة ليكون مؤهلاً للقيام بدوره في الهجوم على القسطنطينية، وهي مدينة بحرية لا يكمل حصارها دون وجود قوة بحرية تقوم بهذه المهمة، وقد ذُكر أن السفن التي أعدت لهذا الأمر بلغت أكثر من أربعمائة سفينة.
 
الزحف نحو القسطنطينية
زحف السلطان محمد الفاتح إلى القسطنطينية فوصلها في 26ربيع الأول 857هـ - السادس من إبريل سنة 1453م، فحاصرها من البر بمائتين وخمسين ألف مقاتل، ومن البحر بأربعمائة وعشرين شراعاً، فوقع الرعب في قلوب أهل المدينة؛ إذ لم يكن عندهم من الحامية إلا خمسة آلاف مقاتل، معظمهم من الأجانب، وبقي الحصار 53 يوماً، لم ينفك العثمانيون أثناءها عن إطلاق القنابل.
ومن الخطوات القوية التي قام بها الفاتح، قيامه بتمهيد الطريق بين أدرنة والقسطنطينية؛ لكي تكون صالحة لجرِّ المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية، وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية في مدة شهرين؛ حيث تمت حمايتها بقسم من الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية، فجمع الجند، وكانوا قرابة مائتين وخمسين ألف جندي، فخطب فيهم خطباً قوية حثهم فيها على الجهاد، وطلب النصر أو الشهادة، وذكّرهم فيها بالتضحية، وصدق القتال عند اللقاء، وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحثُّ على ذلك، كما ذكر لهم الأحاديث النبوية التي تبشِّر بفتح القسطنطينية، وفضل الجيش الفاتح لها وأميره، وما في فتحها من عزٍّ للإسلام والمسلمين. وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير والدعاء، وكان العلماء ينبثون في صفوف الجيش مقاتلين ومجاهدين معهم؛ مما أثر في رفع معنوياتهم، حتى كان كل جندي ينتظر القتال بفارغ الصبر، ليؤدي ما عليه من واجب.
 
ومن ثَمَّ قام السلطان محمد الفاتح بتوزيع جيشه البريّ أمام الأسوار الخارجية للمدينة، مشكِّلاً ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات، كما أقام الفاتح جيوشاً احتياطية خلف الجيوش الرئيسية، وعمل على نصب المدافع أمام الأسوار، ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق، الذي أقيم أمام باب طوب قابي. كما وضع فرقاً للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة، وقد انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة، إلا أنها في البداية عجزت عن الوصول إلى القرن الذهبي؛ حيث كانت السلسلة العملاقة تمنع أي سفينة من دخوله، بل وتحطم كل سفينة تحاول الاقتراب.
 
وكان هذا القرن الذهبي وسلسلته هو التحدي أمام العثمانيين، فالحصار بالتالي لا يزال ناقصاً ببقاء مضيق القرن الذهبي في أيدي البحرية البيزنطية، ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمراً دون هوادة؛ حيث أبدى جنود الإنكشارية شجاعة عجيبة وبسالة نادرة، فكانوا يُقدِمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي. وفي يوم 18 إبريل تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند وادي ليكوس في الجزء الغربي من الأسوار، فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة، كما حاولوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي ألقوها عليها، ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة جستنيان استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار، واشتد القتال بين الطرفين دون جدوى.
 
مشكلة السلسلة
ألهم الله السلطان الفاتح إلى طريقة يستطيع بها إدخال سفنه إلى القرن الذهبي دون الدخول في قتال مع البحرية البيزنطية متجاوزاً السلسلة التي تغلق ذلك القرن، وهذه الطريقة تتمثل في جرِّ السفن العثمانية على اليابسة حتى تتجاوز السلسلة التي تغلق المضيق والدفاعات الأخرى، ثم إنزالها مرة أخرى إلى البحر. وقد درس الفاتح وخبراؤه العسكريون هذا الأمر، وعرفوا ما يحتاجونه من أدوات لتنفيذه، والطريق البرية التي ستسلكها السفن، والتي قدرت بثلاثة أميال. وبعد دراسة دقيقة ومتأنية للخطة اطمأنَّ الفاتح للفكرة، ولقي التشجيع من المختصين لتنفيذها، وبدأ العمل بصمتٍ على تسوية الطريق وتجهيزها، دون أن يعلم البيزنطيون الهدف من ذلك، كما جمعت كميات كبيرة من الأخشاب والزيوت.
 
وبعد إكمال المعدات اللازمة أمر الفاتح في مساء يوم 21 إبريل بإشغال البيزنطيين في القرن الذهبي بمحاولات العبور من خلال السلسلة، فتجمعت القوات البيزنطية منشغلة بذلك عما يجري في الجهة الأخرى؛ حيث تابع السلطان مدَّ الأخشاب على الطريق الذي كان قد سوِّي، ثم دهنت تلك الأخشاب بالزيوت، وجرت السفن من البسفور إلى البرّ؛ حيث سحبت على تلك الأخشاب المدهونة بالزيت مسافة ثلاثة أميال، حتى وصلت إلى نقطة آمنة فأنزلت في القرن الذهبي، وتمكن العثمانيون في تلك الليلة من سحب أكثر من سبعين سفينة وإنزالها في القرن الذهبي على حين غفلة من العدو، بطريقٍ لم يُسبَق إليها السلطان الفاتح في التاريخ كله قبل ذلك.
 
وقد كان القائد محمد الفاتح يشرف بنفسه على العملية التي جرت في الليل بعيداً عن أنظار العدو ومراقبته. وفي صباح 22 إبريل استيقظ أهل المدينة على صيحات العثمانيين وأصواتهم يرفعون التكبير والأناشيد التركية في القرن الذهبي، وفوجئوا بالسفن العثمانية وهي تسيطر على ذلك المعبر المائي، ولم يعد هناك حاجز مائي بين المدافعين عن القسطنطينية وبين الجنود العثمانيين.
 
طرق مبتكرة لفتح القسطنطينية
وقد لجأ العثمانيون في المراحل المتقدمة من الحصار إلى طريقة جديدة ومبتكرة في محاولة دخول المدينة؛ حيث عملوا على حفر أنفاق تحت الأرض من أماكن مختلفة إلى داخل المدينة، التي سمع سكانها في 16 مايو ضربات شديدة تحت الأرض أخذت تقترب من داخل المدينة بالتدريج، فأسرع الإمبراطور بنفسه ومعه قُوَّاده ومستشاروه إلى ناحية الصوت، وأدركوا أن العثمانيين يقومون بحفر أنفاق تحت الأرض.
وإلى جانب ذلك لجأ العثمانيون إلى طريقة جديدة في محاولة الاقتحام، وذلك بأن صنعوا قلعة خشبية ضخمة متحركة تتكون من ثلاثة أدوار، وبارتفاع أعلى من الأسوار، وقد كسيت بالدروع والجلود المبللة بالماء لتمنع عنها النيران، وشحنت تلك القلعة بالرجال في كل دور من أدوارها، وكان الذين في الدور العلوي من الرماة يقذفون بالنبال كل من يطل برأسه من فوق الأسوار.
 
وقد عمد السلطان محمد الفاتح إلى تكثيف الهجوم، وخصوصاً القصف المدفعي على المدينة في ظل سيطرته البحرية الكاملة، حتى إن المدفع السلطاني الضخم انفجر من كثرة الاستخدام، وقتل المشغّلين له، وعلى رأسهم المهندس المجري أوربان، الذي تولى الإشراف على تصميم المدفع. ومع ذلك فقد وجَّه السلطان بإجراء عمليات تبريد للمدافع بزيت الزيتون، وقد نجح الفنيون في ذلك، وواصلت المدافع قصفها للمدينة مرة أخرى، بل تمكنت من توجيه القذائف بحيث تسقط وسط المدينة، إضافةً إلى ضربها للأسوار والقلاع.
 
وفي يوم الأحد 18جمادى الأولى- 27 من مايو وجَّه السلطان الجنود إلى الخشوع، وتطهير النفوس، والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة، وعموم الطاعات والتذلل، والدعاء بين يديه؛ لعل الله أن ييسر لهم الفتح. وانتشر هذا الأمر بين عامة الجند المسلمين، كما قام الفاتح بنفسه ذلك اليوم بتفقد أسوار المدينة، ومعرفة آخر أحوالها، وما وصلت إليه، وأوضاع المدافعين عنها في النقاط المختلفة، وحدَّد مواقع معينة يتم فيها تركيز القصف المدفعي.
 
وفي ليلة 29 مايو نزلت بعض الأمطار على المدينة وما حولها، فاستبشر بها المسلمون خيراً، وذكّرهم العلماء بمثيلتها يوم بدر، أما الروم فقد طمعوا أن تشتد الأمطار فتعرقل المسلمين، ولكن هذا لم يحدث، فقد كان المطر هادئاً ورقيقاً.
وعند الساعة الواحدة صباحاً من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857 هـ- 29 مايو 1453م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أعطيت إشارة البدء للجنود، فعلت أصوات الجند المسلمين بالتكبير وهم منطلقون نحو الأسوار، وفزع أهل القسطنطينية وأخذوا يدقون نواقيس الكنائس، وهرب إليها كثير من الناس، وكان الهجوم العثماني متزامناً برياً وبحرياً في وقت واحد حسب خطة دقيقة رسمت سابقاً، وطلب كثير من المجاهدين الشهادة، ونالها أعداد كبيرة منهم بكل شجاعة وتضحية وإقدام، وكان الهجوم موزعاً في العديد من المناطق، ولكنه مركَّز بالدرجة الأولى في منطقة وادي ليكوس بقيادة السلطان محمد الفاتح نفسه.
 
الاستيلاء على القسطنطينية
ومع ظهور نور الصباح في يوم 29 مايو 1453م أضحى المهاجمون يتمكنون من تحديد مواقع العدو بدقة أكثر، وأخذوا في مضاعفة الجهد في الهجوم؛ مما جعل الإمبراطور قسطنطين يتولى شخصياً مهمة الدفاع في تلك النقطة، يشاركه في ذلك جستنيان الجنويّ أحد القادة المشهورين في الدفاع عن المدينة.
 
وقد واصل العثمانيون ضغطهم في جانب آخر من المدينة؛ حيث تمكن المهاجمون من ناحية باب أدرنة من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج، والقضاء على المدافعين فيها، ورفع الأعلام العثمانية عليها، وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة. ولما رأى الإمبراطور البيزنطي الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة، أيقن بعدم جدوى الدفاع، وخلع ملابسه حتى لا يُعرف، ونزل عن حصانه، وقاتل حتى هلك في ساحة المعركة. وكان لانتشار خبر موته دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين وسقوط عزائم البيزنطيين؛ حيث تمكنت بقية الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة، وفر المدافعون بعد انتهاء قيادتهم. وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة.
 
ولم تأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 875هـ- 29 من مايو 1453م، إلا والسلطان محمد الفاتح في وسط المدينة يحف به جنده وقواده وهم يرددون: ما شاء الله! فالتفت إليهم وقال: لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية، ثم ترجل عن فرسه، وسجد لله على الأرض شكراً، ثم قام وتوجه إلى كنيسة آيا صوفيا، وقد اجتمع بها خلقٌ كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان، الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، فلما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها ووجلوا وجلاً عظيماً، وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له، فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، فاطمأن الناس، وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة، فلما رأوا تسامح محمد الفاتح وعفوه، خرجوا وأعلنوا إسلامهم.
وقد أعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية، واختيار رؤسائهم الدينيين، الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى.
 
استكمال الفتوحات
بعد إتمام هذا الفتح الذي حَقَّقه محمد الثاني، وهو لا يزال شاباً لم يتجاوز الخامسة والعشرين- اتَّجه إلى استكمال الفتوحات في بلاد البلقان، ففتح بلاد الصرب عام 1459م، وبلاد المورة باليونان عام 1460م، وبلاد الأفلاق والبغدان “رومانيا” عام 1462م، وألبانيا بين عامي1463-1479م، وبلاد البوسنة والهرسك بين عامي 1463-1465م، ودخل في حرب مع المجر عام 1476م، كما اتجهت أنظاره إلى آسيا الصغرى؛ ففتح طرابزون عام 1461م.
 
وقد كان من بين أهداف محمد الفاتح أن يكون إمبراطوراً على روما، وأن يجمع فخاراً جديداً إلى جانب فتحه القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية؛ ولكي يُحَقِّق هذا الأمل الطموح كان عليه أن يفتح إيطاليا، فأعدَّ لذلك عُدَّتَه، وجهَّز أسطولًا عظيماً، وتمكَّن من إنزال قوَّاته وعدد كبير من مدافعه بالقرب من مدينة “أوترانت”، ونجحت تلك القوات في الاستيلاء على قلعتها، وذلك في يوليو 1480م.
وعزم محمد الفاتح على أن يَتَّخذ من تلك المدينة قاعدة يزحف منها شمالًا في شبه جزيرة إيطاليا؛ حتى يصل إلى روما، لكن المنيَّة وافته. 
 
وفاة محمد علي
في شهر ربيع الأول غادر السلطان الفاتح القسطنطينية على رأس جيش كبير، وكان السلطان محمد الفاتح قبل خروجه قد أصابته وعكة صحيَّة، إلَّا أنه لم يهتمّ بذلك لشدَّة حُبِّه للجهاد، وشوقه الدائم للغزو، وخرج بقيادة جيشه بنفسه، وقد كان من عادته أن يجد في خوض غمار المعارك شفاءً لما يُلِمُّ به من أمراض، إلَّا أن المرض تضاعف عليه هذه المرَّة، وثقلت وطأته فطلب أطباءه، غير أن القضاء عاجله؛ فلم ينفع فيه تطبيب ولا دواء، ومات السلطان الفاتح وسط جيشه يوم الخميس في 4 من ربيع الأول 886هـ-3 من مايو 1481م، وهو في الثانية والخمسين من عمره بعد أن حكم إحدى وثلاثين عاماً.
 
لم يكن أحدٌ يعلم شيئًا عن الجهة التي كان سيذهب إليها السلطان الفاتح بجيشه، لقد كان من عادة الفاتح أن يحتفظ بالجهة التي يقصدها، ويتكتَّم أشدَّ التكتُّم، ويترك أعداءه في غفلة وحيرة من أمرهم.
ويُقال إن السلطان محمد الفاتح قد قُتل بالسم عن طريق طبيبه الخاص يعقوب باشا بعد أن حرضه أهل البندقية على أن يقوم هو باغتياله، ولم يكن يعقوب مسلماً عند الولادة؛ فقد وُلِدَ بإيطاليا، وقد ادَّعى الهداية وأسلم، وبدأ يعقوب يدسُّ السُّمَّ تدريجيًّا للسلطان، ولكن عندما علم بأمر الحملة زاد جرعة السمِّ؛ حتى توفي السلطان.
 
وقد انكشف أمر يعقوب فيما بعدُ، فأعدمه حرس السلطان، ووصل خبر موت السلطان إلى البندقية بعد 16 يوماً؛ حيث جاء الخبر في رسالة البريد السياسي إلى سفارة البندقية في القسطنطينية، واحتوت الرسالة على هذه الجملة: «لقد مات النسر الكبير». انتشر الخبر في البندقية ثم إلى باقي أوربا، وراحت الكنائس في أوربا تدقُّ أجراسها لمدَّة ثلاثة أيام بأمر من البابا.
دُفن السلطان في المدفن المخصوص الذي أنشأه في أحد الجوامع التي أسسها في الأستانة، وترك وراءه سمعة مهيبة في العالمين الإسلامي والمسيحي.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-01-04 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-02-24
2014-11-11
2014-12-20
2014-12-23
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1057

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره