مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-09-06

القيادة القطرية تمضي في العناد وتعتمد على تحالفات هشة

إجراءات الدول الداعية لمكافحة الارهاب والرد عليها ... أخطاء استراتيجية قطرية قاتلة
 
 لم تكن إجراءات المقاطعة والمطالب التي طرحتها الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب على قطر سوى محاولة جادة لاستعادة قطر إلى حاضنتها الطبيعية، ومعالجة أخطاء متراكمة في السياسة الخارجية القطرية لنحو عقدين من الزمن، وفتح صفحة جديدة قائمة على المكاشفة والمصارحة وإعلاء مصالح دول وشعوب مجلس التعاون، ولكن ما حدث أن القيادة القطرية قد قابلت هذه الخطوة بسلسلة من القرارات والمواقف التي تمثل في مجملها أخطاء استراتيجية فادحة في قراءة المشهد وتحليل معطياته، بل يمكن القول من دون مبالغة أن المواقف القطرية كانت تعبر عن خيارات انتحارية تطوي صفحة القيادة القطرية الحالية وتنهي تماماً أي فرصة لاستعادة العلاقات الطبيعية لها مع شعوب الدول الأربعة الداعية لمكافحة الارهاب.
 
وفي هذا الملف تسلط “درع الوطن” الضوء على استراتيجية القيادة القطرية في إدارة الأزمة وتفنيد الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها في حق الشعب القطري أولاً، وبقية الشعوب الخليجية والعربية ثانياً، من أجل توضيح الحقائق.
 
إعداد: التحرير
 
في الرابع والعشرين من شهر مايو 2017، بثت وكالة الأنباء القطرية الرسمية نص كلمة منسوبة للأمير تميم بن حمد خلال حفل تخريج الدفعة الثامنة من مجندي الخدمة العسكرية، وبحسب ما ورد في تلك الكلمة، انتقد أمير قطر اتهام بلاده بدعم جماعات إرهابية، كما رفض تصنيف الإخوان المسلمين ضمن الجماعات الإرهابية، وكذلك دافع عن أدوار “حزب الله” وحركة “حماس” وإيران والعلاقة معها، وقال الأمير في كلمته إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه مشاكل قانونية في بلاده، وهاجم ضمناً بعض دول مجلس التعاون حين قال “إن الخطر الحقيقي هو سلوك بعض الحكومات التي سببت الارهاب بتبنيها لنسخة متطرفة من الاسلام لا تمثل حقيقته السمحة، ولم تستطع مواجهته سوى بإصدار تصنيفات تجرم كل نشاط عادل». 
 
وأضاف «لا يحق لأحد أن يتهمنا بالإرهاب لأنه صنف «الإخوان المسلمين»  جماعة إرهابية، أو رفض دور المقاومة عند حماس وحزب الله»، ودعا مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين إلى «مراجعة موقفهم المناهض لقطر»، ووقف «سيل الحملات والاتهامات المتكررة التي لا تخدم العلاقات والمصالح المشتركة»، مؤكداً أن قطر لا تتدخل بشؤون أي دولة، مهما حرمت شعبها من حريته وحقوقه. وأشار إلى أن “قاعدة العديد مع أنها تمثل حصانة لقطر من أطماع بعض الدول المجاورة، إلا أنها هي الفرصة الوحيدة لأميركا لامتلاك النفوذ العسكري بالمنطقة، في تشابك للمصالح يفوق قدرة أي إدارة على تغييره».. 
 
ورغم مزاعم الدوحة بشأن اختراق الموقع الالكتروني لوكالة الأنباء الرسمية القطرية، فإن مضمون هذه الكلمة وفحواها هو تجسيد لمواقف قطر وسياستها الخارجية ولا يحيد عنها بما يشكك تماماً في المزاعم القطرية بشأن سيناريو الاختراق المفتعل، خصوصاً أن هناك تصريحات نشرت على لسان وزير الخارجية القطري عقب بث تلك الكلمة يفهم منها التوجه لسحب سفراء قطر من دول مجلس التعاون وطرد سفراء تلك الدول من الدوحة!
 
تطورت الأحداث بوتيرة متسارعة، حتى قررت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وجمهورية مصر العربية، من خلال بيانات متزامنة قطع العلاقات مع قطر وإغلاق المنافذ الحدودية معها، وانهاء مشاركتها العسكرية ضمن قوات التحالف العربي لدعم الشرعية الدستورية في اليمن. وأصدرت الخارجية القطرية أول رد على قرارات سحب السفراء وقطع العلاقات الدبلوماسية الصادرة عن الدول الأربعة الداعية لمكافحة الارهاب، فأعربت عن “استغرابها وأسفها” للقرارات، معتبرة أن الإجراءات المتخذة بحقها “غير مبررة”، وتهدف إلى “الوصاية على الدولة”.
 
لم تهدر إيران كثيراً من الوقت في الدخول على خط الأزمة دعماً لقطر، حيث أطلق مسؤول إيراني مقرب من الرئيس حسن روحاني تصريحاً رسمياً، معتبراً أن قطع العلاقات مع الدوحة “ليس حلاً” وأن عهد ما وصفه بـ”الشقيق الأكبر” قد انتهى، بينما عرضت على الفور مؤسسات ودوائر إيرانية تصدير الأغذية إلى قطر على خلفية إغلاق حدودها مع السعودية.
 
الإدارة الأمريكية من جانبها أطلقت أول موقف رسمي في “تغريدة” للرئيس ترامب بموقع “تويتر” قال فيها “خلال زيارتي للشرق الأوسط أكدت ضرورة وقف تمويل الأيدولوجية المتطرفة والقادة أشاروا إلى قطر – انظر! من الجيد رؤية أن زيارتي للسعودية ولقائي مع الملك (العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز) و50 دولة تؤتي ثمارها. قالوا إنهم سيتخذون نهجاً صارماً ضد تمويل الإرهاب، وكل المؤشرات كانت تشير إلى قطر. ربما سيكون هذا بداية النهاية لرعب الإرهاب.»
 
اتخذت الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب سلسلة من الإجراءات الاقتصادية ضد قطر، أبرزها تعليق رحلات الخطوط الجوية القطرية إلى الدول الأربع وإلغاء تراخيص عملها، بينما ردت قطر بشكل عكس ميلها للتصعيد منذ الأيام الأولى حيث حذرت المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين بأنها ستطلق النار على أي سفن تدخل مياهها الإقليمية، وفي اليوم ذاته (السابع من يونيو) كان الموعد مع موافقة البرلمان التركي على قرار يسمح بنشر قوات تركية في قطر في ترجمة عاجلة لاتفاقية مشتركة تتعلق بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر.
 
وفي 22 يونيو الماضي، قدمت الدول الأربع لقطر قائمة تضم 13 مطلبًا لإعادة العلاقات مع الدوحة، من بينها إغلاق قناة “الجزيرة”، وأمهلتها 10 أيام لتنفيذها، ولكن الدوحة لم تدرس المطالب ولم تنظر إليها جدياً كقاعدة للحل وانهاء الأزمة، بل لجأت فوراً إلى تسريب قائمة المطالب لوسائل إعلامها، واكتفت بالقول إن المطالب “ليست واقعية ولا متوازنة وغير منطقية وغير قابلة للتنفيذ».
 
جذور الأزمة (الوجه الآخر لقطر)
يخطئ من يظن أن الأزمة مع قطر وسياساتها قد بدأت مع تصريحات أمير قطر، بل لها جذور تمتد لنحو عقدين من الزمن، وقد أكد ذلك وزير الخارجية السعودي عادل الجبير حين قال «إن القضايا مع قطر تعود إلى سنوات ولا تستند إلى تقرير إخباري واحد».  والحقيقة أن ممارسات قطر ضد دول المنطقة قد بدأت منذ تولي الأمير السابق الشيخ حمد السلطة عام 1995، وتجلت بشكل أكثر وضوحاً مع انشاء قناة “الجزيرة” عام 1996، وهو ما أشار إليه صراحة معالي د. أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، حين قال إن هناك ما وصفها بالفرصة «الفريدة من نوعها» لتغيير ما قال إنه مشروع قطر «الشخصي» منذ عام 1995 في المنطقة.
 
وأضاف د. قرقاش في سلسلة من التغريدات أن أزمة قطر تتمحور حول: (1) غياب الثقة (2) التطرف والإرهاب (3) تقويض الاستقرار الإقليمي، وأنه يجب أن يتعامل أي حل للأزمة مع كل ما سبق. وتابع: “يجب على الدبلوماسية أن تتصدى لدعم قطر للتطرف والإرهاب وتقويض الاستقرار الإقليمي. والحل المؤقت ليس حلاً حكيماً.” مستطرداً: “مشروع قطر الشخصي منذ عام 1995 كارثي للمنطقة. جوهره دعم التطرف والإرهاب. ولدينا فرصة فريدة من نوعها لتغيير ذلك.» وأكد د. قرقاش أن الأزمة ليست “عداءً” بين أربع دول خليجية، وإنما “مركز الأزمة هو دولة غنية جداً تروّج لجدول أعمال متطرف وفي كثير من الحالات المنظمات الإرهابية.»
 
ولقد كان تولي الأمير السابق الحكم في قطر عام 1995 بداية تحول جذري في السياسة الخارجية القطرية، وانطلاق ما يعرف ضمناً بالمشروع القطري، الذي كشفت بعض معالمه مكالمة هاتفية تتضمن تصريحات مسربة قديمة لأمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني، ورئيس وزرائه آنذاك حمد بن جاسم آل ثاني. حيث شدد أمير قطر السابق في تصريحاته القديمة، التي أعيد نشرها بعد تصريحات الأمير الجديدة المهددة لأمن المنطقة، شدد على دعم بلاده لكل الحركات المعارضة وعلاقاته بها وقال “جميع المعارضة لنا علاقة معها، وإحنا أكثر دولة سببت إزعاجا للسعودية.» 
 
وهذه التصريحات تؤكد صحة تصريحات الأمير الحالي تميم بن حمد، التي قال فيها إن قاعدة العديد الأميركية على أرض بلاده، تشكل حصانة ضد ما أسماها “أطماع دول الجوار». وتحدث أمير قطر السابق في التسريب عن دعم حركات التمرد ويقول “تشجيع الحركات الداخلية، لأن نحن من مصلحتنا دعم هذه الحركات بهدوء، لأن القضية قضية وقت.» وتحقيقاً لذلك، توفر قطر لتلك الحركات، أذرعا إعلامية تمولها بالكامل، باعتبارها جماعات معارضة تبحث عن منبر، وتتيح لها المجال للظهور. فيقول “إحنا اللي خلقنا قناة الحوار في لندن، وإحنا اللي بنغذي قناة الجديد في لبنان.»ويعرف كثير من الإعلاميين أن صحفيي قناة المنار وقناة الجديد تدربوا في قطر، وبالذات في قناة الجزيرة.
 
وجه آخر لسياسة قطر في الخفاء، يظهر في قول أميرها السابق أثناء المكالمة المسربة “الأمريكان لو نجحوا في العراق، الخطوة الثانية على السعودية.» ويشير ذلك الكلام إلى مؤامرة كانت مبيته ضد الجوار، في حين يتم توثيق عرى الصداقة مع إيران وإسرائيل، كما تحدث الأمير الحالي، في معرض شرح علاقة بلاده مع البلدين في تصريحات له بثت عبر وكالة الأنباء القطرية الرسمية.  لكن يبدو أن تلك العلاقة لها جذورها القديمة، ولقطر فيها مآرب عدة، وهو ما أكده قول حمد بن جاسم آل ثاني، رئيس وزراء قطر السابق “علاقتنا مع إسرائيل، ساعات إذا وجدنا الضغط السعودي زاد على الأمريكان، هم (الإسرائيليون) يخففون الضغط علينا بسبب علاقتنا معهم، المنطقة مقبلة على بركان.»
 
كانت قطر تعرف أن المنطقة مقبلة على بركان، لأنها منذ البداية كانت من المخططين لحدوثه. فأميرها الحالي يعتبر إيران ضامنة للاستقرار في المنطقة، رغم الدور الإيراني المزعزع لهذا الاستقرار. لكن يبدو أن السياسة القطرية المؤيدة لملالي إيران، تقوم بدور آخر لذات الهدف، وذلك عبر تحريض الشباب على بلادهم واستقرارها. وفي هذا السياق قال حمد بن جاسم “نخلق علاقات شخصية مع هؤلاء الناس اللي في المفاصل هذا جزء مهم في العملية، هؤلاء يذهبون إلى لندن باريس وروما وسويسرا تشتغل عليهم سفارتنا بهدوء وهذا لا يكلف شيء.»
 
وما سبق يؤكد أنه منذ تاريخ السابع والعشرين من يونيو عام 1995، تاريخ تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني السلطة في قطر، انطلق ما يعرف بالمشروع القطري في المنطقة، وهو مشروع قائم على فلسفة حكم الأمير السابق، وعقيدته السياسية المعادية لدول الجوار، واعتبارها مصدر الخطر على  نظامه، ومن ثم فقد كثف جهوده في تدبير المؤامرات ضد هذه الدول، وقد كشف التسجيل المسرّب أيضاً لحوار هاتفي جرى بين الشيخ حمد والزعيم الليبي السابق معمر القذافي حول سعي قطر إلى العمل على تقسيم السعودية،  أحد ملامح فلسفة حمد في الحكم، حيث قال للقذافي “إذا أعطانا الله عمرا، بعد 12 سنة لن تصبح عائلة آل سعود موجودة، وتذكروا كلامي هذا، وأشك.. أشك.. أشك… شكا كبيرا أن ترى الأسرة السعودية، بعد الـ 12 سنة القادمة، هذا مستحيل، مستحيل”. 
 
وتنفيذاً لهذه الأجندة اعتمد الشيخ حمد على جماعات إرهابية في مناوئة أنظمة الحكم العربية، وتدبير المؤامرات، كما لعب دوراً رئيسياً في مشروعات التغيير والاطاحة بأنظمة الحكم العربية في عام 2011، من خلال ما سمي بأكاديميات التغيير، التي كان يديرها أيضاً في الدوحة مقربون من جماعة “الإخوان المسلمين” الإرهابية، كما اعتمد حمد في توسيع نفوذ بلاده على بناء علاقات مع التنظيمات الإرهابية الأخرى، ومنح تنظيم “القاعدة” وبعده “داعش” منبرا إعلاميا من خلال قناة “الجزيرة”، وسمح لأجهزة المخابرات القطرية بنسج علاقات مع كافة تنظيمات الارهاب في العالم، وتغاضت بعض القوى الكبرى عن ذلك لاستغلال هذه العلاقات المشبوهة في أدوار الوساطة والافراج عن المختطفين وغير ذلك. 
 
 كما اعتمد الأمير السابق في توسيع نفوذ قطر على توطيد العلاقة مع إيران وميلشياتها الشيعية مثل “حزب الله” ووطد مبكراً علاقات قوية للدوحة مع “جماعة الحوثي” في اليمن، معتمداً استراتيجية الجمع بين المتناقضات في السياسة الخارجية، حيث امتلكت قطر علاقات مع “حزب الله” “وحماس” وإسرائيل في آن معاً، وحافظت على بقائها في مجلس التعاون في وقت كانت تبني فيه علاقات قوية مع العدو الأول للمجلس وهو إيران.
 
كما اعتبر أمير قطر السابق الشيخ حمد وجود القاعدة العسكرية الأميركية في العديد، وعلاقاته مع إسرائيل وإيران، واستثمارات بلاده في الدول الغربية ضمانات رئيسية لاستمرار حكمه، كما حاول تعظيم دور بلاده باستغلال ثروتها المادية في الوساطات الدولية والإقليمية، التي قدمت الدوحة خلالها مليارات الدولارات لإقناع الأطراف المختلفة بقبول الوساطة القطرية تعزيزاً لدور الدوحة وتأكيداً على أهميتها في مثل هذه الملفات والقضايا.
 
وقد لعبت شبكة قنوات “الجزيرة” دوراً محورياً في تنفيذ استراتيجية قطر، لدرجة أن بعض المحللين يصفونها بأنها “الدولة القناة” أو قناة تمتلك دولة، وليس العكس، حيث وظفتها الأسرة القطرية الحاكمة كأبرز مصادر قوتها الناعمة وورقة ضغط إقليمية واداة مساومة مؤثرة في علاقاتها مع قوى إقليمية كبرى مثل مصر والسعودية وغيرهما.  
 
ورغم أن دول مجلس التعاون قد انتبهت مبكراً إلى خطر استراتيجية قطر وتأثيرها المدمر في الأمن والاستقرار الإقليمي، لكنها اعتمدت على الصبر والتريث وطول النفس في التعامل مع “الحالة القطرية”، وحافظت على الخيوط الرفيعة بين دول المجلس وقطر، واكتفت بإبقاء الأزمات ضمن إطار خلاف داخل البيت الواحد، فلم تسمح لها بالتصاعد، ورأت في ممارسات الأمير السابق حمد بن خليفة نوع من القلق والخوف جراء الانقلابات المتوالية في بلاده، وحرصت على طمأنته ومساندته ضمن إطار مجلس التعاون، بل وسعت المملكة العربية السعودية إلى بناء اتحاد خليجي يضم قطر حرصاً منها على إنجاح منظومة العمل الخليجي المشترك، بصفتها الضمانة لأمن واستقرار شعوب الدول الست والحفاظ على مكتسباتها.
 
القشة التي قصمت ظهر البعير
رغم أن الدول الأربعة الداعية لمكافحة الارهاب قد قررت التصدي للانتهاكات القطرية في حق هذه الدول ووقف العبث القطري الذي يضر بأمن واستقرار دول المنطقة جميعها، فإن «القشة التي قصمت ظهر البعير» وتفسر ما وراء تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير وقوله للصحفيين خلال زيارته إلى باريس في يونيو الماضي «قررنا اتخاذ خطوات لتوضيح أن الكيل فاض. 
 
لا أحد يريد الإضرار بقطر، لكن على قطر أن تختار إن كانت ستمضي قدما في مسار أم مسار آخر». هو انتقال قطر إلى مربع أكثر خطورة في تمويل الإرهاب، حيث اتخذت من سيناريو الخطف غطاء لهذا التمويل، ودفعت ما قيل إنه “فدية” بمبلغ مليار دولار قدمتها قطر لتحرير أعضاء في عائلتها الحاكمة كانوا في رحلة لصيد الصقور واختطفوا في العراق.
 
ودفع هذا المبلغ الضخم إلى جماعة مرتبطة بتنظيم “القاعدة” تقاتل في سوريا، كما حصلت عناصر من المليشيات الإيرانية على نصيب من الصفقة، وأكدت مصادر إعلامية غربية أن مبلغ 700 مليون دولار دفع إلى شخصيات إيرانية وميليشيات محلية تدعمها إيران، لتحرير القطريين الـ 26 المختطفين في العراق، كما دفعت الدوحة من 200 إلى 300 مليون دولار إلى جماعات إرهابية في سوريا، ذهب معظمها إلى جماعة “فتح الشام” المرتبطة بتنظيم القاعدة مقابل إطلاق سراح 50 مسلحا شيعيا كانوا في قبضتها، أي ان قطر مولت صفقة الافراج عن عناصر إرهابية شيعية كما دفعت مبلغ 700 مليون دولار لميلشيات تدعمها إيران، في سيناريو تغطية واضح لتمويل هذه الميلشيات تحت ستار “فدية” الافراج عن مختطفين في العراق، حيث نشرت صحيفة “فايننشال تايمز» تقريرا لمراسلها، سيمون كير، قوله نقله عن مصادر دبلوماسية غربية إن هناك اعتقاد قوي بأن محفز اختطاف القطريين كان لإعطاء حزب الله وإيران ذريعة للتفاوض لإطلاق سراح مقاتلين شيعة محتجزين لدى جماعة فتح الشام السنية المتشددة في سوريا، التي كانت تعرف سابقا باسم جبهة النصرة وتمثل فرع تنظيم «القاعدة» في سوريا.
 
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي غربي قوله “لقد ظلت قطر وإيران تبحثان لوقت طويل عن غطاء لعقد هذه الصفقة، وقد وجدتا ذلك أخيرا». كما تنقل عن شخصيات قيادية في المعارضة السورية قولها إن قطر استخدمت ترتيبات الإجلاء لدفع مبلغ 120 إلى 140 مليون دولار لجماعة فتح الشام، فضلا عن 80 مليون أخرى لجماعة إسلامية أخرى هي أحرار الشام.
 
استراتيجية قطر في التعامل مع الأزمة
لجأت القيادة القطرية في التعامل مع الموقف إلى سلسلة من الخطوات التي تمثل في مجملها استراتيجية متكاملة للرد كانت معدة غالباً تحسباً لهذا الموقف، وتتمثل هذه الخطوات في ما يلي:
 
على الصعيد الاقتصادي: تنفيذ خطة سريعة لسد العجز الناجم عن إغلاق المنفذ الحدودي البري الوحيد مع المملكة العربية السعودية، وهو المنفذ المسمى ب «منفذ سلوى» في قطر و«منفذ أبو سمرة» في المملكة العربية السعودية، حيث تحيط قطر مياه الخليج العربي من جميع الاتجاهات عدا الجانب مع السعودية، وكان هذا القرار الأكثر إيلاماً للاقتصاد القطري، حيث كان الممر لاحتياجات قطر من السلع الغذائية والخضروات الطازجة القادمة برياً من دول السعودية وبقية الدول العربية، إذ كانت قطر تستورد نحو %40 من امدادات الغذاء عبر هذا المنفذ البري، فضلاً عن مواد البضائع ومواد البناء التي تمثل ضرورة حيوية للمنشآت التي تقوم قطر ببنائها استعداداً لاستضافة كأس العالم 2022، وقد استند تنفيذ هذه الاستراتيجية على جلب السلع والخضروات وتعويض النقص عبر الاستيراد من إيران وتركيا، حيث بادرت إيران إلى إرسال خمس طائرات تصل حمولة كل منها إلى تسعين طناً من المواد الغذائية والخضروات إلى قطر.
 
على الصعيد السياسي: يمثل هذا المحور الركيزة الأهم في استراتيجية قطر في التعامل مع الأزمة، حيث اتجهت القيادة القطرية سياسياً إلى تنفيذ خطة قائمة على محاورة عدة أولها السعي لتدويل الأزمة وجر القوى الإقليمية واستدراجها من أجل خلط الأوراق وإرباك خطط الدول الأربعة، واعتمد سيناريو التدويل بالأساس على الترويج لسيناريو «المظلومية» واللعب على ترويج دور «الضحية» من أجل جذب تعاطف دول العالم، والتركيز في ذلك على خلط المفاهيم والمصطلحات عبر ترويج مفهوم «الحصار» بدلاً من المسمى الحقيقي للإجراءات التي اتخذتها الدول الأربعة، والتي تقع في نطاق «المقاطعة» التي يكفلها القانون والمواثيق الدولية حماية للأمن القومي لهذه الدول ضد التهديدات الخارجية الناجمة عن الممارسات القطرية.
 
وفي هذا الإطار بادر وزير الخارجية القطري إلى زيارة ألمانيا وروسيا وتركيا وفرنسا والعديد من العواصم الأخرى، وكان واضحاً في البداية أن قطر تزعم الرغبة في إبقاء الأزمة ضمن النطاق الخليجي، حيث قال وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، يوم العاشر من يونيو خلال زيارته لروسيا إن الحل الأنسب لأزمة قطع العلاقات مع دولته هو ضمن إطار دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك في كلمة ألقاها خلال جلسة مباحثات مع نظيره الروسي، سيرغي لافروف، في موسكو. مؤكداً أن قطر لطالما أكدت على أن “الخلافات تُحل بالحوار.» ورأى وزير خارجية قطر أن “إطار مجلس التعاون (الخليجي) هو الأنسب لحل هذا الخلاف.» 
 
وكان واضحاً منذ البداية معالم استراتيجية قطر وتركيزها على فكرة “المظلومية” التي تستمدها من نهج جماعة “الإخوان المسلمين الإرهابية، في تعاملها مع الأنظمة السياسية، حيث تراهن على هذه الاستراتيجية كطوق نجاة للبقاء على قيد الحياة، وتقدم تصريحات وزير الخارجية القطري المثال على ذلك حيث أكد خلال زيارته للعاصمة الألمانية برلين في النصف الأول من شهر يونيو الماضي وعقب لقائه مع نظيره الألماني، زيغمار جابريل، إن الدوحة لا تعرف “ما الجرم الذي ارتكبته لتستحق مثل هذا العقاب الجماعي،”! اللافت أن الخطاب السياسي القطري قد انتقل عقب مرور نحو شهرين على الأزمة من الزعم بضرورة إبقاء الأزمة في إطارها الخليجي، إلى التدويل المعلن والمطالبة بإطار دولي للنقاش والبحث عن حلول، حيث قال وزير خارجية قطر، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في نهاية يوليو الماضي، إن «الأمم المتحدة هي المكان المناسب للبحث عن حل للأزمة الخليجية، ولاستعراض الخيارات الممكنة».
 
وأضاف الوزير في تصريحات صحفية أدلى بها من مقر المنظمة الدولية في نيويورك، إن الأمم المتحدة هي “المكان المناسب لمواجهة الحصار غير المشروع علي قطر وإيجاد حل قانوني للأزمة». وأشار أن بلاده “لم تر أية خطوة إيجابية من قبل الدول المحاصرة منذ بدء الأزمة». وأردف قائلا: “نجد في سلوك وتصريحات المسؤولين بالدول المحاصرة تناقضًا وتضاربًا، وهم يواصلون حملة افتراءات ضد دولة قطر، ويمدون تلك الحملات إلى عواصم أخرى منها واشنطن، بل وصلوا إلى مرحلة دفع أموال من أجل شيطنة الدوحة». 
 
وأوضح الوزير أن “قطر تريد حل الأزمة من خلال القنوات الدبلوماسية وعبر الحوار». وفي رد منه على أسئلة الصحفيين بشأن الدور الذي يمكن لمجلس الأمن القيام به به من أجل حل الأزمة، قال وزير الخارجية القطري، إن “بلاده أطلعت أعضاء مجلس الأمن على الأمر». وأضاف: “قدمنا لهم خلفية للأزمة، وشرحنا لهم كيف أن الحملة استندت على أساس هش، وهو الاختراق الإلكتروني الذي نعتبره إرهابًا إلكترونيًا ضد دولة». وتابع: “نعم هناك دور لمجلس الأمن وللجمعية العامة (للأمم المتحدة) ولكل المنظومة الأممية حيث يستمر الطرف الآخر من الصراع في خطواته العنيدة». وفي هذه التصريحات نموذجاً قوياً على توظيف فكرة “المظلومية” في جذب التعاطف للموقف القطري والزعم بأن جوهر المشكلة يتمثل في تصريحات الأمير والادعاء بأنها ناجمة عن “اختراق الكتروني”، وأن الأزمة ليس لها أي أبعاد تتعلق بسلوكيات الدوحة وممارساتها في تمويل الإرهاب وعلاقاتها بتنظيماته، واستضافتها لرموزه وقادته في قلب العاصمة القطرية!
 
ومع استمرار الأزمة وزيادة الخسائر القطرية وخشية القيادة القطرية من تنامي معاناة السكان وانقلاب الموقف الشعبي ضدها بمرور الوقت، يبدو أن الدوحة قد اتجهت كما ورد سالفاً إلى اعتماد سيناريو «التدويل» في ملفات مختلفة جنباً إلى جنب مع ترويج سيناريو «الضحية» أو «المظلومية»، حيث تواصل قطر تطبيق خطة أعدت عقب احتواء الصدمة الأولى للإجراءات العقابية، وتفعيل الإجراءات اللوجستية لتعويض إغلاق المنافذ البرية، إذ انتقلت قطر إلى استراتيجية مغايرة تعتمد على تسخين الخطوط مع الولايات المتحدة وإمضاء عقود تسليحية وأخرى مع جماعات الضغط والمؤسسات الاستشارية في واشنطن.
 
ثم دخلت مؤخراً مرحلة جديدة عمدت فيها إلى تحرك قانوني دولي واسع من خلال تقديم شكاوى ضد ما تصفه بـ «إجراءات الحصار». ومن هذه الشكاوى تلك التي وجهت إلى منظمة الطيران المدني التابعة للأمم المتحدة (ايكاو)، وخطاب «اللجنة القطرية الوطنية لحقوق الإنسان» المرسل إلى منظمة «اليونسكو» التابعة للأمم المتحدة، بشأن مناسك الحج، ومن ثم الشكوى المقدمة إلى «منظمة التجارة العالمية» ضد السعودية والإمارات والبحرين، وأيضاً الشكوى التي تقدمت بها قطر إلى أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وإلى مجلس الأمن الدولي، ضد مصر التي ترأس مجلس الأمن حالياً خلفاً للصين، متّهمة القاهرة بـ»استغلال عضويتها داخل المجلس لتحقيق أغراض سياسية خاصة... لا تمتّ بصلة لعمل مجلس الأمن ولجانه». وجاء في نص الخطاب المكتوب الموجّه إلى مجلس الأمن، أن القاهرة تقوم «بتوجيه اتهامات ومزاعم لا أساس لها من الصحة ضد دولة قطر».  
 
واتهمت الشكوى مصر بـ»استغلال رئاسة لجنة مكافحة الإرهاب بغرض تحقيق أهداف سياسية خاصة، ومحاولة تصفية حسابات مع دول معينة». وزعمت قطر أن الحكومة المصرية تسهم «في تهيئة البيئة المواتية لانتشار الإرهاب والتطرف من خلال التذرع بمكافحة الإرهاب لتحقيق مآرب سياسية وشنّ عمليات عسكرية دعماً لأطراف في النزاعات بشكل ينتهك قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي وحقوق الإنسان».  الشكوى القطرية كانت قد قدّمت نهاية شهر يوليو الماضي، وذلك بعد أن استبعد مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة عمرو عبد اللطيف طرح الأزمة مع قطر على طاولة مجلس الأمن خلال شهر أغسطس الجاري، أثناء تولّي مصر لرئاسة المجلس.
 
ومثل هذه الشكاوى قد لا يكون لها آثار جدية، ولا تبعات قانونية فعلية، ولكن قطر تستهدف من ورائها تحقيق أهداف عدة أولها اثارة أي قدر من اللغط والشكوك حول مواقف الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب تجاهها، بما قد يمثل نوعاً من الضغط الدبلوماسي على هذه الدول، من وجهة النظر القطرية واستغلال ذلك إعلامياً ودعائياً في معركة الإعلام والتسويق السياسي على الصعد الجماهيرية. وتستهدف أيضاً إظهار قدراتها على المناورة الدبلوماسية والسياسية والتواجد إعلامياً في صورة الدولة القادرة على مناطحة الدول الأربع سياسياً ودبلوماسياً. ثم البحث عن فرصة للنفاذ من طوق المحاسبة عبر السعي لإثبات بكل الطرق جدية أي من هذه الشكاوى ومحاولة انتزاع أي انتصار قانوني او سياسي، وتسويق ذلك إعلامياً باعتباره انتصار سياسي مزعوماً لمصلحة قطر!
 
على الصعيد الإعلامي: سعت القيادة القطرية إعلامياً إلى اعتماد محاور عدة للتعامل مع الأزمة منها:
(1) حشد أدواتها الإعلامية المباشرة وغير المباشرة كافة في تسويق الموقف القطري، وتحريك خلاياها الإعلامية النائمة في مختلف الدول للتحريض ضد الدول الأربعة والادعاء بحصارها للشعب القطري مع التركيز على ما زعم أنه جوانب المعاناة الإنسانية في الأزمة. 
(2) عدم الالتفات على التناقضات المحتملة بين الخطابين الإعلامي والسياسي القطري والتركيز على كسب أكبر قدر من التعاطف الشعبي العربي والدولي 
(3) التركيز على تسويق مفهوم «الحصار» في التعبير عن الأزمة واستغلال ما يحمله هذا المفهوم من مخزون لغوي وثقافي سلبي لدى الجمهور العربي تحديداً كونه يرتبط بحالات حصار ترتبط بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وغير ذلك 
(4) تنشيط شبكة العلاقات التمويلية القطرية المتشعبة منذ سنوات طويلة في وسائل الإعلام الغربية لتبني مواقف مختلفة بحسب هامش المناورة الإعلامي المتاح إما: للدفاع عن الموقف القطري أو التقليل من شأن اتهامات الدول الأربعة الداعية لمكافحة الإرهاب لها، أو خلط الأوراق وتوسيع دائرة الاتهامات بتمويل الإرهاب بحيث تطال السعودية والامارات تحديداً كوسيلة ضغط عليهما لوقف إجراءات المقاطعة. 
(5) اعتماد سياسة الإرباك وفتح الملفات والدخول في المناطق المحظورة، وامتلاك أوراق ضغط مضادة عبر توظيف خبرة وسائل الاعلام في «فبركة» الفضائح والتشهير بالشخصيات السياسية. 
(6) كل ماسبق يجب أن يصب في سلة محاولة انتزاع انتصار إعلامي وسياسي مزعوم بغض النظر عن الخسائر الاقتصادية والاستراتيجية القطرية جراء المقاطعة، حيث استنسخت القيادة القطرية في 
 
 
إدارة الأزمة إعلامياً سياسة التنظيمات الإرهابية مثل «حزب الله» و»حماس» ومقدرتهما الإعلامية على قلب الحقائق والادعاء بتحقيق الانتصارات في صراعهما مع إسرائيل بغض النظر عن الخسائر والتكلفة المادية والبشرية لهذه الصراعات ، فعلى سبيل المثال: ادعى «حزب الله» تحقيق الانتصار في الصراع مع إسرائيل عام 2006 رغم أن زعيمه حسن نصر الله لم يكن قادراً على مغادرة مخبأه السري، فضلاً عن تدمير البنى التحتية والعاصمة بيروت بسبب اختباء عناصر الحزب داخل المدن واتخاذ المدنيين دروعاً بشرية، ولكن الدعاية القطرية ساعدته في تسويق فكرة الانتصار وقام أمير قطر السابق حمد بن خليفة بزيارة الجنوب اللبناني بضوء أخضر إسرائيلي، وساعدت قطر الحزب وقدمت خدمة ثمينة لإيران الداعم الرئيسي له، ما أسهم في تحول الحزب من إطار عمله المحدود إلى قوة سياسية ذات ثقل في لبنان، محققاً احد أهم اهداف الاستراتيجية الإيرانية،  حيث نظم الحزب سلسلة من الاحتجاجات في أواخر عام 2006 للمطالبة بمزيد من النفوذ في عملية صنع القرار داخل الحكومة، كما بدأ مسلحو حزب الله في عام 2008 اشتباكات في بيروت مع أطراف موالية للسلطة آنذاك بعد أن هددت الحكومة بإغلاق شبكة الاتصالات الخاصة للحزب، وحصل الحزب إثر ذلك على حق نقض جميع قرارات الحكومة اللبنانية، كما تبجح برفض شرعية .
 
شرعية المحكمة الدولية التي كانت تحقق في جريمة اغتيال  رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، والتي أدانت خمسة من عناصره، كما عرقل الحزب على مدى عامين انتخاب رئيس لبناني لا يفضله. كما تنامت قدرات الحزب العسكرية، وزادت ترسانة أسلحته من 33 ألف صاروخ وقذيفة قبل حرب عام 2006 إلى ما يقدر بـ 150 ألف صاروخ، وارتفع عدد عناصر الحزب من بضعة آلاف في عام 2006 إلى ما يقدر بأكثر من عشرين ألفا. أي أن قطر لعبت دوراً أساسياً في تحول الحزب إلى قوة تمثل تهديداً للأمن والاستقرار الإقليمي، إذ بات لاعباً رئيسياً في الأزمة السورية، وقام بتدريب ميلشيات شيعية موالية لإيران في كل من اليمن والعراق!
 
على الصعيد الدعائي: طورت قطر خلال الأزمة استراتيجية دعائية هجومية شملت المزج بين عناصر عدة أولها الاعتماد على عناصر جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية والمتعاطفين معها في مختلف الدول العربية والأجنبية في تسويق الموقف القطري والدفاع عنه، وتزويد هذه العناصر باستمرار بالفيديوهات والمقالات والآراء والتصريحات التي يحتاجون إليها عبر وسائل الاعلام القطرية الرسمية، وثانيها الاعتماد بشكل رئيسي على وسائل التواصل الاجتماعي والجيوش الالكترونية العاملة في قطر وغيرها من الدول العربية للتشكيك في مواقف الدول الأربعة والترويج للموقف القطري، ثالثها اعتماد استراتيجيات مضادة لإجراءات المقاطعة مثل الإبقاء على العمالة المصرية ورعايا دول مجلس التعاون والعزف على الوتر الإنساني لجذب التعاطف للموقف القطري، فضلاً عن إجراءات أخرى مثل منح الإقامة الدائمة في قطر في حال تحقق شروط ومعايير معينة، بهدف جذب الاستثمارات، وتفادي أي اضطرابات للعمالة الأجنبية في قطر جراء معاناتها من توابع إجراءات المقاطعة، وإغراء هذه العمالة والتلويح لها بورقة الإقامة الدائمة لتسكين الأوضاع الأمنية وتهدئتها حتى يمكن التغلب على الأزمة. 
 
كما سعت قطر منذ البداية إلى استغلال علاقاتها التي تمتد لسنوات مضت مع منظمات حقوقية مشبوهة، في استصدار بيانات وتصريحات تستهدف التنديد بالتداعيات «الإنسانية» للإجراءات المتخذة بحق قطر، بهدف تصعيد الضغوط الدولية على السعودية والامارات والبحرين ومصر بهدف الضغط لتليين المواقف ومحاولة كسب نقاط إضافية من خلال السعي لتشويه الصورة الذهنية للدول الأربعة الداعية لمكافحة الارهاب، حيث استفادت قطر من «خبرتها» السابقة في «فبركة» الصور وخلط الأوراق وتلفيق الأكاذيب لسنوات طويلة مضت.
 
على الصعيد العسكري والأمني: من ضمن خطوات قطر للتصدي لإجراءات المقاطعة اللجوء إلى تعزيز قدراتها العسكرية، خصوصاً في المجال البحري، حيث تعاني قطر منذ تأسيس الدولة ضعفاً عملياتياً كبيراً في قدراتها العسكرية البحرية والجوية، ومن ثم فقد لجأت إلى معالجة جانباً من هذا الضعف من خلال الصفقة التي وقعتها بالأمس مع ايطاليا بقيمة 5 مليارات يورو لتزويد قطر بقطع عسكرية بحرية، وقبلها عقدت صفقة بقيمة 12 مليار دولار لشراء مقاتلات من طراز «إف 15» الأمريكية، وفي المجال الأمني استعانت قطر بعناصر من ميلشيات الحرس الثوري لحماية الأسرة الحاكمة، كما استعانت بالقوات التركية قليلة العدد التي انتشرت ـ حتى الآن ـ في قطر لحماية المنشآت الحيوية القطرية، ولكن الإشكالية التي تثيرها هذه الصفقات أن التهديدات التي تتعرض لها قطر لا ترتبط بغزو بحري أو ضربات جوية، بل إن التهديد الأساسي الذي تواجهه قطر ناجم عن تحالفاتها وسياساتها التي ترتب عداء لجوارها، وتعمل في اتجاه مضاد لواقع الدولة القطري الجيوسياسي. 
 
خطط واستراتيجيات القيادة القطرية
تحليل خطط واستراتيجيات القيادة القطرية يشير إلى أنها تنطوي على ما يلي:
من المعروف أن ركيزة الثروة القطرية تقوم على حقل الشمال المشترك بين البلدين، والذي يمثل العصب الحساس للاقتصاد القطري ( يغطي هذا الحقل البحري الضخم مساحة تبلغ حوالي 9700 كيلومتر مربع، توجد منها 3700 كيلومتر مربع، تسمى حقول «بارس الجنوبية» في المياه الإقليمية الإيرانية، وتقع المساحة المتبقية التي تبلغ 6000 كيلو متر مربع، والتي تسمى قبة الشمال»، في المياه الإقليمية لدولة قطر. ويقدر أن هذا الحقل يحتوي على كمية ضخمة من الغاز الطبيعي تمثل نحو 8% من احتياطيات الغاز في العالم، وحوالي 18 مليار برميل من المكثفات).
 
فلدى إيران مطامع خفية في هذا الحقل، الذي قالت إيران من قبل إن قطر قد تغولت على حصة إيران فيه، فقبل رفع العقوبات الدولية عن إيران (عقب توقيع الاتفاق النووي) لم تكن إيران تستطيع منافسة قطر على استغلال الحقل، لعدم امتلاكها التقنيات المتطورة لتحويل الغاز إلى غاز مسال تضاهي بها التكنلوجيا المتاحة لقطر التي استقدمت شركات عالمية واستغلت الحقل لتصبح أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. وبعد رفع العقوبات، تتجه طهران لامتلاك تقنيات تشابه أو تتفوق على التقنيات التي تستخدمها قطر في حقل غاز الشمال وهو ما ينذر باحتدام المنافسة والصراع بين الطرفين على الحصص السوقية للغاز في العالم، وبالتالي لا يمكن لقطر في مثل هذا الموقف منازعة إيران حول حقوق الشعب القطري في هذا الحقل.
 
ومن المعروف أن هناك تهديدات ورسائل إيرانية مبطنة وجهت لقطر منذ رفع العقوبات الدولية عن إيران، حيث سبق أن حذرت صحيفة «طهران تايمز» من عدم وجود معاهدة تنسيق مشترك لاستغلال الحقل، وتحدثت عن تعرض المصالح الإيرانية للخطر على المدى البعيد. وأشارت الصحيفة إلى أن العديد من حقول النفط واحتياطيات الغاز تمتد من بلد لآخر تحت حدودها المشتركة بطريقة يمكن من خلالها استخراج النفط أو الغاز، كلياً أو جزئيا، من جانب أي من الطرفين.
 
ومصدر الخطر في هذه الحالة أن حقل الغاز المشترك بين إيران وقطر ناجم عن أن إيران تقارن بين ما انتجته قطر في السابق من الحقل، وما يتوجب على طهران استخراجه في المستقبل، حيث قال علي أكبر شعبانبور، مدير عام شركة بارس للنفط والغاز، العاملة في مجال استغلال الحقل من الجانب الإيراني، في أواخر أبريل إن قطر استخرجت بالفعل كمية من الغاز من هذا الحقل تبلغ ضعف ما استخرجته إيران حتى الآن.
 
ومن المعروف أن قطر قد بدأت إنتاج الغاز من هذا الحقل في عام 1991، أي قبل إيران بـ 11 عاماً، واستخرجت 214 مليار متر مكعب من الغاز حتى العام 2002 عندما بدأت إيران عملية الإنتاج، حيث تشير التقارير إلى أن قطر قد أنتجت من عام 2002 إلى عام 2014 نحو 1.242 مليار متر مكعب من الغاز، ما يعنى أكثر من %70 من الكمية التي استخرجتها إيران وهي 710 مليار متر مكعب.
 
وخلال تلك الفترة، فقط في عام 2005، وصل إنتاج إيران نفس الكمية التي أنتجتها قطر. وفي عام 2014 بلغت الكمية المستخرجة 177 مليار متر مكعب لدولة قطر وهي تقريباً ضعف الكمية التي أنتجتها إيران وهي 95 مليار متر مكعب.
 
وفي عام 2015 أيضاً، أنتجت قطر كمية غاز تبلغ ضعف الكمية التي أنتجتها إيران. أي اننا بصدد حالة معقدة من حسابات الأنصبة التي يمكن أن تفتح الباب واسعاً لابتلاع مقدرات قطر وثروتها الغازية، خصوصاً أن إيران قد وقعت مؤخراً اتفاقاً مع شركة «توتال» الفرنسية (أكبر مساهم في تطوير حقل ساوث بارس للغاز، مع شركاء صينيين وإيرانيين) بقيمة نحو خمسة مليارات دولار لتطوير حقول الغاز، فضلاً عن أن طهران تزعم الحاجة إلى استثمارات بقيمة مئتي مليار دولار أخرى في قطاعي النفط والغاز خلال السنوات الخمس المقبلة، كما عبرت إيران بوضوح عن ثقتها بقدراتها على زيادة الانتاج من حقل بارس الجنوبي المشترك مع قطر، وقالت إن انتاجها سيفوق إنتاج قطر، لكن الخبراء يشككون بقدرتها على تحقيق ذلك، إلا إذا تم رفع العقوبات الغربية عنها. 
 
وهنا يجب الانتباه إلى ان مشروعات تطوير الغاز في إيران تخضع لنفوذ الحرس الثوري، وتقودها مجموعة خاتم الانبياء الصناعية التابعة للحرس!
 
رغم أن توقيع اتفاقية انشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر قد سبق الأزمة الأخيرة بنحو عامين تقريباً، فإن تفعيل الاتفاقية وتسريع وتيرة تنفيذها سواء من الجانب القطري أو التركي، يرتب تبعات استراتيجية مهمة، إذ يشير إلى استقواء قطر بقوى إقليمية غير عربية في التعامل مع أزمة سياسية مع دول عربية وخليجية أخرى، وجاءت المناورات المشتركة التي أجرتها القوات القطرية مع القوات التركية بمنزلة تحد لإرادة الدول الأربعة الداعية لمكافحة الارهاب، لاسيما أن هذه المناورات قد جاءت ضمن خمس مناورات عسكرية أجرتها قطر مع دول أخرى منها الولايات المتحدة وبريطانيا خلال فترة شهرين تقريباً! علاوة على أن التحدي يأتي لأن القاعدة العسكرية التركية نفسها قد وردت ضمن مطالب الدول الأربعة، التي اشترطت على الدوحة إغلاق القاعدة التركية في قطر إضافة إلى 12 مطلباً آخر قبل تسوية الأزمة مع قطر. 
 
ورغم أن تركيا قد رفضت المطلب، فإن تعامل قطر معه بهذه الطريقة الاستفزازية يؤكد وجود نوع من التحدي لإرادة هذه الدول واستهانة بمخاوفها المتعلقة بالأمن الإقليمي. ثمة أمر آخر بالنسبة للقاعدة العسكرية التركية في قطر، ويتعلق بالقيادة القطرية نفسها، التي ارتضت أن تخضع سياسة قطر ومصالحها تماماً لحسابات السياسة التركية، فتركيا لم تؤسس القاعدة في قطر لمجرد التواجد المادي في هذه المنطقة الحيوية من العالم، بل من اجل لعب دور حيوي وصياغة المعادلات الأمنية وفق مصالحها الاستراتيجية، ناهيك عن الدخول كلاعب رئيسي في حماية أمن قطر، بحسب ما أعلن ايلنور شفيك، مستشار الرئيس أردوغان، الذي قال إن القوات التركية ستستمر بالتدفق على قطر لحماية حدود قطر وأمن الحكومة القطرية. 
 
وأشارت التقارير الإعلامية إلى نشر قوات “كوماندوز” تركية في قطر، وتحدث آخرون عن “حواجز أمنية” تقيمها القوات التركية في شوارع الدوحة، ورغم أن حجم القوات التركية التي تم نشرها في الامارة الصغيرة حتى الآن ليس كبيراً لكن للخطوة أهمية رمزية بالغة والهدف من تمركزها هناك هو لعب دور قوة ردع لأي محاولة تستهدف الحكومة القطرية او أرض قطر حسب قول المسؤولين الاتراك، ما يدفع بتركيا كلاعب رئيسي في أمن الخليج العربي ويفاقم تعقيدات هذا الملف، الذي كان مقتصراً على القوى الدولية الكبرى.
 
لم تأخذ القيادة في قطر باعتبارها منذ بداية الأزمة حسابات المكاسب والخسائر الاستراتيجية بعيدة المدى، وأسست موقفها على تجارب الماضي في علاقاتها مع دول الجوار، وتحديداً تجربة اتفاق الرياض عام 2013 وملحق عام 2014، واعتبرت أن الأزمة عابرة وستعبرها بسلام، كما حدث في مرات سابقة، من دون قراءة استراتيجية جيدة لبيئة الأزمة ومعطياتها هذه المرة، وهي معطيات مغايرة تماماً للمرات السابقة، كما أن تراكم التجارب قد أفرز مفهوم “فاض الكيل” الذي دفع الدول الأربعة الداعية لمكافحة الارهاب للإصرار هذه المرة على معالجة ملف استفزازات قطر بشكل جذري.
 
وبالتالي جاءت مواقف قطر مخيبة للآمال والتوقعات وتمادت في عنادها وتكبرها، رغم أن الثمن الذي تدفعه يومياً، اقتصادياً وتجارياً على وجه التحديد باهظ للغاية، حيث أشرفت خطوطها الجوية، التي كانت أيقونة تضاهي بها العالم على الإفلاس، ف باتت استضافتها لكأس العالم في مهب الريح، بعد افتضاح أمر قطر في ملف تمويل الإرهاب، ناهيك عن الصعوبات اللوجستية الكبيرة التي تجعل الاستضافة مسألة تقترب من الاستحالة عملياً في حال استمرار العزلة القطرية، ما يهدد بضياع استثمارات قطرية ضخمة، فالخزانة القطرية تتحمل نحو 500 مليون دولار أسبوعياً في الانفاق على مشروعات البنية التحتية لكأس العالم 2022، بحسب وزير المالية القطري علي العمادي، وهذا الانفاق سيستمر طيلة السنوات الثلاث او الأربع المقبلة وقد يتجاوز إجمالي ما تنفقه قطر على هذه المشروعات 200 مليار دولار ربما تنتهي إلى خسارة اقتصادية فادحة للدولة القطرية في حال قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نقل البطولة إلى دولة أخرى (حال سحب ملف تنظيم مونديال 2022 من قطر قد تصل الخسائر إلى حوالى 300 مليار دولار مقسمة كالتالي: 9ر137 مليار دولار تكلفة بناء الملاعب الجديدة، 9ر39 مليار تكلفة تطوير البنية التحتية للمواصلات، 6ر38  مليار تكلف تكييف الملاعب، 8ر61 مليار تكلفة إنشاء ملاعب التدريب وفنادق الإقامة للاعبين والجماهير، 1ر36  مليار تكلفة بناء مدينة لوسيل، 5ر17 مليون دولار رشاوى للحصول على تنظيم البطولة. وقد كشفت الألمانية نيكولا ريتر المستشارة القانونية والمالية في قمة المستثمرين بميونخ بعد الإعلان عن فوز قطر بملف تنظيم المونديال، أن تنظيم البطولة سيكلف حكومة الدوحة حوالي 300 مليار دولار. 
 
في ما أكدت الأمريكية صاحبة الأصول العربية فيدرا الماجد المديرة الإعلامية السابقة لملف استضافة قطر لكأس العالم 2022 أن قطر حصلت على 11 صوتًا وأن مسئولي الملف دفعوا مقابل الصوت الواحد 1.5 مليون دولار، بجانب مليون دولار أخرى إلى مؤسسة بيل كلينتون الأمريكية عقب الفوز بالتنظيم.) ولنا أن نتصور أوضاع الاقتصاد القطري الذي يعاني منذ بداية الأزمة بجانب الخفض في الموازنة العامة جراء انخفاض أسعار مواد الطاقة، ما تسبب إجمالاً في وصول عجز الموازنة القطرية العام الماضي إلى أكثر من 12.8 مليار دولار.
 
وبشكل عام فقد خسرت قطر اقتصادياً الكثير، وبغض النظر عن الأرقام الكبيرة التي يرصدها المتخصصون، فإن هناك اعتراف قطري صريح بوقوع خسائر فادحة، بدليل أن قطر التي يعلو صوتها ليل نهار بإنكار أي تأثير سياسي أو اقتصادي، قد أعربت عن نيتها المطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء المقاطعة، وقررت تشكيل لجنة للمطالبة بتعويضات، يرأسها النائب العام القطري علي بن فطيس المري، الذي أوضح أن اللجنة ستبحث طلبات تعويض تتراوح بين شركات كبرى، أهمها الخطوط الجوية القطرية، التي حولت الدوحة إلى مركز تجاري دولي في السنوات الأخيرة، لكن إغلاق الدول المجاورة أجواءها أمامها هدد مركزها كناقل عابر للقارات.
 
تجاهلت التقديرات الاستراتيجية للدوحة تماماً خسائر الاقتصاد القطري، ولم تقدر حقيقة موقف قطر المالي ومدى تأثره جراء المقاطعة، فالسعودية والامارات من أهم شركاء قطر التجاريين، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين قطر ودول الخليج 10 مليارات دولار في 2016. وأصبحت الخطوط الجوية القطرية الخاسر الأكبر، إذ خسرت رخصة سبق أن فازت بها لتدشين خطوط نقل جوية داخلية بين المدن السعودية، وكذلك تجميد اتفاقات تجارية جرى التوقيع عليها منذ عام 2006، كما توقفت تماماً رحلاتها الجوية الدولية إلى مدن حيوية مثل دبي وأبوظبي والرياض والقاهرة، التي تُقدر بعشرات الرحلات يوميا، فضلاً عن ارتفاع التكلفة التشغيلية لباقي الرحلات الجوية بمعدلات غير اقتصادية بالمرة لاضطرارها للتحليق لمسافات أبعد وتغيير المسارات الجوية بسبب المقاطعة، ما جعلها أقل جاذبية للمسافرين ويهدد بإفلاسها فعلياً إذا استمرار الوضع على هذا الحال.
 
على الأرجح، فإن اعتماد قطر على بناء شراكات أمنية جديدة مع تركيا وإيران سينجم عنه إطالة أمد الأزمة مع الدول الأربعة الداعية لمكافحة الارهاب، وتشجيع القيادة القطرية على العناد والمكابرة، ولكن الإشكالية أن قطر لا تدرك حدود التدخل الإقليمي لحمايتها في حال نشوب أزمة عسكرية، فإيران لن تجازف بخوض حرب قد تنتهي باستدراجها لصراع عسكري مباشر مع الولايات المتحدة من أجل حماية قطر، لاسيما أن نهاية قطر تنطوي على مكسب اقتصادي حيوي لإيران من خلال السيطرة على مواردها الغازية.
 
والوضع بالنسبة لتركياً أيضاً معقد فالأتراك لن يخوضوا حرباً من أجل حماية قطر، وهم يدركون أن الحسابات الأمريكية تضع قيوداً على اشتعال منطقة الخليج العربي عسكرياً، ولكن ذلك لا ينفي أن القدرات العسكرية التركية بشكل عام غير مؤهلة لخوض صراع عسكري قد يطول في منطقة جغرافية بعيدة، لاسيما أن تركيا تعتمد كقوة عسكرية على دعم حلفائها الأطلسيين، الذي يبدو بعيد المنال في هذه الحالة.
 
تخطئ قطر مرة تلو الأخرى في فهم دلالات وأبعاد تحركات الدول الأربعة، ولا تحاول إبداء حسن النوايا والمبادرة إلى تبني خطوة إيجابية لإثبات صدقيتها في تسوية الأزمة، فاجتماع المنامة الأخير كان بمنزلة نداء جديد ونافذة فرص أخرى لقطر للاستجابة إلى دعوات وقف دعم الإرهاب، وهي الدعوات التي تحظى بإجماع دولي، يقابله تجاهل قطري. 
 
ورغم عدم الإعلان عن إجراءات عقابية جديدة ضد قطر، فإن الاجتماع كان محطة مهمة في إطار التنسيق والتشاور والحوار المستمر بين الرباعي العربي، فعدم الإعلان عن إجراءات لا ينفي مطلقاً احتمالية الاتفاق على خطوات ربما تفضل الدول الأربعة عدم الإعلان عنها في الوقت الراهن، أو إخضاعها للدراسة بشكل دقيق، تفادياً للتسبب في أي معاناة للشعب القطري، وما يؤكد ذلك أن وزير الخارجية البحريني قد حرص على التأكيد خلال المؤتمر الصحفي على أن “قراراتنا لن تكون متسرعة بل واضحة ومدروسة”، ما يوفر إشارة قوية على أن هناك تفاهمات بشأن إجراءات عقابية جديدة لا تزال تخضع للدراسة من مختلف الأبعاد والجوانب، وهي رسالة لا تستقبلها قطر بالشكل المرجو كي تفهم معناها ودلالاتها.
 
تخطى قطر أيضاً حين تسئ فهم الهدوء الظاهري الذي يغلف الأزمة في الفترة الأخيرة، فلم تلاحظ أن لغة الخطاب السياسي للوزراء الأربعة في ختام اجتماع المنامة قد اتسمت بطابع أكثر تشدداً وحزماً عن ذي قبل مع الميل نحو التريث  والعقلانية في معالجة الأزمة، وقد انعكس ذلك تحديداً في تصريحات وزير الخارجية السعودي الذي اعتبر أن شكوى قطر بشأن الحج تمثل تدخلاً في سيادة المملكة، معتبراً ذلك بمنزلة “إعلان حرب” مؤكداً أن بلاده تحتفظ بحق الرد على أي طرف يطالب بتدويل الإشراف على الحرمين الشريفين، وقد أكد الوزير عادل الجبير كلامه هذا عقب المؤتمر الصحفي حديث مع قناة “العربية”، ما يعكس الجدية في الرد على السلوك القطري حيال هذا الملف الحساس بالنسبة للمملكة العربية السعودية، كما يعكس هذا الخطاب التصعيدي احتمالية عالية جداً لوجود “تفاهمات” قد تمت خلال اجتماع المنامة بين الدول الأربعة للرد عملياً على المخطط القطري، الذي يدرك الجميع أنه تم بإيعاز من إيران، التي تتبنى النهج ذاته في التعامل مع ملف الحج وتزج به في خلافاتها السياسية مع المملكة العربية السعودية.
 
يلاحظ أن كلمة “الحوار” قد وردت في البيان الخِتامي الرّسمي لاجتماع المنامة للمرّة الأولى منذ بداية الأزمة، وهذا بحد ذاته توجه إيجابي وإبداء حسن نوايا لم يقابل بجدية من جانب قطر، ويشير التحليل إلى أن هناك توجه من قبل الدول الأربعة لوضع إطار أوضح لمسارات التعاطي مع الأزمة خلال المرحلة المقبلة، حيث أبدت هذه الدول استعدادها للحوار مع قطر شريطة أن تعلن عن رغبتها الصادقة والعملية في وقف دعمها وتمويلها للإرهاب والتطرف، ووقف نشر خطاب الكراهية والتحريض والالتزام بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. وبالتالي فلم يعد باب الحوار مغلقاً منعاً لمزايدات الأطراف الإقليمية الداعمة لقطر، والتي لا تكف عن الدعوة للحوار لحل الأزمة، ومطالبة الدول الأربعة بالاستجابة لدعوات الحوار، فكان لزاماً وضع إطاراً يحدد شروط الحوار ويكشف انفتاح الدول الأربعة حيال فكرة الحوار شريطة الاستجابة لشروطه ومتطلباته. لذا فقد أبدت الدول الأربعة استعدادها للحوار بشرط تخلي قطر عن “دعمها للإرهاب” وأن “تعلن عن رغبتها الصادقة والعملية في وقف دعمها وتمويلها للإرهاب والتطرف ونشر خطاب الكراهية والتحريض والالتزام في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى”.
 
وبالتالي فإعلان الموافقة على الحوار قد تم في اجتماع المنامة ولكن بشروط واضحة ومحددة هي قُبول دولة قطر بالمَطالب الـ 13، والمبادئ الستّة التي جرى تحديدها في اجتماع القاهرة (5 يوليو)، والاتفاق على آليات التنفيذ، علماً بأنه لن تكون هُناك أي مُفاوضات حول هذه المَطالب، وبعد ذلك يأتي الحوار. وهي الرسالة التي لم يجيد المخطط السياسي القطري استقبالها وفهمها حتى الآن.
 
شقت قطر الصف حينما لجأت إلى كشف وجهها الحقيقي في ذروة الاصطفاف العربي والإسلامي في مواجهة التهديد الاستراتيجي الإيراني، وتأكد للجميع أنه رغم ادعاءات الخلاف الظاهري بينهما في بعض الملفات والمواقف، إلا أن المصالح المشتركة جمعت بين إيران وقطر منذ أعوام، فإيران التي تبحث لها عن دور في منطقة الخليج العربي وتسعى لتحقيق مطامعها وبذلت كثير من الجهد لتقويض مجلس التعاون وانشاء ترتيبات أمنية بديلة بمشاركتها، تشاركها قطر الاتجاه نفسه، فقطر الصغيرة هي الأخرى تسعى لزيادة نفوذها في العالم العربي على حساب جيرانها، وهكذا جمعهم الهدف نفسه، لترتبط العلاقات الإيرانية القطرية بروابط وثيقة على مدى سنوات، عكس أشقائها في الخليج الذين أدركوا منذ اللحظة الأولى مآرب إيران من فرض نفوذها ومطامعها في المنطقة. 
 
وبحسب خبراء، فقد استغلت إيران أزمة قطر مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب لشق الصف الخليجي، كما أكدت تقارير غربية أن إيران أججت الأزمة، وبحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن قادة إيران لم يرحبوا فقط بالأزمة ولكنهم أسهموا في اشتعالها، سواء كان سياسياً بتصريحات مسؤولي إيران، وجولاتهم الخارجية لدعم قطر والهجوم على الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، أو اقتصادياً من خلال فتح أجوائهم وإرسال منتجاتهم الغذائية وافتتاحها لخط غاز بوشهر لزيادة إنتاج قطر من الغاز، أو على المستوى الإعلامي، فالإعلام الإيراني لم يتوقف عن الشحن وإشعال الأزمة منذ بدايته، وقطر تسير في هذا الاتجاه من أجل إضعاف مجلس التعاون الخليجي، وتعميق الخلافات في الصف الخليجي، ومن المتوقع أن تدفع قطر ثمناً غالياً لذلك لأن إيران لا تستطيع المضي في دعم قطر، لاسيما إذا عادت إلى مربع العزلة الأمريكي مجدداً خلال المرحلة المقبلة. 
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-09-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2016-11-03
2017-03-08
2014-12-20
2015-12-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1219

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره