مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-04-03

البعــــد الطــائـفـي أحـــد أدوات القـــوة الناعمـــــة

لتحقيق الهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ
تؤكد الشواهد كافة أن إيران تمتلك مشروعاً إقليمياً توسعياً، ويحتل البعد الطائفي موقعاً خاصاً ضمن هذا المشروع، حيث تعد الطائفية الدينية ركيزة من ركائز وأدوات نشر النفوذ الإيراني في العديد من دول المنطقة، وقد خططت إيران لذلك منذ وقوع ثورة الخميني عام 1979، واستثمرت الكثير من مواردها وأموال الشعب الإيراني في زرع خلايا وأذرع أيديولوجية تأتمر بأمر قادة الحرس الثوري الإيراني، وتقفز في ولاءاتها على الحدود والولاءات الوطنية، ما يمثل في حقيقته أحد محركات القلق والاضطراب الإقليمي المتصاعد. وفي هذا العـدد، تسلط مجلة درع الوطن الضوء على مظاهر تجذر البعد الطائفي في السياسة الإيرانية، داخلياً وخارجياً.
 
إعداد التحرير 
يمثل البعد الديني-الطائفي أحد أدوات السياسة الخارجية الإيرانية، التي تستخدمه في التمدد وتعظيم النفوذ في المنطقة، من خلال رفع شعارات فضفاضة، كالدفاع عن المظلومين والمضطهدين في المنطقة ودول العالم أجمع. ولعل موقف إيران المبالغ فيه من إعدام السلطات السعودية لرجل الدين الشيعي نمر باقر النمر في الثاني من شهر يناير 2016، وما رافقه من تصريحات لمسؤولين إيرانيين معادية ضد المملكة العربية السعودية يكشف البعد الطائفي في سياسات طهران، وكيف أنه بات إحدى أدواتها الرئيسية في تنفيذ أهدافها في المنطقة.
 
توظيف إيران للبعد الديني- الطائفي في سياستها الخارجية ليس مجرد شعارات فقط، وإنما يتعداه إلى تحركات على الأرض، تستهدف دعم الأقليات الشيعية في الدول العربية والخليجية سياسياً وثقافياً، وإذا ما وجدت الفرصة متاحة لها في أي دولة، فإنها تحاول إنشاء أحزاب سياسية أو ميليشيات عسكرية تعمل على تحقيق مصالحها في هذه الدول، سواء في الضغط على حكوماتها كما هي الحال في حالة “حزب الله” اللبناني أو في إفشال أي تحركات سياسية لا تتواءم مع مصالحها مثلما فعلت مع الحوثيين، حينما أوعزت إليهم بضرورة إفشال المبادرة الخليجية للحل السياسي في اليمن، وصولاً إلى تقديم الدعم العسكري لهم حتى احتلال العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014.
 
إذاً يبدو واضحاً في ضوء التحركات الإيرانية في السنوات القليلة الماضية أن طهران توظف البعد الطائفي لتجعل من نفسها الدولة القائد للشيعة في دول المنطقة والعالم بأكملها، ولهذا تبرر في دستورها التدخل للدفاع عن الشيعة في أي مكان، متجاوزة بذلك حدود الدول وسيادتها، ولعل هذا ما يفهم من تصريحات الرئيس حسن روحاني في مارس 2016، والتي قال فيها صراحة: إن “إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين”، وهذه هي الذريعة التي تفسر من خلالها إيران تدخلها في العراق ولبنان واليمن وسوريا ومملكة البحرين. ومع رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية على إيران بعد تنفيذ الاتفاق النووي في شهر يناير 2016، فإن طهران قد تواصل دعم أذرعها وميليشياتها في المنطقة، ما قد يعزز الصراع الطائفي في المنطقة.
 
الدستور الإيراني.. تكريس الطائفية والمذهبية
حينما قال سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، خلال مؤتمر صحفي في أبوظبي مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير في مارس 2016، “إن إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي ينص دستورها على تصدير الثورة من خلال تصدير الطائفية”، فإنه كان يقدم تشخيصاً دقيقة عن طبيعة الأزمة التي تقف وراء توتر العلاقات بين إيران والدول الخليجية والعربية بوجه عام، والمتمثلة في أن إيران تعطي لنفسها الحق في التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، استناداً إلى مواد أصيلة في دستورها، بل وتضفي على هذا التدخل شرعية سياسية وأخلاقية.
 
ولهذا فإن تحليل الدستور الإيراني قد يكون مهماً في استكشاف هذا الأمر، إذ إنه في الوقت الذي تتظاهر فيه إيران أنها مع وحدة العالم الإسلامي، وتحارب الطائفية، بل وتتهم دول المنطقة بإثارة الخلافات المذهبية، فإنها تنظر باستعلاء إلى المذاهب الأخرى، وهذه حقيقة منذ الثورة الإيرانية في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وهذا ما أكده قائد الثورة آية الله الخميني في كتابه “الأربعون حديثاً” الذي يكرر فيه تكفير كل المذاهب الإسلامية حين يقول: “ومن المعلوم أن هذا الأمر يختص بشيعة أهل البيت، ويحرم عنه الناس الآخرون؛ لأن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علي وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية”. وهذا يعد في رأي كثيرين بمنزلة استعلاء إيراني على المذاهب الدينية الأخرى، وتأكيد واضح على أن إيران هي من تقف ضد أي جهود للتقارب بين المذاهب في العالم الإسلامي، لأنها إذا كانت حريصة فعلاً على وحدة العالم الإسلامي، وتدعو إلى التقريب بين المذاهب، فكيف تجعل من مذهبها “الإثني عشري” ذا مكانة خاصة.
 
والواقع أن الدستور الإيراني يكرس هذه الرؤية الطائفية والمذهبية، فهناك العديد من المواد التي تؤكد ذلك، فالمادة (12) من الدستور الإيراني تنص على أن “المذهب الجعفري الإثني عشري يبقى إلى الأبد المذهب الرسمي لإيران وغير قابل للتغير”. وتنص المادة (13) من الدستور الإيراني على أن الإيرانيين الزرادشت “المجوس” واليهود والمسيحيين هم وحدهم الأقليات الدينية المعترف بها وتتمتع بالحرية في أداء شعائرها. والواضح هنا أن الدستور الإيراني في الوقت الذي اعترف فيه بحقوق أتباع هذه الديانات فقط، وهو حق واجب الاعتراف به من الناحية الإنسانية والوطنية، لم يعترف بحقوق الطائفة المندائية (الصابئة) وهي ديانة ورد ذكرها في القرآن الكريم، وهي من الديانات الموحدة لله جل جلاله ويبلغ تعداد أتباعها في الأحواز مائة ألف، ويتحدثون اللغة العربية.
 
ومن المواد الأخرى في الدستور ذات البعد الطائفي، المادة (115) والتي توجب أن يكون رئيس الجمهورية مؤمناً ومعتقداً بالمذهب الشيعي الجعفري الرسمي للبلاد، وقد قسم الدستور المواطنين الإيرانيين المسلمين إلى فئتين: مسلم درجة أولى ومسلم درجة ثانية، حيث بات يحق للأول بحكم مذهبه أن يكون حاكماً على الثاني ولا يحق للثاني بحكم مذهبه أن يكون حاكماً على الأول وإن كان الاثنان إيرانيين مسلمين. وهذه المادة تم توظيفها بشكل سيئ، وتم التوسع في تفسيرها ليتم حرمان المواطن السني الإيراني من تولي منصب رئاسة البرلمان أو تولي منصب وزير في حكومات النظام الإيراني طوال السنوات الماضية. كما يحمل نص قسم الرئيس صبغة طائفية، حيث تقول المادة (121) الخاصة بالقسم: “إنني باعتباري رئيساً للجمهورية أقسم بالله القادر المتعالي في حضرة القرآن الكريم أمام الشعب الإيراني أن أكون حامياً للمذهب الرسمي”. كما تؤكد العديد من مواد الدستور الإيراني الصبغة الطائفية، وهي المواد المتعلقة بمجلس الشورى أو الجيش، حيث تشير المادة (72) إلى أنه “لا يحق لمجلس الشورى الإسلامي أن يسن القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للدولة”. أما المادة (144)، فتنص على أنه “يجب أن يكون جيش جمهورية إيران الإسلامية جيشاً إسلامياً وذلك بأن يكون جيشاً عقائدياً، وأن يضم أفراداً لائقين مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية”. 
 
بل والأخطر أن الدستور الإيراني يؤكد مشروعية التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وبشكل صريح، فقد جاء في الفصل الأول المعنون بـ”الأصول العامة” في المادة الثالثة، الفقرة (16) ما نصه “تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، والحماية الكاملة لمستضعفي العالم”. كما أن المادة (154) من الدستور الإيراني تعطي إيران الحق في دعم المستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطة في العالم. وعليه، فإن جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطة من العالم، بل إن الدستور الإيراني جعل من مهام الحرس الثوري نشر حاكمية الله في الأرض، وبناء مجتمع عالمي موحد يقوم عل النضال لتحرير المستضعفين في الأرض، كما وضع ضمن أهداف السياسة الخارجية الإيرانية دعم المستضعفين في الأرض وجهادهم المشروع. 
 
كما يتبنى الدستور الإيراني نظرية “ولاية الفقيه المطلقة”، ولا يمكن الفصل بين الالتزام بولاية الفقيه والالتزام بالإسلام وولاية الأئمة المعصومين”. وإضافة إلى فتوى خامنئي بإلزام جميع المسلمين بطاعته، فهو يطلق على نفسه “ولي أمر المسلمين”، ما يمنحه (وفق اعتقاده) شرعية دينية-دستورية لزعامة مسلمي إيران ومسلمي العالم الإسلامي. بمعنى آخر، فإن ولاية الفقيه لا تسري فقط في الداخل الإيراني، إنما تفرض وصايتها من خلال أذرعها الحركية الدينية على المجتمعات التي تعيش فيها، ومن ثم فإن من يؤمنون بولاية الفقيه في لبنان وسوريا واليمن والبحرين، لا يمكن أن يخرجوا من عباءة ما يقوله الولي الفقيه، لأنهم من المولّى عليهم، فإذا ما كانوا مؤمنين ومعتقدين بولايته، لا يمكن أن يختلفوا معه، لأن ليس للناس المولّى عليهم حق التدخل في أعمال الولاية أو الاعتراض على أحكام وأوامر الفقيه، وإلا أصبح معنى ذلك رفض الولاية.
 
هذه المواد الدستورية تُعلن صراحة مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى تحت غطاء دعم ما يُسمى المستضعفين، وهو مُصطلح مضلل يهدف للتأثير العاطفي على الرأي العام، كما تفسر أسباب تنامي النظرة إلى إيران باعتبارها العامل المشترك في كثير من الأزمات التي تشهدها دول المنطقة، سواء في العراق أو سوريا ولبنان والبحرين واليمن، خاصة أن ممارسات إيران على الأرض تشير إلى أنها لن تتوقف عن تدخلاتها في شئون دول المنطقة.
 
تكريس الطائفية في الدستور الإيراني، وتجاهل حقوق الأقليات والمذاهب المختلفة، يفسران تزايد الانتقادات الأممية والدولية الموجهة لأوضاع حقوق الإنسان في إيران، وكان آخرها في شهر مارس 2016، حينما اتهم مقرر الأمم المتحدة لحرية العقيدة والأديان هاينر بيلفيلدت إيران باضطهاد وانتهاك حقوق جميع الأقليات الدينية. وقال خلال ندوة عقدتها الأقليات الإيرانية على هامش أعمال الدورة 31 لمجلس حقوق الإنسان في مقر الأمم المتحدة بجنيف “إن بعض الأقليات في إيران تعيش في الجحور، وإلا تعرضت لمختلف أنواع المضايقات والأخطار، بمن في ذلك المسلمون السنة والمسيحيون، كما تتعرض الأقليات الأخرى للقتل والسجن والمحاكمات الصورية الملفقة، وتقوم السلطات الإيرانية بحملات اعتقال جماعية ضدهم”.
 
البعد الطائفي في السياسة الخارجية الإيرانية
يمثل البعد الطائفي (الديني) أحد أدوات القوة الناعمة، في السياسة الخارجية الإيرانية، وخصوصاً أن النظام السياسي الإيراني، يسعى ليحافظ على سلطة الفكر الديني ورجالاته، كفكر مؤسس للدولة ككل، بل إن قائد الثورة الإيرانية، آية الله الخُميني، دعا صراحة إلى تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج، وهذا ما يتضح من إحدى مقولاته التاريخية عام 1980م، والتي تنص على “نحن في جمهورية إيران الإسلامية سوف نعمل بجهد من أجل تصدير ثورتنا للعالم. وإنه بمقدورنا تحدي العالم بالأيديولوجية الإسلامية”. وقال أيضاً: “نحن نهدف إلى تصدير ثورتنا إلى كل الدول الإسلامية، بل إلى كل الدول حيث يوجد مستكبرون يحكمون مستضعفين”. وهذه المقولات تقف وراء كثير من نصوص الدستور التي سبقت الإشارة إليها، والتي تعطي لإيران الحق في التدخل في شؤون العديد من دول العالم، وهي تتعارض بشكل مطلق مع حق السيادة الداخلية للدول الأخرى، لكنها في الوقت ذاته تفسر تدخلات إيران المستمرة في شؤون العديد من الدول العربية، وتقف وراء طموحاتها لبناء إمبراطورية إيرانية. وقد أشار إلى ذلك صراحة علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني في مارس 2015، حينما قال خلال منتدى” الهوية الإيرانية” في طهران: إن “إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت سابقاً وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما كانت عبر التاريخ، فجغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة، وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا علينا أن نقاتل معاً أو نتحد”. وأشار يونسي إلى أن طهران تنوي تأسيس حلف اتحادي في المنطقة، يمتد إلى البحر المتوسط وباب المندب في اليمن، لتكوين الهلال الشيعي، الذي يمثل أساس الإمبراطورية الإيرانية.
 
وتحاول إيران استخدام الورقة الطائفية والدينية كأداة لتحقيق مصالحها في المنطقة، عن طريق ضمان ضم دول الجوار التي يوجد بها أقليات شيعية، ضمن سلسلة عناصر تُحقق الهيمنة والسيطرة وبسط النفوذ، عبر وسيلة المذهب الشيعي؛ مما يوفر لإيران عوامل القوة التي ترتكز على مفهوم الدفاع عن أمنها القومي خارج حدودها، وهذا لن يتحقق إلا ببناء ما تطلق عليه “مَصَدَّات دفاع مذهبي” خارج حدودها الجغرافية، تنطلق عبر المدخل العراقي، مروراً بالدول التي تشكل حزاماً وحدوداً مذهبية ممتدة من إيران إلى العراق مروراً بسوريا ولبنان، وصولاً إلى اليمن، وهذه الدول التي تشهد حضوراً ملحوظاً للشيعة، تمثل في المنظور الإيراني نقاط ارتكاز يمكن من خلالها دعم عملية التمدُّد المذهبي الذي يعزز بدوره المجال الحيوي المذهبي الإيراني. 
 
ويستند البعد الطائفي في السياسة الخارجية الإيرانية إلى مَصدرين مهمين وموثوقين، هما: رؤية الخميني لصورة الحكومة التي يدعو إليها، وقد ضم تصوره هذا في كتاب “الحكومة الإسلامية”، الذي ترجمه عملياً دستورُ الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ أما المصدر الثاني فقد جاء في وثيقة منشورة بالفارسية تحت عنوان: “مقولات في الاستراتيجية الوطنية”، وتُعرف اختصاراً بنظرية “أم القرى”، التي وضعها مهندس السياسة الخارجية الإيرانية الدكتور علي جواد لارجاني. وتكشف هاتان الوثيقتان خارطة طريق المرجعية والحكومة الإيرانية التي تسير عليها في تنفيذ طموحاتها السياسية، والمرامي البعيدة والقريبة الساعين إلى تحقيقها على المستويين الإقليمي والدولي. وقد ركزت معظم الأدبيات الثورية الإيرانية عام 1979 على إبراز النموذج الإيراني بوصفه النموذج الثوري الإسلامي الوحيد، وبالتالي فهو ملزم بمساندة الحركات الإسلامية الراديكالية في بقية أنحاء العالم الإسلامي، مما يجعل تصدير الثورة واجباً دينياً، وليس مجرد هدف سياسي يتمثل في جعل علاقات إيران الخارجية مع الشعوب وليس مع الدول، ويتطلب من إيران تقديم مساعدات مالية وعسكرية بالإضافة إلى التدريب العسكري والتلقين العقائدي لهذه الحركات، وعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للثورة.
 
كما وضع النظام الإيراني وثيقة تُعرف باسم “الاستراتيجية الإيرانية العشرينية” (2005-2025)، أو الخطة الإيرانية العشرينية “إيران: 2025”.. وهي تُعتبر “أهم وثيقة قومية وطنية بعد الدستور الإيراني”، تضع التصورات المستقبلية للدور الإيراني خلال عشرين عاماً، وتهدف إلى تحويل إيران إلى نواة مركزية لهيمنة تعددية داخلية في منطقة جنوب غرب آسيا (أي المنطقة العربية تحديداً التي تشمل شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام). وتنص الوثيقة على أن طهران ستحظى بخصوصية على المستوى الدولي، وتتحول إلى قوة دولية ومصدر إلهام للعالم الإسلامي، على أن ينعكس ذلك إقليمياً في العام 2025، لتحتل إيران المرتبة الأولى في منطقة جنوب غرب آسيا اقتصادياً، وعلمياً، وتكنولوجياً، وتصبح نموذجاً ملهِماً ولاعباً فاعلاً ومؤثراً في العالم الإسلامي استناداً إلى تعاليم “الإمام الخميني” وأفكاره، وبما يعكس هويتها الإسلامية الثورية ، وهو ما يتفق مع ما تم صياغته تحت مسمى نظرية “أم القرى”، التي ترى في إيران مركز العالمين العربي والإٍسلامي، وهي أساس الفكر التوسعي الناعم والصلب في السياسة الخارجية الإيرانية، بناء على اعتبارات دينية وطائفية.
 
وترجمة لهذه الرؤى، فإن إيران منذ الثورة نهاية سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن، توظف البعد الطائفي لأهداف سياسية بحتة، بعيداً عما تروجه بأنها هي صوت المستضعفين، وليس أدل على ذلك من أنها في الوقت الذي تقف فيه مع الأقليات خارج حدودها، فإنها تضطهد الأقليات العرقية والمذهبية والدينية بالداخل الإيراني، كما أن محاولات إيران إضفاء طابع ديني على خلافاتها مع العرب أمر يجافي الحقيقة، فالعرب خليط من السنة والشيعة والمسيحيين واليهود والصابئة والزرادشت والوثنيين واللادينيين، ولم يلحظ أن أحداً من العرب تعاطف مع إيران أو انضم إليها في فترات الصراع الحديث مع إيران منذ أيام الشاه وإلى اليوم ، بما فيهم الشيعة أنفسهم، الذين يرفضون التدخلات الإيرانية في المنطقة ، بل إن بعض الشيعة العرب يرون أنّ “ولاية الفقيه” تمثّل البعد القومي الفارسي الاستعلائي، ويعارضون أي توظيف للعامل المذهبي من جانب إيران، لأنه مؤسس على أهداف سياسية مصلحية بحتة.
 
وهذا يقودنا إلى مفهوم ديني آخر توظفه إيران جيداً في سياستها الخارجية، وهو “التقية الدينية” فالنظام الإيراني الذي يقوده المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي يقوم على مبدأ “التقيّة السياسية”. وهو المبدأ الذي لا ينفصل عن رؤية إيران الاستعلائية للمذهب الشيعي، والانطلاق منه إلى تحقيق أهداف سياستها الخارجية. فإذا كان مفهوم” التقية” مفهوماً شرعياً ودينياً معناه إخفاء ما يدور في الصدور درءاً للمضرة وفي حالات الضرورة، إلا أنها في الفكر الشيعي تأخذ منحى مختلف، وتعني التظاهر بعكس الحقيقة وهي تبيح للشيعي خداع غيره، وبناء على هذه التقية ينكر الشيعي ظاهراً ما يعتقده باطناً. أي إن معنى التقية هو النفاق والكذب والمراوغة والبراعة في خداع الناس، لا التقية التي أباحها الله للمضطر المكره. 
 
ويدرك المتابع للسياسة الخارجية الإيرانية كيف أنها توظف “التقية الدينية” بمعناها الانتهازي والنفعي في الكثير من مواقفها وسياساتها إزاء العديد من القضايا والملفات، ويبدو ذلك واضحاً في تناقض أو ازدواجية الخطاب السياسي ، فالنظام الإيراني نظام مزدوج، فهناك ما يقوله في العلن وهناك ما يختلف عنه ويقوله في السر، وهناك عمل مؤسساتي علنيّ وعمل خفي من خلال دعم الميليشيات الشيعية المرتبطة بها، سواء في لبنان والعراق واليمن والبحرين، ومن الصعب جداً في ظل هذه الازدواجية الثقة بسياسات إيران وتوجهاتها إزاء دول المنطقة. وقد برزت التقية السياسية في العديد من المواقف الإيرانية، لعل أبرزها دور إيران في تسهيل مهمة القوات الأمريكية لغزو أفغانستان عام 2001 ثم العراق عام 2003، وإمداد الولايات المتحدة بجميع المعلومات التي يسرت لها ذلك، وعدم معارضة الغزو الأمريكي لهذين البلدين، حتى تم توريط الولايات المتحدة فيهما، وأصبح وجود قواتها في البلدين تحت رحمة الاستنزاف من قبل إيران، والتوقف عن ذلك مشروط بقبول الولايات المتحدة للنفوذ الإيراني في المنطقة.
 
كما تتجلى التقية السياسة واضحة أيضاً في موقف إيران تجاه الاضطرابات الإقليمية المعروفة إعلامياً بـ”الربيع العربي”، فحينما اندلعت هذه الاضطرابات، حاولت إيران توظيفها لمصلحتها، واعتبرتها امتداداً للثورة الإسلامية الإيرانية، أو صحوة إسلامية في المنطقة، كما أطلق عليها مرشد الثورة آية الله علي خامنئي. كما أن الموقف الإيراني المتناقض من هذه الأحداث كشف انتهازية إيران، وأكد أن المصلحة هي التي تحركها، ففي حين أيدت إطاحة أنظمة الحكم في كل من تونس ومصر وليبيا، فإنها تبنت رؤية مختلفة في سوريا، وواصلت دعمها لنظام بشار الأسد، بل وادعت بأن هناك من يحاول استغلال الأحداث في المنطقة من أجل زعزعة الأمن في سوريا، والانتقام من النظام السوري لأسباب لا تتعلق بما يحدث في الدول العربية الأخرى. 
 
الأذرع الطائفية .. أداة إيران للتوسع والتمدد الإقليمي
 منذ الثورة الإيرانية في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وسقوط حكم الشاه، وطهران تتبنى استراتيجية للتمدد وتعظيم النفوذ الاستراتيجي ونشر بذور “ثورتها” التي سببت ما يسمى اليوم “الطائفية السياسية في بعض دول العالم العربي”، عبر العديد من الوكلاء أو الأذرع، لتنفيذ مخططاتها ومشروعها الطائفي للهيمنة في المنطقة. ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
 
 -1 حزب الله الإرهابي 
كان لإيران دور رئيسي في تأسيس “حزب الله”، واستطاعت مساعدة الحزب في الظهور كممثل للشيعة في لبنان، ووفرت له الدعم المادي والعسكري بحيث تمكنت من تكوين قوة شيعية في المنطقة، وفق نظرة المحيط العربي لإيران. ونتيجة لهذا فإن الحزب يدين بالولاء الأيديولوجي والسياسي الكامل لإيران، بل إنه شكّل فيما بعد نموذجا ً ناجحاً أغراها بمحاولة تكراره في دول عربية أخرى كالعراق حيثُ “حزب الله” العراقي والحشد الشعبي، وفي اليمن حيثُ “أنصار الله” (جماعة الحوثي). وتتميز العلاقة بين حزب الله وإيران بتداخل البعدين السياسي والديني فيها، فاللبنانيون الشيعة الذين يمثلون كوادر حزب الله تربطهم بالمرجعيات الدينية الإيرانية روابط روحية عميقة، ويعتبر مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي أكبر مرجعية دينية بالنسبة لهم، ويسمى أمين عام حزب الله حسن نصر الله الوكيل الشرعي لآية الله خامنئي. 
وبرغم أن حزب الله كلف إيران الكثير من الجهد والمال، غير أنها استفادت منه كثيراً، سواء لجهة خدمة مشروعها الإقليمي، وهو مشروع شيعي في الأساس يحلم باستعادة إمبراطوريتها أو على الأقل الهيمنة الإقليمية. كما يمثل حزب الله ورقة رابحة بيد إيران تستطيع أن تستخدمها وقتما شاءت في الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة. 
 
ويرى مراقبون أن رفع العقوبات الدولية المفروضة عن إيران في شهر يناير 2016 سيعيد للحزب فاعليته وقوته على الساحة اللبنانية مرة أخرى، ولا يستبعد محللون هنا أن يكون لبنان إحدى نقاط جذب الأموال الإيرانية بهدف استبدال كل مشاريع الدعم السعودي للبنان وتعويضها بمشاريع إيرانية بإدارة مباشرة أو من بوابة حزب الله. وهو ما عبر عنه السفير الإيراني في لبنان محمد فتح علي بوضوح خلال مشاركته في ندوة جنوب لبنان في شهر يناير 2016، حينما أشار إلى أن رفع العقوبات عن بلاده سيعزز العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري بين إيران ولبنان. ويشير محللون إلى أن هدف إيران من السيطرة الاقتصادية والعسكرية على لبنان هو إيجاد موطئ قدم لها على المتوسط كما لم يحدث من قبل، وهو ما سيمكّنها من دور إقليمي أكبر في مفاوضة الغـــرب على مزيد من المكاسب خاصة بعد اتجاه الوضع في سوريا لتثبيت بقاء الرئيس بشار الأسد الموالي لها. كما أن حيازة موطئ قدم على المتوسط ستكمن إيران من التحرك بحرية في دعم المجموعات المقربة منها في إفريقيا وتقوية الشبكات التي يديرها حزب الله بالوكالة عنها، فضلاً عن تكثيف جهودها في نشر التشيع.
 
 -2 محاولة استنساخ تجربة “حزب الله” في سوريا
 منذ اندلاع الاضطرابات السورية عام 2011، وإيران تقف بكل قوتها وراء نظام بشار الأسد، وتعمدت إعطاء الحرب الدائرة فيها طابعاً مذهبياً، خصوصاً من خلال إدخال “حزب الله” في المعارك واعتماده خطاباً مذهبياً صافياً بأنه يدافع عن نظام ينتمي إلى الأصل المذهبي نفسه. بل وأعلن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئي، في سبتمبر 2011، حكماً للجهاد لصالح الحكومة السورية. ومن أجل كسب النظام الإيراني معركته في سوريا لم يتوان بتاتاً عن توظيف العامل الطائفي في سوريا، إذ قام باستقطاب أكبر عدد ممكن من أبناء الطائفة الشيعية للقتال في سوريا، وذلك عبر ترويجه المكثف لما أسماه “الجماعات السنية الجهادية التكفيرية” بوصفها تهديداً، ليس للنظام السوري “العلوي” فقط، وإنما للهوية الشيعية في بيئة الشرق الأوسط. 
 
ولم يتوقف هذا التوظيف للعامل الطائفي عند هذا المستوى، بل سعت إيران إلى إحداث تغييرات ديموغرافية داخل سوريا على أساس طائفي، فاقترحت نقل السكان الشيعة من قريتي كفريا والفوعة في محافظة إدلب إلى بلدة الزبداني الحدودية، في حين اقترحت نقل سكان الزبداني السُنة إلى المناطق ذات الغالبية السنية مثل حماة، بما أن معظمها تحت سيطرة الجماعات الإسلامية السنية، بينما تقع الزبداني على الحدود مع لبنان، الأمر الذي من شأنه مساعدة النظام الإيراني على ترسيخ سيطرته على ما يعتبره معاقل النظام السوري الذي يجعل موقعه الجغرافي طرقاً لإمداد النظام وحلفائه، فضلاً عن تحويل سكان هذه المناطق إلى موالين متشددين بما يسمح للنظام الإيراني ممارسة نوع من النفوذ على غرار تلك الذي يمارسه حالياً حزب الله في جنوبي لبنان.
 
 وبذريعة الدفاع عن المراقد الشيعية الموجودة في مختلف المناطق السورية، تم استدعاء حزب الله للقتال داخل سوريا، بعدما فشلت قوات الرئيس السوري بشار الأسد في سحق الثورة السورية، مع محاولة طهران تشكيل نسخه سورية منه، حيث سعت طهران إلى تنظيم اللجان الشعبية وتحويلها إلى قوات الدفاع الوطني، كما استنسخت تجربة “الباسيج” الإيراني.
 
 تشكل سوريا أهمية جيوسياسية واستراتيجية كبيرة لإيران، فهي بالنسبة لها بوابة النفوذ والتأثير، ومن خلالها يمكن الوصول إلى منطقة المتوسط. وسوريا هي طريق مرور المال والسلاح والخبرات الفنية والعسكرية لحلفاء إيران. وهذا الارتباط تحقق بفعل العلاقة الطويلة بين عائلة الأسد وإيران، كما أن العلاقة الوثيقة بينهما تحققت بفعل المصالح السياسية لا بفعل التقارب الفكري أو العقائدي كما يحلو للبعض أن يصور. وهذا يفسر الدعم الإيراني المتواصل لنظام بشار الأسد منذ بداية الأحداث في سوريا، لأنها تدرك أن مخاطر سقوط الأسد عليها ستكون كبيرة. وهذا صحيح، لأن هذا السقوط سيؤثر بلا شك في النفوذ الاستراتيجي الإيراني على الصعيد الإقليمي، وسيكون فاتحة لتراجع كبير على هذا الصعيد. وهذا ما عبر عنه العديد من قادة الحرس الثوري الإيراني، الذين أكدوا مراراً وتكراراً بأن “سوريا الأسد” تشكل العمق الاستراتيجي لنظامهم الذي يعيش حلم الإمبراطورية الفارسية التي التقت مصالحها بمصالح المؤسسة الدينية الحاكمة، وهذا يثبت ما يخلج ويتوارد في صدور قادة نظام ولاية الفقيه. 
 
-3 تقوية الأحزاب والميليشيات الشيعية في العراق 
تعتمد إيران على العامل المذهبي والديني في تعزيز نفوذها في العراق، حيث تحظى الأحزاب الشيعية بدعم هائل سياسياً ومالياً ولوجستياً من إيران في مقابل هيمنة النفوذ الإيراني على قرار هذه الحركات، ووضع العراق في سياق حسابات إيران الاستراتيجية في التعامل مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الأخرى. كما أن المؤسسات السياسية أو الدينية في إيران تقدم دعماً مالياً ودينياً لقوى شيعية في العراق، في حين تتعامل هذه القوى مع إيران بصفتها حاضنة قم، ومركز التشيع في العالم اليوم. وسعت إيران إلى إحداث اختراق ونفوذ في الجانب الديني، من خلال ربط شريحة واسعة من العراقيين تحت مسمى التشيع، واستغلال السياحة الدينية للعبث بالتركيبة الديموغرافية والقومية، إذ تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن نحو 3000 زائر إيراني يدخلون العراق يومياً، وبعضهم يستقر بطريقة غير شرعية.
 
وكان التدخل الإيراني في العراق، وخاصة بعد الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003، أحد أسباب الخلافات الإيرانية مع الدول العربية، خاصة مع المملكة العربية السعودية، لأن هذا التدخل ارتبط بممارسات دعمت موقع الشيعة وتغليبها على السنّة، بحيث تحول العراق بعد سقوط نظامه إلى ساحة لإيران مارست من خلالها المواجهة مع الولايات المتحدة، وعملت بقوة على دعم قيام نظام موال لها، من خلال شبكة علاقات وتحالفات معقدة واسعة، بحيث لا تستعيد بأي شكل من الأشكال تجربة النظام السابق. ويكفي أن نذكر أن العراق وقع مع إيران أكثر من مئة وسبعين اتفاقية في المجالات كافة لندرك ما بلغته العلاقة بين البلدين.
 
وتقدم إيران دعماً كبيراً لميليشيات الحشد الشعبي التي تم تشكيلها العام الماضي 2015 في إطار الحرب ضد “داعش”، حيث يترأس ميليشيات الحشد الشعبي جمال محمد جعفر، المعروف باسمه الحركي، أبو مهدي المهندس، الذي يقول عنه مسؤولون عراقيون، إنه اليد اليمنى لقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ويثني عليه البعض من مقاتلي الحشد الشعبي على أنه بمنزلة قائد لجميع القوات التي تعتبر كلمته كالسيف عليها. وعلى الرغم من إنكار الحكومة العراقية لوجود دعم إيراني لتلك المليشيات فإن وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي اضطر إلى الاعتراف بأن إيران تقدم دعماً كبيراً لمليشيات الحشد الشعبي المتحالفة مع القوات العراقية، بينما أكد قيادي في ائتلاف الوطنية برئاسة إياد علاوي أن الحرس الثوري الإيراني هو من يتولى تجهيز ميلشيات الحشد بالأسلحة والمعدات القتالية والدعم المالي.
 
الدعم الإيراني للجماعات والميليشيات الشيعية، يهدف بالأساس إلى تحقيق مصالح سياسية واستراتيجية لإيران، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن العراق كان دوماً أحد مصادر التهديد الأمني والاستراتيجي لإيران قبل الإطاحة بنظام صدام حسين، بل إنه كان منافساً إقليمياً واستراتيجياً لإيران، فالعراق يمثل أهمية استراتيجية وسياسية اقتصادية لإيران، فموقعه الجيوسياسي والحساس من جسم الأمة العربية ودوره في خلق التوازن الإقليمي دفع إيران إلى تعزيز نفوذها ووجودها فيه، كي تحيده، باعتباره قوة للأمن القومي العربي.
 
 -4 الحوثيون في اليمن
يأتي دعم إيران للحوثيين من منطق مصلحي وسياسي واستراتيجي بحت، صحيح أن الحوثيين يدينون بالمذهب الشيعي، ويرتبطون بعلاقات تاريخية مع المرجعية الشيعية في قم، إلا أن إيران سعت إلى توظيفهم في الصراع السياسي في اليمن، حيث تعتبر إيران الورقة الحوثية أداة في يدها وتعتبرها جزءاً جوهرياً لحركتها وصراعها الإقليمي والدولي، على أساس أن اليمن هي امتداد لمشروع إيران الإقليمي. أضف إلى ذلك أن إيران كانت تسعى إلى استنساخ نموذج “حزب الله” جديد في اليمن من خلال جماعة الحوثيين، لكن جاءت عملية عاصفة الحزم التي شنتها قوات التحالف العربي ضد الحوثيين بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015، لتحبط هذه المخططات الإيرانية.
 
وتكشف تصريحات علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى خامنئي، التي قال فيها “إن دم اليمنيين هو دم الإيرانيين، وقلب اليمن هو قلب إيران” مدى الاهتمام الإيراني باليمن، الذي يمثل أهمية استراتيجية وجغرافية كبيرة لها، وهذا يفسر الاهتمام الإيراني بدعم الحوثيين، حتى بعد “عاصفة الحزم”، والاقتراب من تحرير العاصمة صنعاء، حتى إن إيران ألمحت في شهر مارس 2015 إلى أنها ستستمر في دعم الحوثيين، الذي يتزايد الحصار عليهم مع اقتراب القوات المؤيدة للشرعية الدستورية من تحرير العاصمة صنعاء، فقد أعلن البريجادير جنرال مسعود جزايري نائب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية في مقابلة مع وكالة تسنيم للأنباء أن إيران قد ترسل مستشارين عسكريين لليمن لمساعدة الحوثيين على قتال تحالف عربي خليجي تقوده المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى إيران قد تدعم الحوثيين بنفس أسلوب دعمها للقوات الحكومية في سوريا.
 
يمثل اليمن في المنظور الإيراني أهمية كبيرة، بالنظر لموقعه الاستراتيجي المتميز الذي يتمتع به، حيث يمثل البوابة الجنوبية للوطن العربي عموماً والجزيرة العربية والخليج بشكل خاص. وتنبع أهمية اليمن من وجوده على أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية مثل مضيق باب المندب، الذي يمر خلاله ما يقارب من 3.2 مليون برميل نفط يومياً، أي تنبع الأهمية الاستراتيجية بحكم وجودها على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر؛ مما يضفي بعداً مهماً على هذا الموقع، وبالتالي فإن وجود إيران في هذا المكان الاستراتيجي يعزز من حضورها الإقليمي، ويساعدها على السيطرة على المداخل والمخارج الرئيسية لتجارة النفط الدولية. كما أن الوجود الإيراني في اليمن (عبر الحوثيين) يضمن لطهران إحدى أوراق الضغط والمساومة ، التي يمكن أن توظفها في دائرة منافستها وصراعها المستتر مع دول الخليج العربية، وتحديداً المملكة العربية السعودية، في توليد مضايقات ومشكلات لهذه الدول، خاصة مع وجود التجمعات الحوثية والشيعية في شمال اليمن بالقرب من السعودية، وما يمثله ذلك من مشكلات أمنية عديدة للمملكة وعرقلة أي محاولات أو جهود خليجية من أجل إعادة الاستقرار في اليمن، علاوة على أن اليمن يمثل العمق الديموغرافي والجغرافي لدول ومجتمعات دول الخليج العربية. 
 
 -5 الجمعيات الشيعية في مملكة البحرين
 منذ الثورة الإيرانية، بدأت طهران تسعى إلى تصدير ثورتها إلى مملكة البحرين المجاورة، وكانت وراء تكوين الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، والتي أصدرت بياناً إبان تأسيسها تبين فيه أهدافها المتمثلة في “تحرير البحرين”، وإقامة نظام موال للنظام الثوري الخميني في إيران، وتحقيق استقلال البلد عن مجلس التعاون الخليجي، وربطها مباشرة بالجمهورية الإيرانية. وقامت الجبهة بمحاولة انقلاب في ديسمبر 1981 الذي فشل فشلاً ذريعاً، وفي منتصف الثمانينات عقد قادة الجبهة اجتماعاً مع المسؤولين في المخابرات الإيرانية، للاتفاق على إنشاء الجناح العسكري للجبهة، وتم حينها تجنيد 3 آلاف شخص لهذا الحزب، على أن يكون تدريبهم في إيران ولبنان. 
 
وتقدم إيران الدعم للعديد من الحركات السياسية في البحرين، كجمعية الوفاق ذات الولاء للولي الفقيه الإيراني، إلى جانب ائتلاف 14 فبراير ذي السمة السياسية الإسلامية الشيعية الذي تشكل في أعقاب الأحداث التي شهدتها مملكة البحرين في فبراير 2011، حيث يقول المتابعون إن له قيادة ذات رأسين، داخلية وخارجية، تتمثل في هادي المدرسي أحد مؤسسي التيار الشيرازي الانقلابي في مملكة البحرين، وهو من يدعم هذا الائتلاف طائفيًا، وهذا ما يؤكد، حسب الخبراء في شؤون الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، أن المنطلقات التي تأسس عليها هذا الائتلاف طائفية ذات غطاء شيرازي. كما يعتمد ائتلاف 14 فبراير على قيادات خارج البحرين ويمتد نشاطهم بين إيران والعراق ولبنان للحصول على الدعم المادي والمعنوي والتدريب على الأسلحة.
 
واتهمت مملكة البحرين مراراً إيران في السنوات الأخيرة بالوقوف وراء هجمات متكررة ضد رجال الشرطة، وأعلنت السلطات البحرينية في 4 نوفمبر الماضي 2015، القبض على خلية “إرهابية” مؤلفة من 47 عنصراً على صلات بإيران. ووصلت الاتهامات إلى تقديم وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة، في 3 أكتوبر 2015، شكوى لدى الأمم المتحدة ضد إيران، لما وصفها بانتهاكاتها السافرة واستمرار تدخلها المرفوض في الشأن الداخلي للمملكة.  
 
  -6 محاولات تأليب الشيعة في دول مجلس التعاون
 منذ اندلاع الثورة الإيرانية نهاية سبعينيات الماضي، وطهران تسعى إلى اختراق المجتمعات الخليجية عبر تأليب الشيعة الموجودين فيها، وتوظيفهم في الضغط على دول الخليج العربية، بل وتعاملت معهم باعتبارهم امتداداً جغرافياً لها. وحاولت إيران التواصل مع شيعة السعودية، وتوظيفهم كأداة للضغط على المملكة، وفي أواخر سنة 1979، اندلعت الاضطرابات الواسعة في القطيف وسيهات وجاءت متزامنة مع أيام الحداد الديني لدى الشيعة (عاشوراء) واحتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران، وأحداث جهيمان في مكة، والتي جاءت بتحريض من إيران.
 
وطيلة هذه السنوات، كانت إيران تحاول تحريض شيعة السعودية ضد المملكة العربية السعودية، تارة بإثارة مطالب اقتصادية خاصة بهم، وتارة أخرى بإشراكهم في الحكم، بل وصل الأمر إلى التدخل مباشرة في أحكام القضاء السعودي، احتجاجاً على إعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، وحذرت إيران المملكة من مغبة تنفيذ حكم الإعدام. وبدا واضحاً في طريقة تعامل إيران مع قضية النمر أنها تتعامل معه باعتباره مواطناً إيرانياً، وليس سعودياً، متجاوزة في ذلك أبسط مبادئ العلاقات الدولية، ولاسيما عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخری، لتعكس بذلك نظرة النظام السياسي الإيراني الضيقة للطائفة الشيعية في الدول الخليجية تنفيذاً للمادة (154) من الدستور الإيراني التي تنص على أن “جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم”، أي مشروعية التدخل في شؤون الدول الأخرى بنص دستوري صريح، كما سبقت الإشارة. وجاء الرد الإيراني على إعدام نمر النمر في يناير 2016 مبالغاً فيه، فقد هاجم المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، ساسة السعودية وقال “إن العقاب الإلهي سيحل بالساسة السعوديين لإعدامهم رجل دين شيعياً”. 
 
وحاولت إيران التواصل مع الشيعة الموجودين في الكويت خلال السنوات الماضية، خاصة أن قرب الكويت جغرافياً وديموغرافياً من إيران وجنوب العراق والمنطقة الشرقية في السعودية، حيث توجد الكثافة الشيعية في المنطقة، يجعل الكويت على تماس مباشر مع النفوذ الإيراني والنشاط الشيعي بجميع ألوانه السياسية وتحولاته التي مرّ بها منذ الثورة الإيرانية في العام 1979 إلى اليوم. 
 
ولم تقتصر محاولات إيران فقط على تأليب شيعة الخليج، بل سعت أيضاً إلى محاولة استنساخ تجربة “حزب الله” في الدول الخليجية، لزعزعة الأمن والاستقرار الداخلي في هذه الدول، ومن ذلك “حزب الله” البحريني، والذي هو امتداد للجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ومقرها طهران، وقد قام الحزب بعدة عمليات تخريبية في البحرين ما بين عام 1994م، و1996م ـ وفي منتصف الثمانيات وبالتحديد عام 1987م تم إنشاء الجناح العسكري لمنظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، واتفق على تسميته بحزب الله الحجاز، وتولى هذا الحزب تنفيذ العمليات الإرهابية في السعودية، بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني لإشعال الفتن ونشر الإرهاب في أيام الحج، وتم التأسيس عن طريق الحرس الثوري الإيراني، بإشراف ضباط المخابرات الإيرانية، وبتجنيد الشيعة السعوديين الذين يدرسون في قم الإيرانية، وقام هذا الحزب بالتنسيق مع المخابرات الإيرانية بافتعال المظاهرات الحاشدة في مواسم الحج بغرض التخريب. كما كان لإيران دور في إنشاء “حزب الله” الكويت والذي اتخذ له أسماء منظمات وهمية مثل: طلائع تغيير النظام للجمهورية الكويتية، وصوت الشعب الكويتي الحر، ومنظمة الجهاد الإسلامي، وقوات المنظمة الثورية في الكويت، تأسس بمجموعة من شيعة الكويت كانت تدرس في الحوزة الدينية في قم، ويرتبط معظمهم بالحرس الثوري الجمهوري الإيراني، ويتدربون لديه، وقد حاولت المخابرات الإيرانية بعد سيطرتها على جنوب العراق بعد الغزو الأمريكي على إحياء هذا الحزب في الكويت، وتهريب السلاح له. 
 
ولم تكتف إيران بذلك، بل لجأت إلى شبكات التجسس لاختراق المجتمعات الخليجية، ففي الكويت، أعلنت السلطات الكشف عن أكثر من شبكة تجسس لطهران، وكان آخرها ما يعرف بـ”خلية العبدلي” التي تم الكشف عنها في ديسمبر 2015، وهي الخلية التي أدينت بالتجسس لمصلحة إيران وحزب الله، وعثر بحوزتها على ترسانة ضخمة من الأسلحة والمتفجرات في الكويت. وفي المملكة العربية السعودية، أعلنت السلطات في شهر فبراير 2016 أنها بدأت في محاكمة 32 شخصاً من بينهم 30 من الأقلية الشيعية في المملكة بتهمة التجسس لمصلحة إيران. وشملت لائحة الاتهام تكوين خلية تجسس بالتعاون والارتباط والتخابر مع عناصر من المخابرات الإيرانية وتقديم معلومات في غاية السرية والخطورة في المجال العسكري والسعي لارتكاب أعمال تخريبية ضد المصالح والمنشآت الاقتصادية والحيوية في السعودية وتفكيك وحدة المجتمع وإثارة الفتنة الطائفية والمذهبية. كما شملت الاتهامات تأييد المظاهرات وأعمال الشغب التي وقعت بالقطيف التي تقطنها أغلبية شيعية في شرق البلاد، والعمل على تجنيد أشخاص يعملون في أجهزة الدولة للتجسس والتخابر وإعدادهم وإرسالهم عدة تقارير مشفرة للمخابرات الإيرانية عبر البريد الإلكتروني والخيانة العظمى لبلادهم وملكهم.
 
الخلاصة
يشير كل ما سبق إلى حرص إيران الشديد على البعد الطائفي في سياستها الخارجية حيال دول الجوار العربية، حيث ترى في الطائفية ركيزة حيوية تتيح لها الضغط على دول الخليج العربية، وإذا أضفنا إلى هذا المشروع التوسعي الأيديولوجي الطابع، سلوكيات إيران وإصرارها على التمسك بسياسات بائدة مثل احتلالها للجزر الإماراتية (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبوموسى) ورفضها جميع صيغ تسوية هذه القضية من خلال الحوار الجاد المباشر مع دولة الإمارات أو القبول بالتحكيم الدولي، فسندرك أن إيران تسعى إلى الهيمنة الإقليمية، ولا تمتلك إرادة التعايش السلمي في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-04-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1128

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره