مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-07-13

مجلس التعاون لدول الخليج العربية: انجازات وتحديات

يمثل مرور 35 عاماً على انشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية محطة زمنية مهمة للتعرف على مسيرة المجلس وأبرز انجازاته خلال تلك الفترة، فضلاً عن رصد أهم التحديات التي تواجه العمل الخليجي المشترك، وفي هذا العدد، تسلط “ درع الوطن” الضوء على هذه المسيرة، إسهاماً منها في دعم مسيرة هذا الاطار المؤسسي الجامع للشعوب الخليجية وأحلامها وطموحاتها.
 
إعداد: التحرير
استطاع مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ قمته الأولى التي انعقدت في أبوظبي في مايو عام 1981 أن يثبت أنه من أهم التجمعات الإقليمية في المنطقة والعالم، ليس فقط لأنه استطاع أن يظل صامداً في مواجة التحديات الخطيرة التي واجهته، طيلة هذه السنوات الخمس والثلاثين ، وإنما أيضاً لما حققه من إنجازات على الأصعدة المختلفة، السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية، كما استطاع المجلس أن يمضي قدماً باتجاه تعزيز المواطنة الخليجية، ويحقق آمال الشعوب الخليجية في الأمن والاستقرار والتنمية والازدهار. كما يحسب للمجلس أنه نجح في تطوير آليات عمله طيلة هذه السنوات حتى يمكنه التفاعل بإيجابية مع المستجدات والمتغيرات الداخلية والخارجية، وأثبت أن إرادة التعاون والتكامل بين دوله قويّة وعميقة وأكبر من أي معوقات أو صعوبات، لأنها تنبع من الإيمان بوحدة التحدي والمصير.
 
لقد مرّ المجلس منذ تأسيسه في مايو عام 1981 بالعديد من المحطّات والمنعطفات المهمة التي خطا فيها خطوات كبيرة إلى الأمام على طريق التضامن والوحدة، واستطاع أن يحافظ على وجوده ويعمّق حضوره على الساحتين الإقليمية والدولية، وعلى الرغم من التحدّيات والأزمات الصعبة التي اعترضت مسيرته فإنه استطاع أن يواجهها بموقف واحد ورؤية متّسقة، ما أسهم في تعميق الإيمان الشعبي به وبأهميته كمصدر لقوة دوله وإطار لتعميق الوشائج بين شعوبها. 
 
لقد بات المجلس إطاراً قوياً للأمن الجماعيّ، وسياجاً لحماية مكتسبات دوله والتصدي للأخطار التي تعترضها، وأصبح يلعب دوراً مؤثراً في إدارة الأزمات التي تشهدها المنطقة، خلال السنوات الماضية، هذا إضافة إلى تزايد الثقة الدولية به بصفته قوة استقرار وتنمية في إطاره الإقليمي، وذلك بفضل السياسات الحكيمة لقادته الذين يقدّمون المثل على بعد النظر والرؤية الثاقبة والعمل من أجل التنمية والاستقرار والسلام في بلادهم والمنطقة.
وقد جسدت القمة التشاورية الخليجية السادسة عشر التي استضافتها مدينة جدة في شهر مايو الماضي 2016 قوة التوافق بين قادة دول المجلس على استكمال مسيرة الأهداف الخليجية العليا، وبما يحقق أكبر قدر من التكامل في شتى المجالات.
 
التأسيس والأهداف
تمَّ الإعلان عن إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال اجتماع قادة دول الخليج الست (المملكة العربية السعودية، الكويت، الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، عُمان) في العاصمة الإماراتية أبوظبي خلال الفترة (25-26) مايو 1981، وأُطلق على هذا الاجتماع “قمة التأسيس”؛ حيث تم خلاله التوقيع على النظام الأساسي للمجلس، والذي هدف إلى تحقيق التعاون بين دول الخليج الست وتنمية علاقاتها، وتحقيق التنسيق والتكامل والترابط والصلات القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات. وانطلق المجلس كمنظمة إقليمية تجمع بين أعضائها عوامل مشتركة؛ أهمها التشابه الاجتماعي في العادات والتقاليد، والتشابه الاقتصادي في الموارد والإنتاج والبيئة، فضلاً عن القرب الجغرافي، ونظمها السياسية الملكية، بالإضافة إلى عاملي اللغة والدين. 
 
وقد أوضحت ديباجة النظام الأساسي لمجلس التعاون -الذي وقَّعه قادة الدول الست في 25 مايو 1981 عوامل قيام المجلس ، حينما نصت على أنه: “.. إدراكًا منها لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية... وإيمانًا بالمصير المشترك ووحدة الهدف التي تجمع بين شعوبها... ورغبة في تحقيق التنسيق والتكامل فيما بينها بما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية... واستكمالاً لما بدأته من جهود في مختلف المجالات الحيوية التي تهم شعوبها وتحقق طموحاتها نحو مستقبل أفضل وصولاً إلى وحدة هدفها... وتمشيًا مع ميثاق جامعة الدول العربية الداعي إلى تحقيق تقارب أوثق وروابط أقوى... وتوجيهًا لجهودها إلى ما فيه دعم وخدمة القضايا العربية والإسلامية، وافقت فيما بينها على إنشاء هذا المجلس” وفي هذا الإطار حدد النظام الأساسي أهداف مجلس التعاون الأساسية فيما يلي: 
   * تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها.
   * تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات.
  * وضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين بما في ذلك الشؤون الاقتصادية والمالية، والشؤون التجارية والجمارك والمواصلات، والشؤون التعليمية والثقافية، والشؤون الاجتماعية والصحية، والشؤون الإعلامية والسياحية، والشؤون التشريعية والإدارية. 
   * دفع عجلة التقدم العلمي والتقني في مجالات الصناعة والتعدين والزراعة والثروات المائية والحيوانية، وإنشاء مراكز بحوث علمية وإقامة مشاريع مشتركة وتشجيع تعاون القطاع الخاص.
وإضافة إلى ما سبق، فإن دراسة الظروف والتطورات التي أحاطت بالمجلس منذ نشأته في مايو 1981 تؤكد أن أحد أهم الأهداف التي أنشئ من أجلها هي الدفاع عن أعضائه الست في مواجهة الأخطار المحدقة، وتكوين قوة رادعة لحماية أمنها الوطني والقومي على حد سواء، وليس أدل على ذلك من أن المجلس أكد منذ قمته الأولى في مايو 1981 على “أن العدوان على أي دولة عضو في المجلس يعتبر عدوانًا عليها جميعًا، وتلتزم جميع الدول الأعضاء بالتضامن مع الدولة المعتدي عليها”.  
 
دور الإمارات في تأسيس المجلس ودعم مسيرة العمل الخليجي المشترك
لقد كان للمغفور له -بإذن الله تعالى- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان –طيب الله ثراه- دور بارز في إنشاء “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” من منطلق إيمانه بأهمية الوحدة وقيمتها، وكان انطلاق المجلس من أبوظبي في مايو عام 1981 علامة بارزة على دعم دولة الإمارات العربيّة المتحدة لمسيرة العمل الخليجي المشترك، وخلال السنوات الماضية أسهمت الإمارات بإيجابيّة، على المستويات المختلفة، في تعزيز هذه المسيرة وإنضاجها، وبعد ذلك كان للقيادة الرشيدة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله- دور مميّز في دفع مجلس التعاون إلى الأمام، وتقوية أسس التعاون والتكامل بين دوله، والتفاعل مع كلّ ما من شأنه دعم المجلس وتعزيز أركانه، وذلك من منطلق إيمان دولة الإمارات العربية المتحدة بأهمية مجلس التعاون الخليجي وضرورة تطويره وتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من خطوات بين أعضائه على صعيد التنسيق والتعاون والتكامل في مختلف المجالات.
 
 ولا شك في أن إيمان الإمارات بدور المجلس يعود إلى كونها خاضت تجربة الاتحاد وكونت تجربة اتحادية قوية، حيث شكل قيام اتحاد الإمارات دافعا قويا لبقية دول الخليج العربية للقيام بخطوة مماثلة، فبعد قيام دولة الاتحاد كما يقول المغفور له بإذن الله تعالي، الشيخ زايد ، طيب الله ثراه: “تشجعت دول الخليج وكونت مجلس التعاون لدول الخليج العربية وأصبح اتحاد الإمارات ومجلس التعاون عضوين فاعلين في الجامعة العربية وسندا وعونا للأمة العربية، ولم يتقاعس يوما عن أداء الواجب تجاه الأشقاء وإن شاء الله نستمر ونضاعف من هذا الواجب وتعلم دلوة الإمارات مع الدول الشقيقة في مجلس التعاون في إطار من التآزر والتلاحم لتحديد سياستها وعلاقاتها الإقليمية والدولية استنادا إلى الحقائق الجغرافية والسياسة والاقتصادية القائمة ووفقا لمصالحها القومية وذلك من منطلق انتمائهما العربي والإسلامي”.  
ولا تنظر دولة الإمارات -مثلها في ذلك مثل بقية دول الخليج العربية- إلى المجلس باعتباره منظمة إقليمية مستقلة عن جسم الأمة العربية، بل تعتبره جهداً عربياً يسهم في تعزيز التضامن العربي، بما يعود بالخير لا على أبناء هذا الجزء من الوطن العربي فحسب بل على الأمة العربية كلها.  ومن ثم مثلت العلاقات مع الدول الخمس الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية إحدى السمات الرئيسة للسياسة الخارجية الإماراتية حتى قبل تاريخ تشكيل المجلس نفسه في عام 1981، واستند ذلك إلى العوامل المشتركة التي تربط الإمارات بهذه الدول، وهي التاريخ والثقافة واللغة وغيرها من العوامل التي سبقت الإشارة إليها.
 
ومنذ إعلان ميلاد مجلـس التعاون لدول الخلـيج العربية، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة وما زالت سباقة في دعم المجلس والمساهمة الفاعلة في كل ما من شأنه تقوية العمل الخليجي المشترك، من منطلق الإدراك الواعي لخطورة التحديات التي تفرزها البيئة المحيطة، والتي تستهدف دول المجلس جميعها دون استثناء، ومن ثم تتطلب رؤية متكاملة ومتسقة للتعامل معها والتصدي لمخاطره. كما حرصت الإمارات على تطوير علاقات التعاون الثنائي مع دول المجلس من خلال الاتفاقيات الثنائية المشتركة وفعاليات اللجان العليا المشتركة، والتواصل والتشاور المستمرين من خلال الزيارات المتبادلة على المستويات كافة، بما يعزز من صلابة دول المجلس. كما حرصت على المشاركة الفاعلة في كافة اللقاءات الخليجية وعلى جميع المستويات من منطلق إيمان راسخ بأهميتها في تقريب وجهات النظر وخدمة شعوب المنطقة ومد جسور التفاهم والتعاون والترابط في ما بينها، وبما يحقق المزيد من الإنجازات لما فيه خير وصالح شعوب دوله على مختلف الأصعدة، خاصة على الصعيد الاقتصادي والتجاري والصناعي والاستثماري.
 
مجلس التنسيق الإماراتي- السعودي ودعم العمل الخليجي المشترك
مجلس التنسيق السعودي- الإماراتي الذي تم الإعلان عنه في مايو 2016 يمثل مرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية بين الدولتين، من شأنها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بينهما، وسيكون لها مردودها الإيجابي على العمل الخليجي المشترك، ومواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد الأمن الخليجي والعربي بوجه عام، سواء فيما يتعلق بتطورات الأوضاع في اليمن على ضوء عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل، أو فيما يتعلق بالتنسيق المشترك لمواجهة مخاطر التطرف والإرهاب في المنطقة، أو التصدي لأي تدخلات حارجية تستهدف أمن واستقرار دول المجلس والدول العربية بوجه عام.
وكان لافتاً أن اتفاق تأسيس مجلس التنسيق الإماراتي- السعودي نص على نقطة مهمة، وهي أن إنشاء المجلس والمهام الموكلة له لا يخل بالالتزامات والتعاون القائم بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وذلك في تأكيد بالغ على حرص الدولتين على منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودفعها قدماً إلى الأمام، خاصة أن هذا المجلس هو محاولة لبلورة أداة جديدة تتجاوز تعقيدات آليات العمل التقليدية التي تتطلب قواعد وإجراءات قد تستغرق بعض الوقت، من أجل بلورة مواقف حاسمة تجاه المستجدات والأزمات الطارئة. وهذا ما عبرت عن تصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بمناسبة الإعلان عن هذا المجلس، حيث أكد سموه على عمق ما يربط البلدين الشقيقين من علاقات أخوية وصلبة تستند إلى إرادة قوية ومشتركة لتحقيق مصالح البلدين وتعزيز دورهما في تحقيق أمن واستقرار المنطقة، مشيراً إلى أن التحديات الماثلة أمام المنطقة تحتم مضاعفة الجهود والتنسيق المكثف والتشاور المستمر لمواجهة الأجندات الخارجية ومخاطر الإرهاب والتطرف.  
 
مجلس التعاون لدول الخليج العربية ...  مسيرة حافلة من الإنجازات
استطاع مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه في مايو 1981 أن يحقق العديد من الإنجازات، سواء فيما يتعلق بتنفيذ العديد من المشاريع المشتركة، أو فيما يتعلق بتطوير مستوى التنسيق والتعاون والتكامل، وتحقيق التنسيق والتكامل والترابط في جميع الميادين، وصولاً إلى وحدتها، أو فيما يتعلق بتطوير آليات عمله، ويمكن تناول إنجازات مجلس التعاون لدول الخليج العربية على النحو التالي:
 
1- على الصعيد السياسي:
استطاع مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ نشأته أن يعمل كإطار موحد تمتزج فيه الرؤى والتصورات المختلفة لدوله في محاولة للتقريب فيما بينها وتوحيد مواقفها ورؤاها تجاه مختلف القضايا الداخلية والإقليمية والدولية، وخلق شبكة من المصالح المتشابكة أساسها الروابط المشتركة ووحدة الهدف والمصير. وشهد العمل الخليجي المشترك، سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي، طفرة كبيرة، من خلال تعميق مسيرة مجلس التعاون والتنسيق في مختلف المجالات. حيث واصل قادة دول المجلس، اجتماعاتهم ولقاءاتهم لبحث التطورات في المنطقة والعالم، وتعزيز التعاون الثنائي. وقد أسهم التجانس بين دول المجلس في تبني مواقف موحدة تجاه القضايا السياسية ، ترتكز على مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة كل دولة على أراضيها ومواردها واعتماد مبدأ الحوار السلمي وسيلة لفض المنازعات الأمر الذي أعطى المجلس قدرا كبيرا من المصداقية كمنظمة دولية فاعلة في هذه المنطقة الحيوية للعالم بأسره.
 
وبدا هذا التجانس في المواقف القوية التي اتخذها المجلس في الدفاع عن مصالح أعضائه، وفي مواجهة المخاطر المشتركة التي تواجه دول المجلس، وتجلَّى ذلك بوضوح في توحيد القرار الخليجي السريع بقطع العلاقات وتجميدها مع إيران في يناير 2016، رداً على الاعتداءات الإيرانية المتكررة، أو الانخراط في عمليتي “عاصفة الحزم” و”إعادة الأمل” في مارس عام 2015  لردع التمدُّد الحوثي المدعوم من طهران، وقطع الطريق أمام الأعمال التخريبية التي يقوم بها ما يسمَّى “حزب الله” اللبناني. 
 
ومنذ انطلاقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كان تأكيده الواضح على المواقف الثابتة الرافضة لاستمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث: (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، والتأكيد على دعم المجلس، حق السيادة للإمارات العربية المتحدة، على جزرها الثلاث، وعلى المياه الإقليمية والإقليم الجوي والجرف القاري، والمنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الإمارات العربية المتحدة، واعتبار أن أي ممارسات أو أعمال تقوم بها إيران على الجزر الثلاث، لاغية وباطلة، ولا تغير شيئاً من الحقائق التاريخية والقانونية. واستنكر المجلس، على الدوام، التصريحات غير المسؤولة المتكررة، التي تصدر من بعض المسؤولين الإيرانيين، بشأن دول المجلس، باعتبار ذلك تدخلاً سافراً في شؤون الدول الأعضاء الداخلية، ولا يخدم تحسين العلاقات وتطويرها، والتأكيد على المواقف الثابتة، بأن العلاقات مع إيران يجب أن تبنى على أسس ومبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة دول المنطقة، والامتناع عن استخدام القوة، أو التهديد بها.
 
وبطبيعة الحال، ما كان بمقدور مجلس التعاون أن يحقق الاستمرارية، لولا وجود نوع من التوافق والتعاون السياسي فيما بين دوله، وعزز من ذلك ما يلي: 
- كثافة حجم التفاعلات السياسية بين دول المجلس سواء من خلال الاجتماعات التي تتم في إطاره على مختلف المستويات أو عبر اللقاءات الثنائية.
- الحرص على الانتظام في دورية انعقاد المجلس على مختلف مستوياته، بدءًا من المجلس الأعلى الذي يمثل القادة، مرورًا بالمجالس الوزارية، وانتهاء باجتماعات اللجان الفرعية مع الحرص على المشاركة فيها على أعلى مستوى بصرف النظر عن أية خلافات.. وكان لافتًا أن اجتماعات المجلس الأعلى كانت هي الأكثر انتظامًا ولم تنقطع على الإطلاق حتى خلال الأزمات الإقليمية والعالمية الحادة.
- استحداث عدد من الآليات الأخرى لتحقيق المزيد من التعاون بين دول المجلس وفي إطاره، مثل آلية القمة التشاورية التي بدأ تطبيقها في مايو 1999 والهيئة الاستشارية الخليجية التي تمت الموافقة عليها في قمة الكويت سنة 1997 بهدف فتح المجال أمام المشاركة الشعبية في قضايا الاندماج والتكامل ، وإنشاء هيئة تنموية واقتصادية جامعة لدول المجلس في القمة التشاورية بجدة في مايو 2016، لتذليل العقبات لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود 
 
2- على الصعيد الاقتصادي
 تتميز دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، بتماثل الوضع الاقتصادي إلى حد كبير، وكذلك تماثل التركيبة السياسية والاجتماعية، مع تطلع كل منها إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتنويع مصادر الدخل، وبفضل هذه العوامل استطاع المجلس أن يخطو بثبات نحو التعاون والتكامل الاقتصادي بين أعضائه، فأقر من الآليات التي تضمن تفعيل التعاون بين أعضائه، وكان آخرها ما أقرته القمة الخليجية التشاورية في جدة في مايو 2016 بإنشاء هيئة تنموية واقتصادية جامعة لدول المجلس، تستهدف بالأساس تذليل العقبات لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود الذي يتفق مع ما أقره النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي. ومن مهام هذه الهيئة، العمل على تعزيز التعاون الخليجي المشترك في المجالات الاقتصادية والتنموية، والنظر في السياسات والتوصيات والدراسات والمشروعات التي تهدف الى تطوير التنسيق والتكامل بين الدول الأعضـاء في المجالات الاقتصادية والتنموية، وتشجيع وتطوير وتنسيق الأنشطة القائمة بين الدول الأعضاء في المجالات الاقتصادية والتنموية، واتخاذ ما يلزم بشأنها من قرارات أو توصيات، وكذلك متابعة تنفيذ قرارات واتفاقيات وأنظمة مجلس التعاون المتعلقة بالجانب الاقتصادي والتنموي.  
 
ولا شك في أن إنشاء هيئة تنموية واقتصادية جامعة لدول المجلس يعبر عن رؤية عميقة تنبع من الفهم المشترك لدول المجلس لطبيعة التحديات الاقتصادية الناجمة عن تراجع أسعار النفط، مع ما بات يتطلّبه ذلك من وضع الخطط المشتركة للدخول في مرحلة ما بعد النفط، وسيتم تنفيذ هذه الهيئة استناداً إلى آراء وأفكار مجموعة من المتخصصين والمفكرين من أبناء دول المجلس، سيسعون بجهودهم إلى تحقيق هدف “المواطنة الاقتصادية الكاملة”، استكمالاً لما تم تحقيقه في مجال الشراكة الاقتصادية الخليجية خلال السنوات الماضية، واستجابة كذلك لتراجع نسبة النمو، وتنامي مخاوف العجز في الموازنات العامة جراء انخفاض عائدات النفط بسبب تراجع أسعار النفط عالمياً. 
 
والواقع أن المجال الاقتصادي يمثل أحد أبرز الإنجازات في مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خاصة أن المجلس نجح في تحقيق ثلاث مراحل من التكامل الاقتصادي، من أصل أربع مراحل، وفقاً لما تمليه النظريات الاقتصادية العالمية، والتي تبدأ بتأسيس منطقة للتجارة الحرة، وتنتهي بالوحدة الاقتصادية، مروراً بإقامة اتحاد جمركي، وسوق خليجية. ولا شك في أن الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة اللذان أطلقهما مجلس التعاون الخليجي بين الدول الأعضاء كانا سبباً رئيساً لزيادة التبادل الاقتصادي، كما أن الاتفاقية الاقتصادية 2001، التي حلت محل اتفاقية 1983، كانت سبباً رئيساً للتحول من “مرحلة التعاون” بين الدول الأعضاء، إلى “مرحلة التكامل”، حيث تم بموجبها إزالة كل الحواجز الجمركية وغير الجمركية على التجارة، وتوحيد الرسوم الجمركية مع الدول غير الأعضاء، بواقع 5% على السلع الأجنبية المستوردة من خارج الاتحاد. وركزت الاتفاقية على بنود مطورة لتواكب بشكل أفضل المتغيرات الاقتصادية المحلية والدولية، ولتعزِّز العمل الخليجي المشترك فيما يتعلق بإنشاء الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي، وتلك البنود تمثِّل محطات مهمَّة في مسيرة التعاون لتحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي بشكل كامل.
 
ومع نهاية عام 2008 استطاعت دول المجلس أن تنهي ما تطلَّبته مرحلة الاتحاد الجمركي بنجاح؛ وذلك من خلال التنسيق والإجراءات، وتوحيد القوانين الخاصة بالجمارك، والمواصفات القياسية للسلع، واتفقت دول المجلس في عام 2008 على الدخول في مرحلة جديدة؛ هي إقامة السوق الخليجية المشتركة، وهذه المرحلة تنطوي على تحرير عناصر الانتاج وحركة الاستثمار أمام مواطني دول المجلس في مجالات التنقل والإقامة و العمل في القطاعات الحكومية والأهلية و التأمين الاجتماعي والتقاعد و ممارسة المهن والحرف ومزاولة كل الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية و تملّك العقار و تنقل رؤوس الأموال والبضائع والخدمات و المعاملة الضريبية و تداول الأسهم وشراءها وتأسيس الشركات و التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. ومنذ فبراير 2010 دخلت حيز التنفيذ اتفاقية الاتحاد النقدي، وتتواصل الجهود حالياً من أجل التوصل إلى تحقيق هدف العملة الخليجية الموحدة.
 
وفي مجال تطوير البنية الأساسية اللازمة لتحقيق التكامل الاقتصادي بما يحقق تشابك المصالح، فقد شرع المجلس في برنامج الربط الكهربائي بين دوله الست، وهو من شأنه تشغيل محطات توليد تعمل بالغاز بما يخفض كلفة الإنتاج بنحو 30٪ مقارنة باستخدام المشتقات النفطية، إضافة إلى الوفورات الناشئة عن استغناء بعض دول المجلس عن إنشاء محطات إضافية والاستفادة من فائض الإنتاج لدول أخرى، وبالإضافة إلى الربط الكهربائي فقد تم ربط شبكات الصرف الآلي للعملات لدول مجلس التعاون بالشبكة الخليجية، ومن ثم أصبح بإمكان المواطن الخليجي السحب من حسابه من أي آلة صرف آلي في دول المجلس بنفس الكلفة التي يدفعها في بلده. وأكدت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة على دعم وتشجيع إنشاء مشروعات مشتركة بين الدول الأعضاء سواء كانت برؤوس أموال عامة أو خاصة أو مشتركة، بما يحقق التنمية المشتركة والتشابك الإنتاجي، وقد تعددت هذه المشروعات وتوزعت بين مشروعات تجارية وصناعية وزراعية ومالية وخدمات ومقاولات. 
 
ولمتابعة جهود التكامل الاقتصادي، أنشأ مجلس التعاون إطارًا مؤسسيًا غنيًا، اشتمل على مؤسسة الخليج للاستثمار (الكويت) وهيئة المواصفات والمقاييس لدول مجلس التعاون (الرياض) والمكتب الفني للاتصالات (البحرين) ومركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون (البحرين) والهيئة الإقليمية لنظم الطاقة الكهربائية (قطر) وهيئة الربط الكهربائي لدول المجلس (السعودية)، كما تم إقرار قائمة بالأنظمة الإلزامية والاسترشادية تغطي العديد من المجالات مثل الزراعة والصناعة والتجارة والمياه والموانئ والنفط والوكالات والعلامات التجارية والتأمين وبراءات الاختراع والأدوية واللقاحات والإحصاء، وكان آخرها  الهيئة التنموية والاقتصادية الجامعة لدول المجلس في قمة جدة التشاورية 2016.
 
3- تعزيز الشراكة الخارجية مع القوى الإقليمية والدولية
تعد مسيرة العلاقات الاقتصادية والمفاوضات بين دول المجلس والدول والمجموعات الاقتصادية الدولية من الأهداف الرئيسية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولتحقيق هدف إيجاد قوة تفاوضية خليجية جماعية لدعم مركز دول المجلس التفاوضي مع الدول والمجموعات الاقتصادية الدولية في شتى المجالات الاقتصادية، بدأت الاتصالات بين دول المجلس وعدد من الدول والمجموعات العربية والإقليمية والدولية بهدف إيجاد وسائل لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية معها. وقد أقر المجلس الوزاري في دورته الحادية عشرة خلال شهر يونيو عام 1984  مبدأ الدخول في مفاوضات مباشرة بين دول المجلس كمجموعة وبين الدول والمجموعات الاقتصادية الدولية،  ابتداء بالمجموعة الأوربية واليابان ثم الولايات المتحدة الأمريكية. كما قرر تشكيل فريق من الخبراء “ الفريق التفاوضي “ بهدف مساعدة الأمانة العامة في اتصالاتها مع الدول والمجموعات الاقتصادية نيابة عن دول المجلس والذي يتولى رئاسته المنسق العام للمفاوضات .وفوض المجلس الأعلى في دورته السابعة خلال شهر نوفمبر عام 1986 المجلس الوزاري باعتماد أهداف وسياسات التعاون مع الدول والمجموعات الاقتصادية الدولية .
 
ونجح المجلس خلال السنوات الماضية في تعزيز الشراكة مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، بداية من الولايات المتحدة ومروراً بالصين وكوريا الجنوبية واليابان والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، ونهاية بالهند واستراليا والعديد من دول أمريكا اللاتينية. ولا شك في أن الإنجازات التنموية الكبيرة التي حققتها دول “مجلس التعاون”، وآليات التكامل التي طورتها على مدى سنوات طويلة، ودورها في تعزيز الأمن الإقليمي، كلها عوامل دفعت القوى الدولية والإقليمية المؤثرة إلى بناء الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية مع المجلس، وهذا إنما يعزز الدور العالمي لـ “مجلس التعاون” كقوة سياسية واقتصادية تستمد تأثيرها وحضورها مما تحققه دول المجلس من نجاحات على المستويات المختلفة وما تتمتع به من استقرار داخلي واحترام دولي لمواقفها وتوجّهاتها، التي تتسم بالوسطية والاعتدال والتسامح، وجهدها في تشجيع الحوار بين الحضارات والأديان والثقافات.
 
4- على الصعيد الأمني:
شكل اجتماع وزراء الداخلية بدول المجلس بالرياض في فبراير 1982 بداية انطلاق التنسيق والتعاون الأمني  الخليجي. واستطاع المجلس تحقيق العديد من الإنجازات الأمنية، من بينها إقرار الاستراتيجية الأمنية الشاملة في الرياض في ديسمبر 1987، وهي عبارة عن إطار عام للتعاون الأمني بين الدول الأعضاء بمفهومه الشامل.  كما توصل المجلس في شهر فبراير 2002 إلى مشروع اتفاقية خليجية جديدة حول تبادل تنفيذ العقوبات السالبة للحرية بين المجلس، وهي اتفاقية إلزامية لمن وقع وصادق عليها وفق نصوص موادها. وقـد وقع عليها وزراء داخلية كل من الإمارات والبحرين والسعودية وعمان في اجتماعهم الـ 13 في الرياض، كما باركها المجلس الأعلى في دورته الـ 15 في البحرين ديسمبر 1994. وفي العام 2003 تم اعتماد استراتيجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة التطرف المصحوب بالإرهاب . وفي العام 2004 وقعت الدول الأعضاء على اتفاقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة الإرهاب . كما تم اعتماد تحديث وتطوير الاستراتيجية الأمنية الشاملة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية 2008. كما تم اعتماد خطة التدريب المشتركة للعاملين في مجال مكافحة الإرهاب، وتوقيع الاتفاقية الأمنية المعدلة في نوفمبر 2012، واتفاقية إنشاء مقر جهاز الشرطة الخليجية في العام 2015 (مقره دولة الإمارات العربية المتحدة).
 
ويحسب لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أنها نجحت خلال الأعوام الماضية، في حماية أمنها واستقرارها، من خلال كفاءة أجهزتها الأمنية في متابعة ورصد والتصدي للخلايا الإرهابية، وبتفعيل التنسيق في ما بينها، للكشف عن هذه الشبكات الإرهابية، التي كانت تنوي تنفيذ عمليات إرهابية قبل إحباط مخططاتها. ومن أجل تعزيز التعاون الأمني بين دول المجلس، وتفعيل جهود مكافحة التطرف والإرهاب، فإنها وقعت في الدوحة في نوفمبر 2015 على اتفاقية إنشاء مقر جهاز الشرطة الخليجية، والذي تقرر إنشاؤه واستضافة الإمارات له، في القمة الخليجية التي عقدت في الدوحة في ديسمبر 2014. ووقّع الاتفاقية نيابة عن حكومة دولة الإمارات (المقرّ)، الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية وعن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج، الأمين العام للمجلس، الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني. وترتبط دول مجلس التعاون في ما بينها باتفاقيات وبروتوكولات تتعلّق بالتعاون في التحقيقات والمباحثات الجنائية وتنفيذ الأحكام والإنابات والإعلانات القضائية الصادرة في كل منها داخل دول مجلس التعاون.
 
وتتلخّص مهام وأهداف “الشرطة الخليجية”، في تبادل المعلومات الخليجية داخلياً وخارجياً، حول الأنشطة الإجرامية الدولية المنظمة، والعمل على وضع اساسيات بيانات قواعد المعلومات، بالتعاون مع عدد من المختصين في مجال البصمات والقوائم لتبادلها، وتقديم ربط خدمات الأجهزة الشرطية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ويمثل التعاون في مواجهة التطرف والإرهاب أولوية لدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي تدرك أهمية التصدي لهذا الخطر، الذي يهدد أمنها واستقرارها. وهذا ما عبر عنه بوضوح وزراء داخلية دول المجلس في ختام اللقاء التشاوري السابع عشر، الذي انعقد في العاصمة السعودية الرياض في أبريل 2016، حيث أكدوا تصميم دولهم والتزامها بمكافحة التنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن والاستقرار في دول المجلس والمنطقة عموماً، كما أشادوا بمبادرة المملكة العربية السعودية إلى تأسيس التحالف الإسلامي لمحاربة تنظيم «داعش» الإرهابي، بما يشكله من خطر على أمن واستقرار دول المنطقة والعالم. كما تشارك دول المجلس ضمن الجهد الدولي للتصدي لخطر تنظيم “داعش” الإرهابي في العراق وسوريا، فضلاً عن التحالف الإسلامي العسكري الذي دشنته المملكة العربية السعودية، في ديسمبر 2015 ، بهدف محاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره ، من خلال مبادرات فكرية وإعلامية ومالية وعسكرية.
 
5- على المستوى الدفاعي والعسكري
  منذ بداية مسيرة المجلس حظي العمل العسكري المشترك باهتمام قادة دول مجلس التعاون لدول الخليـج العربيـة، وذلك انطلاقا من قناعة راسخة بوحدة الهدف والمصير، وفي هذا تم إقرار العديد من الدراسات والأنظمة والاستراتيجيات التي عززت العمل العسكري المشترك، مثل: استكمال الدراسات الخاصة بالقيادة العسكرية الموحدة، ومجلس الدفاع المشترك لتحقيق التكامل الدفاعي، التي تمثّل عملياً في التمارين العسكرية المشتركة، وكرَّاس الإجراءات الموحدة للقوات المسلحة بدول المجلس لمجابهة الحوادث الإشعاعية، وتبادل الإنذار المبكر عن أسلحة الدمار الشامل، ومتابعة استكمال احتياجات ومتطلبات مقر القيادة العسكرية الموحدة بالرياض والانتهاء من إنشاء مبنى مركز العمليات البحري الموحد حيث تم استلامة في شهر أغسطس 2015 والعمل جار على اتمام اجراءات الافتتاح الرسمي للمركز وتشكيل الفرق الخاصة بدراسة محاور التكامل بين دول المجلس حسب الأولوية المحددة لتلك المحاور طبقا للآتي:
- إعداد استراتيجية موحدة للحماية ضد الحرب الإلكترونية وحروب الفضاء الافتراضي.
-  توافق وتكامل أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات للقوات المسلحة بدول المجلس 
- الاستمرار في السعي لتوحيد العقيدة القتالية والمفاهيم والتدريب المشترك.
- تحديد القدرات والإمكانيات والموارد الحالية المتوفرة في دول مجلس التعاون لخدمة المجهود الحربي والتكامل الدفاعي.
- إيجاد آلية تنسيق موحدة للقوات المسلحة بدول المجلس لشراء الأسلحة والمعدات والأجهزة وصنوف الذخائر
- اختيار وإنشاء مناطق / مواقع تخزين استراتيجي للأسلحة والمعدات والاجهزة وصنوف الذخائر بين دول المجلس.
 
ولعل من الإنجازات المهمة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية على الصعيد الدفاعي والعسكري،إنشاء قوة درع الجزيرة بعد حوالي خمس سنوات من قيام مجلس التعاون الخليجي، وتم تكامل تواجدها في مقرها بمدينة حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية في أكتوبر عام 1985. وقد أنشئت في البداية من خمسة آلاف مقاتل بمشاركة عناصر من دول المجلس الست، وقدر أن يصل عددها إلى ما بين 22 – 25 ألفًا. واستكمالاً لإجراءات التعاون والتنسيق في المجال العسكري، أقرت دول المجلس في اجتماعها بالعاصمة البحرينية المنامة عام 2000 اتفاقية الدفاع المشترك لدول المجلس، والتي تمثل ضرورة حيوية لتفعيل أمن الخليج واعتماده على الذات. وتدعو الاتفاقية إلى تعزيز التعاون الأمني بين دول المجلس، وإلى ترسيخ الثقة بقوات دفاع درع الجزيرة واستكمالها، لتصبح في مقدمة القوى التي تدافع عن أمن دول الخليج، وتلزم الدول الأعضاء بالدفاع عن أي دولة منها تتعرض لتهديد أو خطر خارجي، ومن أهم بنود هذه الاتفاقية:
- تنص المادة الثانية: على أن أي اعتداء على أي دولة من دول المجلس هو اعتداء عليها جميعًا، وأي خطر يتهدد إحداها إنما يتهددها جميعًا.
- تدعو المادة الثالثة: إلى المبادرة فورًا إلى مساعدة الدولة أو الدول المعتدى عليها ضمن دول مجلس التعاون، باتخاذ أي إجراء ضروري بما في ذلك استخدام القوة العسكرية.
- نصت الاتفاقية على استكمال تشكيل قوات درع الجزيرة وتزويدها بالأسلحة والمعدات المتقدمة لتصبح الخط الأول للدفاع عن أمن الخليج مع التقليل من اعتماد القوة على الجنود الأجانب.
- الدعوة إلى إقامة قاعدة صناعية عسكرية بمساعدة القطاع الخاص تكون قادرة على توفير الاحتياجات العسكرية الأساسية.
- الدعوة إلى تكثيف التدريبات المشتركة ما بين دول مجلس التعاون من أجل توحيد المفهوم وتبادل الخبرات وتوحيد أساليب القتال والتعاون والتعارف ما بين القادة في جيوش دول المجلس.
 
مجلس التعاون والدفاع عن الدول الأعضاء
وقد مثلت هذه الاتفاقية ضرورة حيوية لتفعيل أمن الخليج واعتماده على الذات؛ حيث دعت إلى تعزيز التعاون الأمني ما بين دول المجلس ، وترسيخ الثقة بقوات دفاع “درع الجزيرة” واستكمالها، لتصبح في مقدمة القوى التي تدافع عن أمن دول المجلس.. وبالفعل تقدمت الكويت في بداية شهر فبراير 2003 بطلب إلى وزراء دفاع دول مجلس التعاون الخليجي لنشر وحدات من قوات “درع الجزيرة” على أراضيها تحسبًا لأية تداعيات قد تترتب على توجيه الولايات المتحدة ضربة محتملة ضد العراق، وترددت أنباء آنذاك عن نشر حوالي ثمانية آلاف مقاتل من قوات “درع الجزيرة” المجهزة بجميع أنواع الأسلحة من دبابات ومدفعية وحاملات جنود متطورة شاركت المملكة العربية السعودية بحوالي 3300 جندي من حجمها قبل بدء الحرب في الأراضي الكويتية بخلاف نشر طائرات مقاتلة في أراضي باقي دول المجلس جاهزة للمشاركة الفورية في حال طلبها من القيادة العسكرية الكويتية.
 
  كما أكدت دول المجلس دعمها الكامل لمملكة البحرين ، سياسياً واقتصادياً وأمنياً ودفاعياً ، جراء الأحداث التي مرت بها خلال شهري فبراير ومارس 2011م ، من منطلق المحافظة على الأمن الجماعي المتكامل ، واعتباراً من أن أمن واستقرار دول المجلس كل لا يتجزأ ، والتزاما منها بالعهود والاتفاقيات الأمنية والدفاعية المشتركة ، وعدم قبول تدخل أي طرف خارجي في شؤون مملكة البحرين. وانطلاقاً من مسؤولية دول المجلس في المحافظة على الأمن والاستقرار التي هي مسؤولية جماعية ، وبسبب الأحداث المؤسفة التي شهدتها مملكة البحرين، فقد طلبت المملكة كدولة عضو في مجلـس التعاون تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك ، واستجابت دول المجلس لذلك بإرسال قوات درع الجزيرة في شهر مارس 2011م، والتي كان لها دور كبير في التصدي لمحاولات الفوضى والتخريب، وعودة أجواء الأمن والاستقرار.
 
وجاءت عاصفة الحزم في مارس 2015 لتشكل تحولاً في التعامل الخليجي مع التهديدات الخارجية، يقوم على التدخل الحاسم لمواجهتها، إذ أن تقاعس دول المجلس عن خروقات الحوثيين، وعدم التزامهم بتنفيذ المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، كان ينذر بتداعيات خطيرة على أمن دول المجلس، فتمدد الحوثيين وسعيهم إلى الإطاحة بالرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي، وتوجههم نحو السيطرة على المحافظات الجنوبية كان يشكل تهديداً صريحاً ومباشراً لأمن المملكة العربية السعودية وبقية دول المجلس، ولهذا فقد كانت عاصفة الحزم ضرورة للتصدي لمحاولات اختراق الأمن الخليجي من جانب أطراف خارجية تحاول العبث بأمن الدول العربية واستقرارها، مستغلة الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة التي تواجهها في النفاذ إليها، واليمن كانت إحدى الحلقات الخطيرة في هذا الشأن. ثم جاءت عملية «إعادة الأمل» بعد ذلك لتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساهمة في إعادة الأمن والاستقرار الشامل إلى الدولة اليمنية، والبدء في إعادة البناء والإعمار.  
 
مجلس التعاون وتعزيز المواطنة الخليجية
لا شك أن أحد الأهداف الرئيسية لنشأة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كان تحقيق آمال الشعوب الخليجية في التنمية والازدهار والرفاه، وما يرتبط بها من تعزيز لفكرة المواطنة الخليجية، وبعد مرور خمسة وثلاثين عاماً من تأسيس المجلس ، فإن هناك خطوات مهمة تم تحقيقها في هذا الشأن، لعل أبرزها:
*السماح لمواطني دول المجلس الطبيعيين والاعتباريين بممارسة عدد من الأنشطة الاقتصادية في دول المجلس الأخرى، وفي قمة المنامة التي عقدت خلال شهر ديسمبر عام 2000 سمح بممارسة جميع الأنشطة الاقتصادية والمهن ــ باستثناء سبعة عشر نشاطا ــ جرى تقليصها تدريجيا حتى أصبحت محصورة في أربعة أنشطة هي خدمات الحج والعمرة ومكاتب استقدام العمالة الأجنبية وإنشاء الصحف والمجلات ودور الطباعة والنشر والوكالات التجارية.
* تحقيق المساواة بين أبناء دول المجلس في القبول والمعاملة في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الحكومية ،  فقد حثت لجنة التعاون المالي في اجتماعها الـ 101  الذي عقد خلال شهر أكتوبر 2015 الدول الأعضاء على تفعيل قرار المجلس الأعلى في دورته (الثامنة خلال ديسمبر عام 1987 ) بشأن مساواة أبناء دول مجلس التعاون في مؤسسات التعليم العالي في القبول والمعاملة مع طلاب الدولة مقر الدراسة والسعي للوصول إلى المساواة التامة في مجال التعليم تماشيا مع ما ورد في الاتفاقية الاقتصادية وأهداف السوق المشتركة.
 *يعامل مواطنو دول المجلس الطبيعيين والاعتباريين في أي دولة من الدول الأعضاء  معاملة مواطنيها نفسها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية، وفقاً لقرار المجلس الأعلى في دورتهالثامنة والعشرين بالدوحة 2007م ، والتي تم خلالها إعلان قيام السوق الخليجية المشتركة.
* الموافقة على مد مظلة الحماية التأمينية لمواطني دول المجلس العاملين في غير دولهم اعتبارا من يناير 2006 ، وتقوم فكرة النظام الموحد لمد الحماية التأمينية لمواطني دول المجلس على سريان قوانين وأنظمة التقاعد المدني والتأمينات الاجتماعية المطبقة في دول المجلس على مواطنيها العاملين خارج دولهم في إحدى دول المجلس، الأمر الذي وفر لمواطني المجلس التمتع بكافة حقوق ومزايا التشريع الوطني للتقاعد المدني والتأمينات الاجتماعية في دولهم أثناء عملهم خارج الدولة في إحدى دول المجلس، وكذلك وفر الاستقرار والطمأنينة الاجتماعية وساهم في تشجيع انتقال العمالة الوطنية بين دول المجلس.
* أصدر المجلس الأعلى قرار في دورته الـ ( 31- في أبوظبي 2010 ) بشأن اعتماد مرئيات الهيئة الاستشارية فيما يخص رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة والحد من الإعاقة وإحالتها إلى اللجان الوزارية للاستفادة منها، إضافة إلى حرص المجلس الأعلى على الاهتمام بقضايا الأسرة والطفولة حيث أصدر قرارا في دورته ( الــ 33 في الصخير عام 2012 ) بشأن تكليف الهيئة الاستشارية بدراسة تقييم واقع وبرامج ثقافة الطفل وكيفية تطويرها . وتكليف الأمانة العامة بإعداد دراسة شاملة للتعرف على البرامج المنفذة في دول مجلس التعاون في مختلف الأنشطة الشبابية وقضايا الأسرة والطفولة بهدف توحيدها في إطار واحد، وبالفعل قامت الأمانة العامة بمخاطبة الجهات المعنية في الدول الأعضاء لأخذ البيانات منهم تمهيدا لإعداد الدراسة المطلوبة.
 
التحديات التي تواجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية
رغم هذه المسيرة الحافلة من الإنجازات على المستويات كافة، إلا أن ثمة تحديات عديدة تواجه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لعل أبرزها:
 
1-التحدي المؤسسي: ويتعلق بتطوير آليات عمل المجلس ، فلا يزال الهيكل التنظيمي والمؤسسي للمجلس يعاني من بعض أوجه القصور التي انعكست على أدائه، ومنها:
- آلية التصويت على القرارات؛ حيث يأخذ المجلس بمبدأ الإجماع، والذي يعوق في حالات كثيرة اتخاذ بعض القرارات والإجراءات المهمة.
- عدم تمتع الأمانة العامة وفق صلاحياتها الحالية بسلطة فوق وطنية، بحيث تستطيع من خلالها تنفيذ القرارات والاتفاقيات المبرمة بين الدول الأعضاء.
- عدم وجود آليات محددة لتنفيذ القرارات الصادرة عن المجلس بما في ذلك قرارات المجلس الأعلى، والتي تعتبر مجرد توصيات للدول الأعضاء شأنها في ذلك شأن التوصيات التي يتخذها مجلس الجامعة العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة، ويعزز من ذلك عدم رغبة الدول الأعضاء في التنازل عن جزء من سيادتها وصلاحياتها القطرية لصالح المجلس.  
 
2-التحدي الأمني: فلا تزال البيئة الخارجية تفرز العديد من التحديات التي تمثل تهديداً محتملاً لأمن دول مجلس التعاون الخليجي، لعل أبرزها:
 
-التدخلات الإيرانية المستمرة: في الوقت الذي رحبت فيه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالاتفاق النووي  بين طهران ومجموعة دول (5+1)، وأعربت عن أملها أن يسهم في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها ، فإن إيران واصلت سياساتها التدخلية في شئون دول المجلس، والدول العربية الأخرى كالعراق وسوريا واليمن ولبنان؛ ولم تترك مجالاً للعلاقات بينها وبين دول المجلس إلا حاولت تسميمه، حتى مشاعر الحج الدينية، حاولت تسييسها، ورفضت التوقيع على محضر ترتيبات شؤون الحجاج الإيرانيين في مايو الماضي 2016.
 
 - خطر التطرف والإرهاب : لقد تعرضت بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الآونة الأخيرة لأعمال إرهابية جبانة تستهدف زعزعة أمنها واستقرارها، وتهديد وحدتها الوطنية ونسيجها المجتمعي، وخاصة من جانب تنظيم “داعش”، الذي تبنى المسؤولية عن الهجوم الانتحاري الذي استهدف “مسجد الصادق”، وهو مسجد يرتاده الشيعة، بمنطقة الصوابر بالكويت في العام 2015 ، وأسفر عن مقتل وإصابة العشرات. كما استهدف التنظيم أيضاً العديد من المساجد للشيعة في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، في محاولة من جانب التنظيم لإثارة فتنة واحتقان طائفي في الدولتين. أما مملكة البحرين فتعرضت لعمليات إرهابية عدة خلال العامين الماضيين، كانت تستهدف دوريات الأمن والشرطة. فضلاً عن اكتشاف السلطات البحرينية للعديد من الخلايا الإرهابية النائمة في حوزتها كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة، كانت تخطط لاستخدامها في أعمال إرهابية في العديد من المناطق بالمملكة. وهذه الخلايا النائمة، وفقاً للتحقيقات التي أجريت، كانت ترتبط بجهات خارجية، وتنتظر التحرك لتنفيذ عملياتها الإرهابية الجبانة.
 
-  الصراعات والأزمات المحيطة بدول المجلس في اليمن وسوريا والعراق، وما تثيره من تحديات إنسانية وأمنية على دول المنطقة بأكملها، خاصة في ظل ما يرتبط بها من تفاقم أزمة اللاجئين والنازحين من ناحية،  وتنامي خطر التنظيمات الإرهابية من ناحية أخرى، والتي تستغل هذه الصراعات والأزمات في تعزيز نفوذها وفي بناء نقاط ارتكاز جديدة لها.
 
3-التحدي الاقتصادي: ويرتبط بالأساس بمدى قدرة دول المجلس على التكيف مع أسعار النفط المنخفضة، والانتقال إلى مرحلة اقتصادية جديدة تعتمد على التنوع في مصادر الدخل،  وبناء اقتصاديات متوازنة قادرة على النمو والازدهار بمعزل عن أية تقلبات قد تحدث في السوق النفطية. 
 
خاتمة
لا شك أن استمرار مجلس التعاون لدول الخليج العربية طيلة السنوات الخمس والثلاثين الماضية يعد إنجازاً في حد ذاته، لدى مقارنته بتجمعات إقليمية ودولية أخرى، بعضها اختفى ، والبعض الآخر تم تجميد نشاطه ، والثالث يواجه تحديات وخلافات عديدة بين أعضائه. وإذا ما أضيف إلى عامل الاستمرار، عامل الإنجاز، تتضح قوة مجلس التعاون الخليجي كمنظمة ناجحة استطاعت أن ترسخ مكانتها كطرف فاعل في إدارة الأزمات التي واجهت دوله من ناحية، وفي تطوير هيكله التنظيمي باستمرار ليواكب المستجدات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة من ناحية أخرى. وهذا لم يكن يتحقق دون وجود إرادة قوية لدى قادة دول المجلس، وإيمانهم بأهمية التضامن الخليجي باعتباره ضمانة أساسية لتحقيق المصالح المشتركة. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-01-04 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-02-24
2014-11-11
2014-12-20
2014-12-23
2014-12-19
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1057

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره