مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-06-04

مجلس القوة الناعمة: إطار مؤسسي لإبراز صورة الإمارات الحضارية وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية

باتت القوة الناعمة التي تمتلكها دولة الإمارات نموذج عالمي ومصدر إلهام يمكن السير عليه والاقتداء به في الدول والمجتمعات التي تتطلّع إلى الانخراط في مضمار التقدم والاستثمار الأمثل للموارد وتعزيز الاستقرار الداخلي وتعميقه، وصناعة الأمل والنظر بتفاؤل إلى المستقبل، وفي هذا العدد تسلط "درع الوطن" الضوء على مجلس القوة الناعمة لدولة الامارات العربية المتحدة، كونه إطار مؤسسي غير مسبوق للاستفادة من الموارد الذاتية في هذا المجال لتعزيز مكانة الدولة اقليمياً ودولياً. 
 
تتمثل القوة الناعمة للإمارات في "النموذج" السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الجاذب الذي تقدمه إلى العالم ويساهم في تعزيز قبولها وحضورها على الساحة الدولية، وقد نشأت هذه القوة مع قيام دولة الاتحاد في سبعينيات القرن الماضي، حينما صاغت الإمارات سياستها الخارجية على مبادئ واضحة مستمدة من رؤية المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والتراث الحضاري والثقافي الثري لشعب الإمارات، في مقدمتها إتباع سياسة الصداقة ومد يد العون لدول وشعوب العالم كافة، والإيمان بضرورة التعاون والابتعاد عن سياسة العزلة، وحل الخلافات بالطرق السلمية، والالتزام بالمواثيق الدولية،  والتأكيد على ضرورة التضامن الإنساني في مواجهة الأزمات والكوارث.
 
 وقد تعززت هذه القوة الناعمة وترسخت بشكل لافت في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ، حفظه الله، خلال السنوات الأخيرة، وباتت الإمارات نموذجاً للقوة الناعمة سواء فيما تمثله من سياسة خارجية تتسم بالتوازن والحكمة أو ما تقوم به من جهود متنوعة تعلي من قيم التعايش والتسامح والوسطية ، فضلاً عن مبادراتها النوعية في العديد من المجالات التي تحظى بتقدير دول المنطقة والعالم. ولهذا تأتي الإمارات دوماً باعتبارها المكان المفضل للعيش والإقامة والعمل للكثيرين من دول العالم المختلفة، لأن ثمة قناعة راسخة بأن أطرها التشريعية والقانونية تضمن للجميع العيش في أمن واستقرار في إطار مظلة التعايش ومنظومة القيم الإيجابية التي ترعاها الدولة.
 
ولا شك في أـن إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في شهر أبريل 2017، عن تشكيل "مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة"، الذي يختص برسم السياسة العامة، واستراتيجية القوة الناعمة للدولة، سيشكل نقلة نوعية على طريق إبراز الصورة الحضارية للإمارات وما تمثله من نموذج فريد في التنمية الشاملة والمستدامة بمكوناتها المختلفة، السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمعية، خاصة أن هذا المجلس يعبر عن رؤية استشرافية وواقعية لما يجب أن تكون عليه سياسة الدولة الخارجية والوسائل المتنوعة التي يمكن استخدامها في ممارسة هذه السياسة، وضرورة استخدام القدرات التي تملكها الدولة بحدها الأقصى خدمة لمصالحها وترسيخ مكانتها العالمية. 
 
مجلس القوة الناعمة.. المهام والاختصاصات
يتبع مجلس القوة الناعمة بشكل مباشر مجلس الوزراء وسيعمل على صياغة منظومة وطنية متكاملة تشمل الجهات الحكومية والخاصة والأهلية لنقل قصة الإمارات للعالم بطريقة جديدة. وقد تم تحديد مهام المجلس في رسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة ، وبما يحقق الأهداف التالية :
 
1- تعزيز تواصل الإمارات الإيجابي مع جميع شعوب دول العالم، وقد عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن ذلك بقوله: "لدينا تجربة ناجحة خلال الفترة السابقة في مشاركة شعوب الخليج احتفالاتهم الوطنية، ونريد استراتيجية مختلفة للتواصل مع كل شعوب العالم". في السياق ذاته، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، "إن تشكيل مجلس القوة الناعمة، رؤية عميقة لاستثمار رصيد منجزاتنا في تعزيز أطر التواصل مع شعوب العالم وتكريس مسارات التقارب الانساني". وقال سموه  إن "الامارات بحكمة المؤسسين صنعت لها نهجا متفردا وبقيادة خليفة ورؤية محمد بن راشد خطت خطوات واسعة على طريق التميز والريادة." وأضاف "كلنا سفراء الامارات، نحمل واجب إعلاء شأنها وعلينا مضاعفة الجهد لتبقى في قلب المشهد العالمي بنهجها المتميز وقيمها وطموحاتها."
 
2- ترسيخ معرفة شعوب العالم بدولة الإمارات وبثقافتها وهويتها الثقافية والمجتمعية، وقد أشار إلى ذلك بوضوح صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بقوله:" الإمارات لها مكانة عظيمة في قلوب ملايين الناس حول العالم ونريد ترسيخ هذه المكانة والوصول بها لمستويات جديدة، والإمارات تمتلك كل المكونات الاقتصادية والثقافية والحضارية لبناء قوتها الناعمة بشكل أسرع بكثير من غيرها". وبالفعل يدرك المتابع لمسيرة حركة التطور في الإمارات أنها استطاعت أن ترسخ من نموذجها التنموي السياسي والاقتصادي والثقافي والمجتمعي، وأن تقدم صورة حضارية عن العالمين العربي والإسلامي، وجاءت في مراتب متقدمة في التقييمات التي تقيس مظاهر النمو والتطور المختلفة، والتي تشير بوضوح إلى أنها تمتلك القدرة على تحقيق التنمية المستدامة واحترام حقوق الإنسان لكل فئات المجتمع، ونشر السعادة والألفة والطمأنينة بين جميع أفراد المجتمع، مقيمين، وزائرين على حد سواء. 
 
3- تعزيز سمعة ومكانة الإمارات إقليميا وعالميا، وترسيخ احترامها ومحبتها بين شعوب العالم، فلا شك أن ممارسة القوة الناعمة ستعزز من سمعة الدولة إقليمياً وعالمياً، وستسهم في ترسيخ احترامها ومحبتها بين شعوب العالم، وهما الهدفان اللذان سيكون من صلب مهام مجلس القوة الناعمة العمل على تحقيقهما، وقد عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن ذلك بقوله:"أن لدى الإمارات القوة العسكرية والقوة الاقتصادية، واليوم نستعد لبناء منظومة القوة الناعمة من أجل ترسيخ سمعة عالمية تخدم مصالح شعبنا على المدى الطويل". وسيعمل مجلس القوة الناعمة على تفعيل التعاون والتنسيق بين الجهات الحكومية والجهات الخاصة في الدولة، بهدف تعزيز القوة الناعمة للدولة إقليمياً ودولياً، ومناقشة واقتراح المشروعات والمبادرات الداعمة للقوة الناعمة للدولة، ومتابعة تنفيذ استراتيجية القوة الناعمة والمبادرات والقرارات الصادرة، ورفع تقارير دورية لمجلس الوزراء بشأن التقدم المنجز في تنفيذ الاستراتيجية.
 
4-  رسم السياسة العامة واستراتيجية القوة الناعمة للدولة، تشمل كل المجالات العلمية والثقافية والفنية والإنسانية والاقتصادية. لهذا فإن أحد أهداف المجلس هي العمل على تطوير أدوات جديدة لإيصال قصة دولة الإمارات وتفردها إلى شعوب العالم كافة، بما يليق بمنجزات الدولة، ويحقق مصالحها ورؤية قيادتها الرشيدة في أن تكون أفضل دولة في العالم سمعةً ومكانةً واحتراماً. وقد تم تكليف مكتب الدبلوماسية العامة في وزارة شؤون مجلس الوزراء والمستقبل بمهام إعداد استراتيجية القوة الناعمة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتقديم الدعم الفني والإداري لمجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات. وسيكون مجلس القوة الناعمة لدولة الإمارات مرجعية رسمية لتقديم الرأي والمشورة حول التوجهات والمبادرات المقترحة، ضمت منظومة الدبلوماسية العامة لدولة الإمارات، بما يضمن ترسيخ منجزات الإمارات وطموحاتها ودورها المركزي، إقليمياً ودولياً، في العلوم والثقافة والفنون والسياحة والتجارة والمبادرات الإنسانية، أو غيرها من المجالات، وإبرازها للرأي العام الرسمي والشعبي في العالم، لتكون مرآة لمسيرة الإمارات وإرثها الحضاري ودورها الحيوي. 
 
5- تعزيز سياسة الإمارات الخارجية وإضافة أدوات جديدة ترسخ من دورها: يعبر إعلان مجلس القوة الناعمة للإمارات عن شعور مترسخ لدى لقيادة الرشيدة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بالأهمية المتنامية للقوة الناعمة في العلاقات بين الدول وفي تحقيق المصالح الوطنية للإمارات، وأن الإمارات لديها القدرات والإمكانات التي تؤهلها لأن تكون قوة ناعمة بكل معنى الكلمة، سواء على مستوى المنطقة أو العالم. ومن هنا فإن "مجلس القوة الناعمة" يمثل آلية جديدة ومبتكرة لكيفية استخدام مصادر القوة المادية والبشرية والقيمية المعنوية- وكلها عناصر للقوة الناعمة-التي تملكها دولة الإمارات ليس خدمة لمصالحها فقط، ولكن في ترسيخ دورها على الساحة الدولية، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويحفظ الأمن والسلم الدوليين أيضاً.
 
مقومات ومرتكزات القوة الناعمة في الإمارات
تمتلك الإمارات كل المقومات الاقتصادية والثقافية والحضارية التي تؤهلها وتمكنها من بناء قوة ناعمة بوتيرة أسرع بكثير دون غيرها لتكون مرآة تعكس بوضوح تام وشفافية مسيرة الإمارات، وإرثها الحضاري ودورها الحيوي، ولعل أبرز هذه المقومات:
1- القيادة الرشيدة التي تتفاعل باستمرار مع مطالب وطموحات الشعب، والتي تجعل من الإمارات نموذجاً في الحكم الرشيد الذي يتفاعل  مع قضايا شعبه،‮  ‬ويعمل على علاجها بشكل فوريّ،‮ من خلال حرص القيادة على اللقاءات الدورية مع المواطنين،‮ ‬وسماع همومهم ومشكلاتهم، وهذا لا شكّ‮ ‬في‮ ‬أنه‮ ‬يعكس أهم سمات الحكم الرشيد،‮ ‬الذي يضع الإنسان المنطلَق والهدف له،‮ ‬ويسعى إلى تحقيق الرفاهية له. وتعزز القيادة الرشيدة من مكانة الإمارات كقوة ناعمة على الصعيدين الإقليمي والدولي، لا سيما أن هذه القيادة تحظى بتقدير عربي ودولي كبير، وتنظر إليها كثير من قيادات وشعوب العالم باعتبارها نموذجاً للحكم الرشيد، سواء لنجاحها في بناء تجربة تنموية ناجحة على أرض الإمارات، أو لتأثيرها الفعال الذي يتجاوز الحدود الإماراتية إلى العالم أجمع من خلال مبادراتها التي تستهدف ترسيخ أسس الأمن والسلام والتنمية والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي. ‬
 
2-  جاذبية النموذج الإماراتي (الاتحادي-السياسي، والاقتصادي - التنموي، والتعددي - الثقافي)،  والصورة العالمية التي نجحت الدولة في صنعها لنفسها كمثال يحتذى في مجالات التنمية الشاملة والمستدامة. فعلى الصعيد السياسي يتسم النموذج الاتحادي الإماراتي بخصائص عدة، يمكن الاستفادة منها عربياً وإقليمياً ودولياً، أهمها المرونة؛ بمعنى إعطاء مساحة أكبر من الحرية للحكومات المحلية التي تتمتع بصلاحيات دستورية واسعة، والتوازن فيما يتعلق بالعلاقة بين الشأن الاتحادي والشأن المحلي، وتحقيق التنمية المتوازنة في جميع مناطق الدولة، وإعمال قواعد الحوكمة أو الحكم الرشيد Good Governance، والتركيز على تمكين الدولة والمواطن اقتصادياً واجتماعياً. وعلى الصعيد التنموي تقدم الإمارات نموذجاً يتسم بالتنويع والازدهار الاقتصادي، والتوجه نحو بناء اقتصاد معرفي، ومستويات مرتفعة جداً من التنمية البشرية، والتنافسية، والانفتاح على التجارب التنموية الأخرى في العالم. 
 
3- منظومة القيم الإماراتية الإيجابية تعتبر أحد أهم مقومات قوتها الناعمة، فهذه القيم حاضرة في العادات والأعراف والتقاليد التي ورثها الإماراتي عن أجداده وتتعزز هذه القيم عبر مشاريع التربية الأخلاقية ورعاية المواهب وتطوير الكفاءات لخلق الشخصية الإماراتية المتميزة التي تعتبر خير سفير لقيم الإمارات .
 
4- تعتبر دولة الإمارات واحة للأمن والأمان في منطقة مليئة بالاضطرابات، وذلك بفضل قوة وحدتها الوطنية ومتانة العلاقة بين المواطن وقيادته، الأمر الذي يمكن الدولة من التحرك اعتمادا على استخدام سياستها الفريدة لتحقيق الأمن الشامل.
 
5- ما تمثله الإمارات من حلم متوهج ومنارة أمل للكثيرين في الخارج، وهذا ما أكدته نتائج استطلاع أصداء بيرسون - مارستيلر السنوي التاسع لرأي الشباب العربي في 16 دولة عربية، الذي صدر في شهر مايو 2017، حيث جاءت الإمارات في المرتبة الأولى، وللمرة السادسة على التوالي، لدى سؤال الشباب العرب عن الدولة التي يرغبون لبلادهم أن تحذو حذوها. فالإمارات لم تكتفِ فقط بالمحافظة على صدارتها، بل نجحت نجاحاً واضحاً في تعزيز موقعها الريادي وسمعتها الطيبة، فحول وجهة العيش المفضلة للشباب العربي، أجاب (%35)، بأنهم يفضلون دولة الإمارات، مقارنة بـ(%22) في العام الماضي. كما أشار (%36) منهم إلى أنها البلد النموذجي الذي يرغبون لبلادهم أن تحذو حذوه، مقارنة بـ(%23) في العام الماضي. وليست هذه النتائج التي تفوقت فيها الدولة بجلاء على دول غربية متقدمة، إلا شواهد بليغة جديدة على مدى استثنائية ورقي التجربة الإماراتية التي باتت نموذجاً ملهماً ليس على المستويين العربي والإقليمي فقط، بل على المستوى العالمي كذلك، بما تحتضنه من أبناء أكثر من 200 جنسية ينعمون جميعاً بأعلى مستويات الأمن والاستقرار، وأعظم قيم العدالة والمساواة والتسامح والتعايش واحترام الآخر.  
 
مظاهر القوة الناعمة لدولة الإمارات
يذكر جوزيف ناي في مؤلَّفه “القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية”، ثلاثة مصادر للقوة الناعمة، وهي الثقافة (في الأماكن التي تكون فيها جذابة للآخرين) والقيم السياسية (عندما يتم تطبيقها بإخلاص في الداخل والخارج).والسياسة الخارجية (عندما يرى الآخرون أنها شرعية وأن لها سلطة معنوية أخلاقية).ويضيف جوزيف ناي: إنّه في السياسة الدولية، تنشأ الموارد المنتجة للقوة الناعمة إلى حد كبير من القيم التي تعبّر عنها منظمة أو بلد ما في ثقافته، وفي الأمثلة التي تضربها ممارساتها الداخلية والسياسية، وفي الطريقة التي تعالج بها علاقتها مع الآخرين. ويوضح ناي أن مصادر القوة الجديدة هي: العلم والمعرفة والسياحة والفنون والسينما والدراما والرياضة و المؤسسات الدولية (الاندماج الدولي) والصورة الدولية والإعلام، لاسيما الإعلام الرقمي الجديد. إذاً، القوة الناعمة عبارة عن سلطة شرعية تمنح متبنيها قوةً وجاذبيةً وتأثيراً في الآخرين دون التورط في حروب أو صراعات عسكرية.
 
ووفقاً للنظريات والأدبيات التي تناولت مفهوم القوة الناعمة، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تمتلك العديد من مصادر القوة الناعمة، منها الثوابت التي تقوم عليها السياسة الخارجية الإماراتية نفسها، حيث إن هذه السياسة تأسست على الانفتاح على العالم وتغليب لغة الحوار والتفاهم وتنبذ فكرة اللجوء إلى القوة أو العنف، كما أن هذه السياسة تأسست على الانفتاح على العالم بجميع ثقافاته وأعراقه، إضافة إلى مبادراتها النوعية وجهودها المستمرة التي تبحث عن حلول فاعلة لأزمات وقضايا المنطقة والعالم، ويمكن الإشارة إلى مظاهر القوة الناعمة للإمارات على النحو التالي:
 
1-   سياسة خارجية فاعلة تعزز من الانفتاح والاندماج مع العالم الخارجي: منذ نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة، في عام 1971، وسياستها الخارجية ترتكز على مبادئ واضحة، تقوم على قاعدة الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة لجميع دول العالم، واتّباع سياسة الصداقة ومد يد العون لدول وشعوب العالم كافة، وحل الخلافات بالطرق السلمية، والالتزام بالمواثيق الدولية، والعمل على تعزيز السلام والاستقرار والأمن والعدل على الساحتين الإقليمية والدولية، باعتبار أن ذلك هو الطريق لترسيخ الجهد الدولي لتحقيق التنمية والرفاهية لشعوب العالم، وهذا ما تترجمه الإمارات في علاقاتها الخارجية، سواء من خلال العمل على تعزيز الشراكة مع القوى الإقليمية والدولية بما يخدم قضايا الأمن والسلم العالمي، أو من خلال مبادراتها التنموية الهادفة إلى مساعدة الدول النامية على تحقيق أهدافها الإنمائية للألفية عبر برامج ومساعدات تنموية عدة. وتتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة سياسةً خارجيةً ديناميكية وفعّالة؛ حيث تنتهج سلوكاً نشِطاً وحازماً إزاء بيئتها الإقليمية بخاصة، وتتزعم قضايا جديدة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والتطرف والحيلولة دون "تسييس الدين". كما خطت الإمارات لنفسها دوراً خارجياً "طموحاً"، وأعادت توجيه نمط التحالفات الإقليمية.ويستند ذلك كله إلى توظيفٍ "ذكي" لعناصر القوة الإماراتية الناعمة؛ من أجل تحقيق أهداف السياسة الخارجية.  
 
وتثبت دولة الإمارات العربية المتحدة، يوماً بعد الآخر أنها قوة فاعلة ومؤثرة في قضايا المنطقة والعالم، بما تنتهجه من سياسة خارجية متوازنة تجلب لها التقدير والاحترام على الساحتين الإقليمية والدولية، وتجعل لها صوتاً مسموعاً ومؤثراً في قضايا المنطقة والعالم. وضمن هذا الإطار جاءت المقترحات التي تقدمت بها الإمارات في أبريل 2017، أمام المناقشة العامة لمجلس الأمن، والتي تتضمن حلولاً ترمي إلى تعزيز الأمن في أنحاء منطقة الشرق الأوسط كافة، في خطوة أخرى تدلِّل من جديد على مدى عمق الرؤية الإماراتية الداعمة للأمن والاستقرار في المنطقة. ومن ضمن هذه المقترحات "دعوة الأمم المتحدة إلى توجيه اهتمام خاص إلى مشكلات الشباب في جميع أنحاء المنطقة، بصفتها أولوية رئيسية، والتحذير من أن غياب الفرص الاقتصادية من شأنه أن يؤدي إلى وقوع الشباب فريسة للاستغلال من قبل التنظيمات الإرهابية في المنطقة"، كما دعت الإمارات إلى ضرورة العمل نحو بناء الزخم اللازم للدفع بعملية السلام إلى الأمام؛ وذلك من خلال زيادة مشاركة المنظمات الإقليمية والجهات الفاعلة، ولاسيما في المحافل متعدِّدة الأطراف مثل الأمم المتحدة، وهذا إنما يكرِّس موقف الإمارات الراسخ في دعم جميع مساعي تحقيق الأمن والسلام في المنطقة بشكل عام، ودعم القضية العادلة والحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني بشكل خاص.  
 
وفي الوقت ذاته، فإن الإمارات تحولت في غضون السنوات القليلة الماضية إلى محطة دبلوماسية مؤثرة، يحرص العديد من قادة ورؤساء دول العالم، للتشاور معها حول قضايا المنطقة والعالم، والعمل على إيجاد حلول فاعلة لها، ما يؤكد أنها تحظى بمصداقية كبيرة، باعتبارها دولة مسؤولة تشارك بفاعلية في كل ما من شأنه حفظ الأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي، والتصدي لكل الأخطار التي تعوق مسيرة التقدم والتنمية لشعوب الأرض قاطبة.  
 
2- العمل الإنساني وأيادي الخير الإماراتية:  لطالما امتلكت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ نشأتها، سجلاً مشرفاً في المجال الإنساني على المستويين الإقليمي والعالمي، حيث يشار إليها بالبنان على خريطة العالم كـ"إمارات الخير" في تقدير لافت للجهود والمبادرات الإنسانية الكمية والنوعية التي أطلقتها الدولة لصالح جميع الشعوب المحتاجة للعون دون تفرقة على أساس عرق ولا دين ولا جنس ولا لون. وقد حازت الإمارات على هذه السمعة العالمية العطرة، كانعكاس طبيعي للسياسة الثابتة التي رسّخها بكل حكمة وعطاء وسخاء المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي اقترن وصفُ الخير باسمه.  ولا تزال مسيرة الخير الإماراتية في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله،  تضيء سماء الإنسانية العالمية، ولعل إعلان سموه عام 2017 عاماً للخير في دولة الإمارات تأكيد واضح لثقافة العطاء الإنساني.  
 
ولا شك في أن البعد الإنساني يعزز من قوة الإمارات الناعمة، خاصة أن الإمارات تأتي دوماً في صدارة الدول التي تستجيب لنداء الواجب الإنساني ونجدة الذين يحتاجون المساعدات بمختلف أنواعها، وذلك من خلال حملات ومبادرات إنسانية رائدة تستهدف مناطق الأزمات والكوارث والمجتمعات الفقيرة. ولا يخفى على أحد ما تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة من العمل الإنساني والإغاثي لنجدة المحتاجين وإغاثة الذين يعانون كوارث طبيعية أو مصائب ونكبات ومعاناة في شتى أنحاء العالم، لتخفيف المعاناة عنهم. وهو ما يبدو جلياً في الجوانب والمجالات كافة، وهو ما أهّلها لاحتلال المرتبة الأولى كأكبر دولة مانحة للمساعدات الإنمائية في العالم، وتتويجها كعاصمة إقليمية وعالمية للعمل الإنساني والتنموي، حيث تصدرت دول العالم في تقديم المساعدات التنموية الإنسانية لعام 2016، وهي بذلك تحتل المركز الأول عالمياً للمرة الثالثة؛ وفقاً لما أعلنته لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها الصادر في أبريل 2017، والتي قالت أيضاً إن الإمارات جاءت للعام الرابع على التوالي ضمن أكبر المانحين الدوليين قياساً لدخلها القومي.  
 
3- نموذج التسامح والتعايش الإماراتي:
من أهم مظاهر القوة الناعمة للإمارات، نموذجها في التعايش والتسامح ، والذي جعل منها المكان المفضل للعيش والإقامة لدى الكثيرين في دول العالم أجمع، لأن هذا النموذج يضمن للجنسيات المختلفة الموجودة على أراضيها العيش في تناغم تام بعيداً عن أية احتقانات قد تنجم بسبب اختلاف الثقافات والتقاليد والعادات. كما أن هذا النموذج يعكس مدى قدرة المجتمع الإماراتي على إيجاد الأرضية الثابتة للتعايش السلمي والآمن وتطوير الآليات اللازمة لضمان سلاسة العلاقات وانسيابيتها بين أفراد المجتمع، بمن فيه من المواطنين والمقيمين بمختلف تصنيفاتهم. وهذا ما تشير إليه بوضوح رؤية الإمارات 2021 التي تؤكد على  " أن الحوار مع الجنسيات الأخرى يعزز قوة النسيج الاجتماعي الإماراتي، حيث إن روح الاحترام والاعتبار بين الفئات الثقافية المتنوعة المجودة على أرضنا ضرورية للحفاظ على التعايش المنتج والمتناغم، وهذا من شأنه أن يعزز تقاليدنا في التفاهم المتبادل في المجتمع". كما أن هذا النموذج يعبر عن رؤية الإمارات الحضارية الداعمة للحوار والانفتاح والتعايش بين مختلف الحضارات والأديان والثقافات، وهي رؤية تقوم على مواجهة مختلف مظاهر التعصب والتطرف أيا كان مصدرها والعمل على تكريس أجواء السلام والوئام والأمن على الصعيدين الإقليمي والدولي .
 
في الوقت ذاته، فإن نموذج التسامح والتعايش الذي تقدمه الإمارات للعالم يعد مؤشراً على سيادة قيم السلام بين جنبات المجتمع، ودليلاً على أن الدولة لديها من الآليات الثقافية والاجتماعية ما يجعل من قيم السلام ثقافة جامعة يعيها ويدركها جميع من يعيش على أراضيها. وضمن هذا الإطار جاء تأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة خلال استقبال سموه في ابريل 2017 في قصر البحر بأبوظبي، المطران عطاالله حنا، رئيس أساقفة القدس، على" أن نهج التسامح والسلام والتعايش الاجتماعي واحترام الأديان، الذي تنتهجه دولة الإمارات على أرض الواقع، نابع من إرث الآباء والأجداد، وأسهم في ترسيخ مكانتها، وعزَّز من حضورها بصفتها دولة تنشد السلام دائماً، وتدعم جهود تثبيته وإحلاله بما يخدم خير شعوب المنطقة والعالم واستقراره".
 
لقد تحولت الإمارات في غضون سنوات قليلة إلى نموذج فريد في التعايش والتسامح على الصعيد العالمي، بفضل ما اتخذته من خطوات وجهود لترسيخ ثقافة التسامح والتعايش كأسلوب حياة يومية لا حيادَ عنه، وفي مقدمة هذه الجهود تخصيص وزارة للتسامح في خطوة غير مسبوقة عالمياً، وإصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية، الذي يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة جميع أشكال التمييز، ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير؛ في الوقت ذاته فإن الإمارات تقوم بدور حيوي لافت في تعزيز الأمن والسلام إقليمياً وعالمياً، وتشجيع الحوار والتقارب بين الأديان والثقافات، والارتقاء بالعمل الإنساني والتنموي في المعمورة. 
 
ولا شك في أن نموذج التعايش والتسامح الإماراتي قد عزز من قوتها الناعمة، وجعلها تحظى بمحبة الشعوب واحترام الدول، وعزَّز من مكانتها المرموقة ، وأصبح ينظر إليها باعتبارها الحلم والأمل في منطقة تموج بالاضطرابات والتحديات.
 
4- تجربة الإمارات الرائدة في مواجهة التطرف والإرهاب:
تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة تجربة رائدة في مواجهة التطرف والإرهاب، تأخذ في الاعتبار العوامل المختلفة (السياسية – الأمنية – الثقافية- الاقتصادية – الاجتماعية)، حيث تؤمن الإمارات بأن أيَّ استراتيجية ناجحة لمواجهة خطر الإرهاب يجب أن تكون متعدِّدة الجوانب؛ لاستئصال الظاهرة من جذورها، والقضاء على الأسباب والعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تساعد الجماعات الإرهابية على نشر أفكارها الضالة والهدامة في المجتمعات. 
 
وضمن هذه الرؤية تدرك الإمارات أهمية التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة هذه الظاهرة التي لا تستطيع دولة بمفردها التصدي لها. كما يحسب لدولة الإمارات أنها أطلقت مجموعة من المبادرات الرائدة ذات الطابع الإقليمي والدولي، بهدف تعزيز قيم التسامح والوسطية والاعتدال وقبول الآخر بديلا عن التعصب والتطرف والغلو الذي تعمل قوى التطرف والإرهاب على نشره وزرعه في عقول الشباب حول العالم. ولعل أبرز هذه المبادرات في هذا الشأن مركز "صواب" الذي أطلقته الإمارات بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في شهر يوليو 2015 ، الذي يعد مبادرة نوعية تفاعلية للتراسل الإلكتروني تهدف إلى دعم جهود التحالف الدولي في حربه ضد تنظيم "داعش"الإرهابي، ومواجهة الأيديولوجيات المتطرفة التي تهدد الأمن والسلم المجتمعي في العديد من دول المنطقة. والواقع أن أهمية هذا المركز لا تكمن فقط في كونه يتصدى لدعاية تنظيم “داعش” وغيره من الجماعات المتطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تمثل نافذة يعتمد عليها التنظيم في نشر أفكاره المتطرفة والهدامة، وإنما أيضاً لأن هذا المركز الجديد يُعول عليه في إيصال أصوات الملايين من المسلمين وغير المسلمين في جميع أنحاء العالم ممن يرفضون ويقفون ضد الممارسات الإرهابية والأفكار الكاذبة والمضللة التي يروجها أفراد التنظيم. 
 
ولهذا حظي هذا المركز فور الإعلان عنه بإشادة كبيرة، باعتباره يجسد بوضوح مسؤولية دولة الإمارات العربية المتحدة في مواجهة الفكر المتطرف والهدام، ويأتي في سياق دورها الرائد في نشر قيم الوسطية والاعتدال والتسامح ونبذ الأفكار المتعصبة، ويعكس في الوقت ذاته إرادة الدولة القوية الهادفة إلى جمع دول المنطقة والعالم حول هذه المبادرة التي تستهدف التواصل مع مجتمعات الإنترنت التي غالباً ما تكون فريسة سهلة لدعاة الأفكار المتطرفة والهدامة التي مصدرها "داعش" والجماعات والتنظيمات الجهادية والإرهابية الأخرى، حيث يتعاون مركز "صواب" مع حكومات دول المنطقة والعالم بما في ذلك الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، كما يتواصل مع المؤسسات والشركات والشباب من أجل دحض عقيدة "داعش" التي تقوم في جوهرها على الكراهية والتعصب والعنف. 
 
وإضافة إلى مركز صواب، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر 2012 بافتتاح المركز الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف "هداية"، الذي يعتبر أول مركز دولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف. وجاء تأسيس مركز"هداية" استجابة للرغبة المتنامية لدى المجتمع الدولي وأعضاء المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب في وجود مؤسسة مستقلة ومُكرسة للحوار والتدريب والتعاون والبحوث في مجال مكافحة التطرف العنيف بكافة أشكاله ومظاهره، بحيث تجمع الخبراء والخبرات والتجارب من جميع أنحاء العالم. ويؤمن مركز “هداية” بالحل الوقائي عبر منع الأفراد من الانحدار في طريق الراديكالية واعتناق مذهب العنف ودعم الإرهاب، لذلك يسعى المركز إلى التعاون مع دول العالم في جهودها لإثناء بعض الأفراد الذين وطأت أقدامهم هذا الدرب المنحرف وردهم عنه قبل تورطهم فيه بالكامل. ولقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة بفضل الرؤية الشاملة والمتوازنة التي تتبناها لمواجهة خطر التطرف والإرهاب أن تظل واحة للأمن والاستقرار، بل إنها أسهمت من خلال مبادراتها البناءة في تعزيز الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة هذا الخطر، وهذا ما رسخ من صورتها باعتبارها دولة مسئولة تقوم بدور رائد في مواجهة التحديات العالمية، وتسهم في تعزيز السلم والأمن الدوليين.
 
5- القوة الثقافية والإعلامية: من عناصر القوة الناعمة الآخذة في التنامي لدولة الإمارات ما يطلق عليه مراكز أو بنوك التفكير، كــ "منتدى الاتحاد" السنوي، الذي أصبح رائد مؤتمرات الصحافة العربية؛ ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الذي تأسس عام 1994 ليصبح المركز الأم فعلاً بمؤتمراته وندواته ومنشوراته؛ ومركز الخليج للدراسات ومركز المستقبل لأبحاث والدراسات المتقدمة، الذين يساهمان في الحراك الثقافي في الدولة بإصداراتهما وفعالياتهما المختلفة؛ ومركز الإمارات للسياسات.  علاوة على ذلك، يبث من الإمارات أكثر من من القنوات الفضائية العربية. كما تستضيف الدولة كبرى الفضائيات العربية والدولية، مثل "سي إن إن" و"سكاي نيوز" عربية والعربية وناشيونالجيوغرافيك.
 
ومن الفعاليات الثقافية الأخرى المهمة، "معرض أبوظبي الدولي للكتاب" الذي انتهت فعاليات دورته السابعة والعشرون في الثاني من مايو 2017 ، فقد بات هذا المعرض يمثل عنواناً للنهضة الثقافية التي تشهدها الإمارات، وأحد مظاهر قوتها الناعمة، بعد أن بات مقصداً لروَّاد الثقافة وصناعها ومحبِّيها من كلِّ دول العالم، فضلاً عن كونه يجسد الانفتاح الثقافي الواسع لدولة الإمارات على الثقافات والآداب والفنون العالمية بمختلف أنواعها وأشكالها، وإيمانها بأهمية الثقافة ودورها الكبير في التنمية بمفهومها الشامل، وما تمثله من جسر للتفاهم والتعارف بين الأمم والشعوب. ولا شك في أن التطور الذي شهده المعرض على مدار السنوات الماضية أسهم في تطوير صناعة النشر والكتاب، ليس في الإمارات فقط، وإنما في الدول العربية أيضاً، من خلال استضافته أعرق دور النشر العالمية، والتعرُّف إلى كل ما هو جديد في صناعة النشر والطباعة، بل إن "معرض أبوظبي الدولي للكتاب" أصبح، وفقاً لـ"الاتحاد الدولي للناشرين"، من المعارض الأضخم في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتفوَّق على معارض عالمية من ناحية عدد دور النشر والدول المشاركة. 
 
كما دشنت الإمارات خلال السنوات الماضية العديد من المشروعات الأدبية والفكرية التي تثري الحراك الثقافي المحلي والعربي والدولي، كمشروع "كلمة" للترجمة الذي شكل نقلة نوعية لحركة الترجمة في العالم العربي، من خلال ترجمة نحو مئة كتاب سنوياً إلى العربيَّة في مختلف حقول المعرفة في الشرق والغرب. وبرنامج "شاعر المليون" الذي أصبح يرسِّخ مكانته وصدقيَّته عاماً بعد الآخر، بصفته منبراً رئيسياً للشعر النبطي، وبرنامج "أمير الشعراء" الذي جعل أبوظبي قبلة لكل رواد الشعر العربي الفصيح ومحبِّيه، و"جائزة الشيخ زايد للكتاب"، التي تعد بمنزلة "نوبل العربيَّة"، التي تحتفي بالمبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة العربية، وغيرها العديد من المشروعات التي تجعل من الإمارات عنواناً للانفتاح الثقافي والحضاري والمعرفي في المنطقة والعالم، لعل أبرزها مشروع متحف " اللوفر-أبوظبي"، الذي يعتبر أول متحف عالمي في العالم العربي، ومن المؤسسات الثقافية الرائدة التي يجري تطويرها في قلب المنطقة الثقافية في السعديات، ومن المقرر أن يضم المتحف، الذي يمتد على مساحة 25 ألف متر مربع، صالات عرض فنية دائمة يتم فيها عرض لوحات ورسومات ومنحوتات ومخطوطات أصلية ومقتنيات أثرية وأعمال تشكيلية من مختلف أنحاء العالم. 
 
6- القمم العالمية الناجحة التي تقام على أرض الإمارات:
 استطاعت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية أن تنظم العديد من القمم العالمية الناجحة التي تتناول قضايا مهمة تهم دول العالم أجمع، لعل أبرزها:
القمة العالمية للحكومات التي تعقد في  شهر فبراير من كل عام، وتحولت هذه القمة منذ انطلاق دورتها الأولى في عام 2013، إلى منصة لمناقشة الأفكار الإبداعية والابتكارية حول تطوير العمل الحكومي والمؤسسي والمفاهيم المرتبطة به، وبوابة واسعة لتبادل الخبرات بين متخذي القرار والأكاديميين والباحثين والمتخصصين في هذا الشأن على المستوى العالمي. وتعتبر القمة العالمية للحكومات، الفعالية الوحيدة من نوعها التي تركز على "استشراف حكومات المستقبل"، وترسم المسار للجيل القادم من الحكومات، حيث يجتمع عدد كبير من المسؤولين الحكوميين، وقادة الفكر، وواضعي السياسات، وقادة القطاع الخاص، تحت مظلّة القمة العالمية للحكومات سنوياً، لمناقشة مستقبل الحكومات في العقود القليلة المقبلة. 
 
وتوفّر القمة العالمية للحكومات، منصّة تعاونية لتبادل أفضل الممارسات والحلول الذكية للتحديات التي تواجه الدول، كما توفّر شبكة واسعة النطاق تربط بين قادة القطاعات الحكومية والخاصة. ومن خلال تركيزها على الحكومات، واستشراف المستقبل والتكنولوجيا والابتكار، توفّر القمة منصة لتبادل الأفكار، التي تهدف إلى تعزيز التطور البشري والازدهار العالمي. وقد شهدت الدورة الخامسة من "القمة العالمية للحكومات" التي انعقدت في فبراير 2017 عشر محطات جديدة في أجندتها، لتشمل أول وأكبر تجمع دولي لخبراء ومختصين في مجال السعادة، ومنتدى التغير المناخي والأمن الغذائي ومنتدى الشباب العربي.  
 
ولعل أهم فعاليات القمة العالمية الخامسة للحكومات 2017 هو تخصيصها لمناقشة إمكانية استئناف المنطقة العربية لحضارتها، فقد قدم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، تجربته القيادية ووصفته للمنطقة العربية لاستنهاض قواها واستئناف مسيرتها الحضارية،  وهي الرؤية التي تنطلق من نجاح التجربة الإماراتية في التنمية والبناء، بالنظر لما تتضمنه من أسس ومرتكزات يمكن الاستفادة منها عربياً في استئناف مسار التنمية، وإحياء الحضارة العربية العريقة.
 
ولا شك في أن نجاح الإمارات في تنظيم أكبر تجمع عالمي للحكومات يناقش مستقبل حكومات العالم في استشراف المستقبل وكيفية مواجهة التحيات والتغلب عليها، يعزز من قوتها الناعمة ، ويرسخ ريادتها في مسيرة التنمية الدولية، ويؤكد بوضوح على أن دولة الإمارات تأخذ دائما بالسبق وتضرب مثالا يحتذى به في التعامل مع التحديات ومستجدات العصر. كما أن الحضور الكبير الذي تشهده القمة العالمية للحكومات دليل على أهمية هذا الحدث على مستوى العالم، الذي يشهد حضوراً لافتاً لقادة ونخب سياسية وباحثين وخبراء في مختلف المجالات، حيث يتم طرح قضايا مصيرية تخدم تطور المجتمعات وتسهم في دعم مسارات التنمية، وتتناول أسباب التطور والريادة انسانياً واقتصادياً وتعليمياً تحقيقاً لمجتمعات تسودها روح التسامح والمحبة. 
 
اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بعقد قمة عالمية سنوية للحكومات، يجعل منها نموذجاً لما يجب أن تكون عليه حكومات المستقبل، نموذجاً قادراً على قيادة العالم نحو مستقبل أفضل، تتحقق فيه شروط الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية والاقتصادية، ويتعايش فيه جميع البشر في مناخ من السعادة والتسامح والسلام، ويأمن فيه الجميع على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. وهذه هي رسالة الإمارات الحضارية التي تبعث دوماً على الأمل والتفاؤل وتؤكد أن المشاركة البناءة في مسيرة التقدم العالمي وإثراء الحضارة الإنسانية في متناول الجميع، إذا ما توافرت الإرادة القوية التي تقهر الصعاب وتتحدّى المستحيل.
*القمة العالمية لطاقة المستقبل: تعتبر حدثاً دولياً سنوياً بارزاً يرمي إلى الالتزام بتحسين مشهد الطاقة والتقنيات النظيفة في المستقبل. 
 
ويشارك في هذه القمة، التي تقام تحت مظلة أسبوع أبوظبي للاستدامة، الآلاف من رواد السياسة والمال والأعمال والرواد الأكاديميين، وهي تشجع علاقات الشراكة بين القطاعات ذات الصلة للمساعدة في تحديد الفرص التي من شأنها أن تُترجم إلى ابتكارات واستثمارات ناجحة في قطاع الطاقة.  ودرجت القمة العالمية لطاقة المستقبل منذ انطلاق دورتها الأولى من أبوظبي عام 2008 على عرض المستجدات في مجال الطاقة المتجددة، وهو الأمر الذي كان له أثره الإيجابي في توجيه اهتمامات كثير من دول العالم إلى هذا النوع من الطاقة، والإقبال عليه، ولعل المشاركة الواسعة من كبرى الشركات والمؤسسات المعنية بقضايا الطاقة المتجددة في القمة العاشرة التي أقيمت العام الجاري 2017، يعكس بوضوح نجاح الإمارات في الترويج لهذه الطاقة واستخداماتها.
 
 ومنذ أن نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في استضافة الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا" عام 2009، وهي لا تألو جهداً في توفير كل الإمكانيات اللازمة أمامها، لكي تقوم بدورها في نشر حلول الطاقة المتجددة، باعتبارها طاقة المستقبل التي لا غنى عنها بالنسبة إلى دول العالم أجمع، وخاصة الدول النامية التي تواجه تحديات متزايدة في الطاقة تؤثر في مسيرتها التنموية.
 
*القمة العالمية الأولى للصناعة والتصنيع : استضافت العاصمة الإماراتية أبوظبي في شهر مارس 2017 الدورة الافتتاحية للقمة العالمية الأولى للصناعة والتصنيع، والتي سلطت الضوء على القضايا التي ترتبط بالثورة الصناعية الرابعة، بالنظر إلى ما تشكله هذه القضية من أهمية متزايدة لجميع دول العالم. وأتاحت هذه القمة للشركات المشاركة فرصة الاطّلاع على أفضل الممارسات العالمية في قطاع الصناعة، حيث أطلق هذا التجمع العالمي الأول من نوعه العديد من الأفكار والرؤى الجديدة وبما يمهد الطريق للنقاش والعمل على تمكين القطاع الصناعي من المساهمة في صياغة مستقبل جديد للمجتمعات العالمية، ودمج الأنشطة الصناعية في الأسواق المتقدمة والناشئة، والتأكيد على دور القطاع الصناعي في إعادة بناء الازدهار الاقتصادي العالمي.
 
ولا شك في أن هذه القمة التي جمعت عدد كبير من الخبراء والمتخصصين والعاملين في مجال الصناعة والتصنيع على أرض الإمارات، تمثل شهادة عالمية على ما تتمتع به الدولة من قدرة على استضافة الفعاليات الدوليّة الكبرى من ناحية أولى، وما تمنحه للصناعة -أو بالأحرى، الثورة الصناعية الرابعة- من موقع مركزي في استراتيجياتها التنمويّة، من ناحية أخرى، حيث تعطي دولة الإمارات العربية المتحدة تطوير القطاع الصناعي أهميّة محورية، وتبذل جهوداً حثيثة منذ عقود طويلة لبناء قطاع صناعي وطني متطور وقادر على لعب دور محوري في تحقيق التنمية، من منطلق أن الصناعة هي القطاع الذي يعول عليه في قيادة التقدم الاقتصادي في أي دولة، لما يتميز به من خصائص لا تتوافر لغيره من القطاعات.
 
7- تحول الإمارات إلى مركز لإقامة الفعاليات الكبرى في المجالات المختلفة:
لا شك أن تنظيم الفعاليات الضخمة والعالمية يعد مؤشراً قوياً على القوة الناعمة لأي دولة، لأنه يظهر قدراتها سواء على مستوى تخطيط وتأهيل الكوادر البشرية أو على صعيد استعراض مدى كفاءة وتقدم البنى التحتية وقطاعات السياحة والخدمات والفندقة ومقدرتها الاستيعابية.وقد أثبتت الإمارات خلال  السنوات الماضية ريادتها في هذا المجال، فقد استطاعت أن تنظم العديد من الفعاليات الكبرى(مؤتمرات عالمية- معارض عالمية) في العديد من المجالات، ليس هذا وحسب، بل أن هذه الفعاليات شهدت مشاركات دولية واسعة . 
 
 ولا شك في أن الفعّاليات العالمية التي تنظمها وتستضيفها الإمارات تضيف إلى مصادر قوتها الناعمة، ومن أهم هذه الفعّاليات معرض دبي للطيران،الذي يعتبر من أكبر معارض الطيران وأكثرها نجاحاً على الصعيد العالمي؛ وقمة مجالس الأجندة العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، التي تستضيفها الإمارات منذ إطلاقها في عام 2008؛ وتنظيم معرض إكسبو الدولي 2020، يؤكد تزايد مكانة الإمارات الإقليمية والدولية، ويعزز صورتها كواجهة مميزة لتنظيم واستضافة الفعاليات العالمية.
 
 ومن ضمن الفعاليات الكبرى التي تعزز القوة الناعمة للإمارات، معرض الدفاع الدولي (آيدكس)، الذي يُعد أضخم معرض دفاعي وأبرز الملتقيات لصانعي القرار والنخب العسكرية وخبراء ورواد صناعة الدفاعفي العالم؛ وقد أقيمت الدورة الثانية عشرة منه في فبراير من العام 2017، وقد حققت نجاحات كبيرة، سواء لإبراز قدرات الإمارات التنظيمية والبشرية، أو فيما يتعلق بمشاركة آلاف من كبار الشخصيات وصناع القرار من جميع أنحاء العالم،  فضلاً عن مشاركة العديد من الخبراء والمختصين، أو فيما يتعلق بتعزيز الشراكات مع القوى الدولية في المجال الدفاعي والعسكري، والاستفادة من خبرات الشركات المشاركة، كما يتيح لها المعرض المجال للرفع من مستوى التنسيق في مجال التعاون الدفاعي مع الكثير من دول العالم ومناقشة آليات وطرق مجابهة التحديات الدفاعية والأمنية في المنطقة والعالم.
 
وإضافة إلى هذه الفعاليات، فقد استطاعت الإمارات أن تنظم العديد من الفعاليات الرياضية الكبرى على أراضيها، فقد نجحت في استضافة كأس العالم للشباب 2003 وكأس العالم للأندية عامي 2009 و2010، كما نظمت أيضاً العديد من البطولات الدولية في ألعاب رياضية مختلفة مثل الفروسية والجوجيتسو، كما تنظم بطولات رياضية دولية في جميع الألعاب والرياضات على مدار العام، كما تشارك الإمارات في رعاية أندية أوروبية كبيرة سواء من خلال شرائها أو الرعاية التي تضمن لها دعاية توصف بـ "الثمينة" من خلال تلك الأندية، وقد انتقلت ملكية نادي "مانشستر سيتي" في عام 2008 إلى سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة. وترعي العديد من الشركات الإماراتية أندية أوروبية عريقة، مثل صفقات الرعاية التي أبرمتها شركات "الاتحاد للطيران" و"طيران الإمارات" مع نادي سيتي وأرسنال على التوالي. وفي موسم 2016، حل مانشستر سيتي في المرتبة الرابعة كأغلى نادٍ في العالم، بقيمة قدرها 905 ملايين دولار، من واقع 510 في 2014. 
 
وارتفعت عائدات رعاية القمصان في أندية كرة القدم الأوروبية الكبيرة، بنحو 13% إلى 3,4 مليار درهم في موسم 2016. ويرعى "طيران الإمارات" كلاً من، "أيه سي ميلان"، و"أرسنال"، و"باريس سان جيرمان"، و"ريال مدريد"، بجانب رعاية مسابقة كأس الاتحاد الإنجليزي. وفي تقرير نشرته مؤسسة "براند فاينانس" الاستشارية البريطانية، بلغت قيمة العلامة التجارية لطيران الإمارات في السنة الماضية 2016 قرابة 7,74 مليار دولار، أو بارتفاع قدره 17% عن السنة التي سبقتها، مستعيدة ترتيبها كأغلى علامة تجارية في قطاع الطيران العالمي، بينما قدرت قيمة علامة طيران الاتحاد، بنحو 1,56 مليار دولار بارتفاع 8%..
خاتمة
لقد استطاعت الإمارات خلال السنوات الماضية أن ترسخ من مكانتها كنموذج للقوة الناعمة صاحبة التأثير المتنامي على الصعيدين الإقليمي والدولي، وليس أدل على ذلك من حصولها على المرتبة العاشرة ضمن نادي أقوى دول العالم، وفقاً لتقرير مؤسسة "يو إس نيوز آند وورلد ريبورت" لعام 2017، الذي يقيس قوة الدول على أساس النفوذ السياسي والاقتصادي، وقوة التحالفات الدولية، والتاريخ الثقافي، والمواطنة، وجودة الحياة، وهي مؤشرات تجسد القوة الناعمة للإمارات، وقدرتها على التأثير الفاعل في محيطيها الإقليمي والدولي. 
 
ولا شك في أن "مجلس القوة الناعمة" الجديد ، والمهام التي سيقوم بها على المستويات كافة، سيسهم في إبراز الصورة الحضارية للإمارات  وسيعزز من قوتها الناعمة، بما تمثله من تجربة رائدة في مجال التنمية والاستقرار السياسي والاجتماعي، تقدم بإنجازاتها الرائدة على المستويات المختلفة، صورة إيجابية عن المجتمعات العربية والإسلامية وقدرتها على تحقيق النجاح متى توافرت لها القيادة الحكيمة والإدارة الجيدة للموارد والإمكانات. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1310

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره