مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-08-08

الإمارات والسعودية..علاقات أخوية وشراكات راسخة في مواجهة التحديات والمخاطر

تمثل العلاقات الإماراتية- السعودية نموذجاً للعلاقات الأخوية بين الأشقاء، ليس فقط لأنها تشهد نمواً مضطرداً في المجالات كافة، وإنما لأنها أيضاً أصبحت تمثل ضمانة قوية للأمن القومي الخليجي والعربي بوجه عام ؛ بالنظر إلى تطابق وجهات نظَرَي البلدين الشقيقين تجاه مجمل قضايا المنطقة، وتعاونهما البنَّاء والمثمر في التعامل مع التحديات التي تواجهها؛ وفي مقدمتها التصدي لخطر التطرف والإرهاب، والقوى والأطراف الداعمة له، ومواجهة التدخلات الخارجية في دول المنطقة. وتسلط “درع الوطن” الأضواء في هذا الملف على بعض جوانب هذه العلاقات وأسسها وركائزها المتينة.
 
لا شك في أن توجه دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية نحو تأسيس مجلس تنسيقي مشترك في مايو من العام 2016 قد شكل نقلة نوعية ومرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، ليس فقط لأن هذا المجلس قد أضفى الطابع المؤسسي على العلاقات بين الدولتين، ويساعدهما على تحقيق المزيد من تنسيق المواقف الثنائية، وإنما أيضاً لأنه دشن قناة فاعلة للاتصال المباشر والمستمر بينهما، وبالتالي يساعدهما على اتخاذ القرارات اللازمة للتعامل مع القضايا الاستراتيجية الملحة بشكل آن وفعال، ووفق أسس وقواعد مدروسة ومحددة مسبقاً، كما أن الآلية التي تم استحداثها لمتابعة عمل هذا المجلس، والمتمثلة في “خلوة العزم”، تؤكد في جوهرها حرص الدولتين على تحقيق الأهداف والغايات الثنائية، وتحقق طموحات شعبيهما في الحفاظ على مكتسبات التنمية وتعزيز الأمن والاستقرار والرفاه.
 
خصوصية العلاقات الإماراتية - السعودية
الواقع أن تميز العلاقات الإماراتية- السعودية لم يأت من فراغ، وإنما هو محصلة لعوامل ومقومات عديدة، تاريخية وقيادية واقتصادية وأمنية وثقافية ومجتمعية، أسهمت في تنامي هذه العلاقات بشكل مستمر في المجالات المختلفة، ويمكن تناول هذه العلاقات على النحو التالي:
1 - الميراث التاريخي: حيث لعبت القيادة التاريخية للدولتين دوراً رئيسياً في وضع لبنات وأسس هذه العلاقات، فالمغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأخيه الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، يحسب لهما أنهما وضعا الأساس القوي للعلاقات بين الدولتين، والذي ضمن تطورها طيلة السنوات الماضية في المجالات المختلفة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية. 
 
وتواصل الدولتان هذه المسيرة المعطرة، بقيادة صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث تدرك قيادتا الدولتين أهمية العمل على تطوير هذه العلاقات بشكل مستمر ومتواصل لما فيه مصلحة الشعبين الشقيقين. دور العامل التاريخي في تطوير العلاقات الثنائية، عبر عنه بوضوح صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وليّ عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة،  بقوله إن “العلاقات الإماراتية - السعودية تجسيد واضح لمعاني الأخوة والمحبة والروابط التاريخية المشتركة”. 
 
وهناك العديد من الشواهد والمعطيات التي تجسد روح التفاهم والانجسام في المواقف والرؤى التي كانت تربط الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “رحمه الله” بالمملكة مثلما تربط هذه الروح أيضا القيادتين في الوقت الراهن، مابين صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان “حفظه الله” و خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، نظرا لإيمانهما العميق بالجذور التاريخية المتأصلة العميقة لهكذا علاقة أخوية قوية ومتميزة وراسخة كرسوخ ثبات مواقف هذه البلدان نحو الأهداف السامية، وأهمية تعزيزها من اجل البلدين معاً والمنطقة كافة.
 
2 - التقدير والاحترام المتبادل: لعل أهم ما يميز العلاقات الثنائية بين الدولتين أنها تقوم على التقدير والاحترام المتبادل، فدولة الإمارات العربية المتحدة تدرك جدياً أهمية المملكة العربية السعودية ودورها في المنطقة؛ وهي تثمّن دائماً الجهود التي تبذلها المملكة من أجل توطيد أواصر العلاقات الخليجية – الخليجية، وتعزيز التضامن العربي، وإطلاق المبادرات التي تسعى إلى إخراج المنطقة العربية من الأزمات التي تمر بها؛ كما تقدر المملكة العربية السعودية الدور الذي تقوم به دولة الإمارات في الحفاظ على أسس الأمن والاستقرار في المنطقة، ومواقفها الداعمة للتحركات السعودية الهادفة إلى التصدي لمصادر الخطر التي تهدد أمن واستقرار دول المنطقة.
 
وقد عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عن رؤية الإمارات للعلاقة مع المملكة العربية السعودية، والتقدير الكبير الذي تحظى به المملكة وقيادتها لدى الإماراتيين والعرب والمسلمين جميعاً في العديد من المناسبات حيث قال سموه خلال زيارته للمملكة في يناير من العام 2017 خلال تهنئته المملكة العربية السعودية الشقيقة بالذكرى الثانية لتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، مقاليد الحكم في المملكة: “إن الجهود التي تبذلها المملكة في إدارة ملفات مصيرية تواجه العالمين العربي والإسلامي، تعزز آمالَ تجاوزها والتغلب عليها بحكمة ورؤية الملك سلمان”. 
 
ولا شك في إن هذا التقدير المتبادل بين قيادتي الدولتين، وتثمين ما تقومان به من أدوار في الدفاع عن المصالح الخليجية والعربية والإسلامية، يمثلان في جوهرهما سمة مميزة للعلاقات بين البلدين الشقيقين، تقوم على أسس راسخة من الأخُوَّة والاحترام والتقدير المتبادَلة؛ والرؤى والمواقف الثابتة والمتسقة تجاه ملفات وأزمات المنطقة، ومختلف قضايا العالم.
 
3 - عمق المصالح المشتركة وقوتها بين الدولتين: والتي تمثل قاعدة رئيسية لتطور مسيرة العلاقات الثنائية فيما بينهما، وهذه المصالح تتنوع ما بين السياسية والاقتصادية والتجارية والتنموية وتستهدف بالأساس تعميق مكتسبات التنمية والرفاهية والرخاء لشعبي الدولتين. 
 
وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، خلال زيارته للمملكة في ديسمبر من العام 2016 وحديثه لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عمق العلاقات الأخوية التي تجمع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، منوهاً سموه بقوة وصلابة ما وصل إليه تعاون وتضامن البلدين الراسخ في مختلف المجالات، خاصة فيما يتعلق بمواجهة التحديات التي تواجه المنطقة، ورؤيتهما المشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار، ومجابهة مخاطر الإرهاب والتطرف.
 
4 - التفاهم المشترك والمواقف الموحدة إزاء قضايا المنطقة والعالم: لم تكن تتطور العلاقات بين الدولتين على هذا النحو المتسارع إلا إذا كانت رؤيتهما متطابقة ويجمعهما التفاهم والتنسيق المشترك، على النحو الذي بدا واضحاً في الكيفية التي تعاملت بها الدولتان في العديد من القضايا والملفات خلال الأعوام القليلة الماضية على مختلف الصعد، الخليجية والعربية والإقليمية والدولية. بل أن امتلاك الدولتين لرؤية مشتركة يمثلان صمام الأمان ليس لدول المنطقة فحسب، بل لكل النظام العربي والإسلامي، الذي يتعرض لمهددات التفكك والانهيار في بعض دوله وتنامي الإرهاب، وظهور مليشيات مسلحة بديلة لسلطة الدولة، والتدخلات العدائية من بعض دول الإقليم.
 
 والحقيقة التي لابد من التوقف عندها هي أن دولة الإمارات كانت على الدوام السباقة، لتفهم ومساندة الخطوات والآراء والمواقف الحكيمة للمملكة العربية السعودية، ولاسيما فيما يتعلق منها بأمن منطقة الخليج والمنطقة العربية عموماً، ومن هنا جاءت مساندتها ودعم التحالف العربي وإطلاق عاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن الشقيق ، فضلاً عن دعمها للمواقف السعودية في محاربة التطرف والإرهاب والتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات وتبادل الزيارات المتكررة والتشاور مابين القياديين على حماية المنطقة واستقرار شعوبها.
 
5 - التعاون البناء في مواجهة تحديات المنطقة: لا شك أن التفاهم المشترك والمواقف المتطابقة بين الدولتين ترجم في التعاون الفاعل بينهما، والقيام بأدوار محورية كان لها عظيم الأثر في الحفاظ على الأمن القومي الخليجي والعربي بوجه عام، وباتت هناك قناعة راسخة الآن لدى الشعوب العربية بأن التعاون بين المملكة العربية السعودية والإمارات أمر حيوي واستراتيجي ليس لاستعادة الاستقرار الإقليمي فحسب، بل لحفظ الأمن والسلم الدوليين أيضاً.
 
ولعل ما يعزز هذا التصور هو ما تتمتع به الدولتان من ثقل سياسي واستراتيجي واقتصادي ، يؤهلهما لقيادة المرحلة الراهنة في العمل العربي المشترك، والبناء على ما تم إنجازه من تعاون بين الدولتين خلال العامين الماضيين في العديد من الملفات الإقليمية الحساسة ، سواء فيما يتعلق بعمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن، أو فيما يتعلق بالتنسيق المشترك لمواجهة مخاطر التطرف والإرهاب في المنطقة، أو فيما يتعلق بالتصدي لمحاولات التمدد الإيراني في دول المنطقة.
 
مجلس التنسيق المشترك .. نقلة نوعية للعلاقات الإماراتية- السعودية
جاء توقيع اتفاقية إنشاء مجلس التنسيق السعودي-الإماراتي في مايو 2016  ليؤكد عمق الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية بين الدولتين، وحرص قيادتهما على الانطلاق بمسار العلاقات الثنائية نحو مرحلة جديدة في المجالات كافة.
 
وعلى الرغم من أن البلدين تجمعهما شراكة تاريخية مع باقي دول الخليج ضمن منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، فإن العلاقات الإماراتية-السعودية بشكل خاص، كانت تتميز على الدوام بالتقارب الوطيد، ولا سيما أن القيادة الإماراتية كانت ولا تزال ترى في السعودية عمقاً استراتيجياً في محيط إقليمي متذبذب، وهذا ما عبرت عن تصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بمناسبة الإعلان عن هذا المجلس، حيث أكد سموه على عمق ما يربط البلدين الشقيقين من علاقات أخوية وصلبة تستند إلى إرادة قوية ومشتركة لتحقيق مصالح البلدين وتعزيز دورهما في تحقيق أمن واستقرار المنطقة، مشيراً إلى أن التحديات الماثلة أمام المنطقة تحتم مضاعفة الجهود والتنسيق المكثف والتشاور المستمر لمواجهة الأجندات الخارجية ومخاطر الإرهاب والتطرف. 
 
وأشاد سموه بالدور المحوري الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ورؤيته الثاقبة لمجريات الأحداث في المنطقة والتعامل معها وفقا لمقتضيات أمن واستقرار دول وشعوب المنطقة ورعاية مصالحها وحرصها على تماسك ووحدة الصف العربي وتضامنه.  
 
يشكل مجلس التنسيق السعودي الإماراتي مرحلة متقدمة في مسار العلاقات الثنائية، وينتقل بها إلى طور استراتيجي جديد يقوم على آلية واضحةٍ للدفع بها إلى مستويات أعلى وآفاق أرحب بما يخدم الرؤية المشتركة التي تتقاسمها قيادتا البلدين منذ سنوات وعقود، قبل أن تتحول بمناسبة المجلس الجديد إلى التزام مشترك من جانب الدولتين بتحمل مسئولية الدفاع عن القضايا الخليجية والعربية. 
 
والواقع أن مجلس التنسيق السعودي- الإماراتي المشترك ينطوي على أهمية متزايدة بالنظر إلى العديد من الاعتبارات، لعل أبرزها:
1 - إضفاء الطابع المؤسسي على العلاقات بين الدولتين، والعمل على تحقيق المزيد من تنسيق المواقف الثنائية، فهذا المجلس يدشن نافذة وقناة للاتصال المباشر والمستمر بينهما، وبالتالي يساعدهما على اتخاذ القرارات اللازمة للتعامل مع القضايا الملحة بشكل آني وفعال، ووفق أسس وقواعد مدروسة ومحددة مسبقاً، وهي خطوة كبيرة تقطعها الدولتان نحو تحقيق الأهداف والغايات الثنائية وتحقق طموحات قياداتهما وتلبية تطلعات شعبيهما.
 
2 - الحفاظ على مكتسبات التنمية والأمن والاستقرار في الدولتين، يمثل هذا المجلس حائط صد يحمي مكتسبات الشعبين الإماراتي والسعودي في مواجهة التحديات، بما في ذلك التدخلات الخارجية في شؤون دول المنطقة، إلى جانب المخاطر التي ترتبط بتنامي مظاهر الإرهاب والتطرف وانتشار الجماعات المسلحة، التي تسيطر على مساحات كبيرة في بعض دول المنطقة، وهو الوضع الذي يستلزم من الدول، حكومات وشعوباً، ضرورة التوحد والتقارب والتعاون لمواجهة هذه التحديات.
 
3 - تعزيز آلية التنسيق والتشاور بين الدولتين في الأمور والمواضيع ذات الاهتمام المشترك في المجالات كافة، حيث يجتمع هذا المجلس بشكل دوري وذلك بالتناوب بين البلدين ويجوز لرئيس هذا المجلس  إنشاء لجان مشتركة متى دعت الحاجة الى ذلك وتسمية أعضائها وتعقد اللجان المشتركة التي يكونها المجلس اجتماعاتها بشكل دوري وذلك بالتناوب بين البلدين. 
 
4 - تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، خاصة أن هذا المجلس يعطي لهذه الشراكة الشكل المؤسسي، باعتباره الإطار الذي يتم من خلاله تنفيذ الرؤية الاستراتيجية لقيادتي البلدين للوصول إلى العلاقات الثنائية إلى آفاق أرحب وأوسع، تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتنموية والتعاون البيئي والعلمي.
 
خلوة العزم... آلية مبتكرة لترجمة أهداف مجلس التنسيق المشترك 
لم تكتف دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بتأسيس مجلس التنسيق المشترك، وإنما استحدثا آلية مبدعة لتنفيذ أهدافه على أرض الواقع، وتطوير العلاقات الثنائية في المجالات كافة، وتتمثل في (خلوة العزم)، التي جاءت انطلاقاً من توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة ، حفظه الله، وأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، لتعزيز العلاقات التاريخية بين الإمارات والسعودية، ووضع خريطة طريق لها على المدى الطويل. 
 
ويجمع الخبراء على أن خلوة العزم هي تجسيد عملي للعصف الذهني الذي ينتج الأفكار الإبداعية والخلاقة التي تخدم الإنتاجية والمجتمع وتحسن جودة الحياة وتيسرها على الجميع، وهي آلية ستفتح المجال لأن يكون هناك تكامل أكبر وأكثر طموحًا بين الدولتين في مجالات لا حدود ولا سقف لها، كما عبرت عنه القضايا والمحاور التي تم مناقشتها في الخلوتين.
 
وتعكس “خلوة العزم” حرص البلدين، على توطيد العلاقات الأخوية بينهما، والرغبة في تكثيف التعاون الثنائي عبر التشاور والتنسيق المستمر في مجالات عديدة وتعزيز دور منظومة العمل الخليجي المشترك، ولمناقشة المجالات ذات الاهتمام المشترك، ووضع إطار عام وخطط لعمل مجلس التنسيق السعودي الإماراتي. 
 
وقد انعقدت فعاليات الخلوة الأولى في الإمارات في شهر فبراير 2017،  وناقشت ضمن أجندتها ثلاثة محاور استراتيجية تختص بالجانب الاقتصادي، والجانب المعرفي والبشري، والجانب السياسي والأمني والعسكري، وشاركت في الخلوة فرق عمل ضمت أكثر من 150 مسؤولاً من الحكومتين الإماراتية والسعودية، وخبراء في القطاعات المختلفة، إضافة إلى ممثلي القطاع الخاص، وذلك ضمن 10 فرق عمل مختلفة كمرحلة أولى من أصل 20 فريق عمل. 
 
وفي شهر أبريل 2017 انعقدت فعاليات الخلوة الثانية في الرياض بحضور ومشاركة الوزراء وكبار المسؤولين والمديرين العموم في البلدين. وشارك في أعمال المجموعة الثانية للخلوة فرق عمل ضمت أكثر من 200 مسؤول من حكومتي البلدين وخبراء في القطاعات المختلفة، بالإضافة إلى ممثلي القطاع الخاص، وذلك ضمن 11 فريق عمل مختلفاً استكمالاً للعمل الذي قامت به 9 فرق عمل خلال الخلوة المنعقدة في أبوظبي في فبراير الماضي.
 
وأتاحت هذه الخلوة للطرفين التشاور في قضايا بالغة الأهمية، بما يتعلق بالقطاع اللوجستي والبنية التحتية، وكيفية تطوير المطارات الموجودة في البلدين، وتعزيز دورها في دعم الاقتصاد وتطوير الموانئ في البلدين، وتحويلهما إلى المركز الأساسي للشحن البحري في المنطقة، إضافة إلى سبل تعزيز وسائل الربط الجوي بين البلدين من خلال سياسة الأجواء المفتوحة. كما شكلت خلوة العزم، المنصة الأمثل لبحث القوانين اللازمة لرفع حجم رؤوس الأموال الضخمة في المنطقة وتعزيز التكامل بين الأسواق المالية العاملة في البلدين، بالإضافة إلى تحديد التشريعات والسياسات التي يجب سنها لتعزيز الثقة في الأسواق وحماية الاستثمارات الأجنبية في البلدين. 
 
كما ناقشت الخلوة القوانين اللازمة لرفع حجم رؤوس الأموال الضخمة في المنطقة وتعزيز التكامل بين الأسواق المالية العاملة في البلدين، بالإضافة إلى تحديد التشريعات والسياسات التي يجب سنها لتعزيز الثقة في الأسواق وحماية الاستثمارات الأجنبية في البلدين. كما فتحت خلوة العزم آفاقاً جديدة للتعاون في مشاريع اقتصادية استراتيجية تدفع عجلة النمو في كلا البلدين.
 
أهمية خلوة العزم ليس فقط أنها تناقش مختلف مجالات التعاون بين الدولتين بشكل تفصيلي، وإنما أيضاً تعمل على إيجاد الحلول لأية عقبات تؤثر في مسار التعاون ، بل أنها تمهد الطريق لإيجاد بيئة عمل مناسبة تسهم في بناء شراكة مع كل قطاعات ومؤسسات الدولة الحيوية في البلدين للتعامل بفاعلية مع الأزمات وإدارتها وبما يؤدي إلى التخفيف من حدة مخاطرها وتبعاتها والوصول إلى تحقيق التعافي. ولهذا فإنها تحظى باهتمام متزايد من جانب القيادة الرشيدة في الدولتين.
 
شراكة استراتيجية متنامية وشاملة 
التطور المتنامي في العلاقات بين الدولتين في المجالات كافة عزز من شراكتهما الاستراتيجة التي أصبحت نموذجاً للكيفية التي تدار بها العلاقات بين الدول الشقيقة والصديقة، وبما يعزز المصالح المشتركة. 
 
وتتميز الشراكة بين الدولتين بمجموعة من الخصائص المهمة، أولها أنها شاملة ولا تقتصر على الأبعاد السياسية والاستراتيجية ، بل تتضمن أيضاً التوافق حول الرؤى الاقتصادية، خاصة أن البلدين ينتهجان استراتيجية متشابهة تنطلق من وقف الاعتماد على الموارد النفطية، والسعي لإنشاء صناعات ثقيلة تكون عماداً للاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة.
 
ثانيها أنها ترتكز على أطر مؤسسية قوية، تتيح لها النمو المستدام وفتح آفاق واسعة للمستقبل، خاصة بعد تأسيس مجلس التنسيق المشترك في مايو من العام 2016. وثالثها قوة ومتانة هذه الشراكة، التي تأتي تجسداً للعلاقات التاريخية، والتقدير المتبادل بين قيادتي الدولتين، والتفاهمات المشتركة، حيث أدركت قيادتا الدولتين منذ وقت  مبكر أهمية التنسيق والتعاون بين الدول العربية عامة، ودول مجلس التعاون الخليجي بصفة خاصة. 
 
ورابعها أنها تستهدف الحفاظ ليس فقط على المصالح المشتركة للدولتين، وإنما تتجاوز ذلك إلى العمل من أجل المصالح الخليجية والعربية المشتركة، ولهذا تعول شعوب المنطقة على الدولتين في مواجهة التحديات المختلفة، وتعزيز أسس الأمن والاستقرار في المنطقة.
 
أما عن مجالات الشراكة الثنائية بين الدولتين، فإنها تتضمن مختلف الأوجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
1 - المجال السياسي: وينصرف إلى المواقف المشتركة والمتطابقة للدولتين إزاء العديد من القضايا، وكيفية التعامل معها، وقد وصل التفاهم السياسي بين الدولتين خلال السنوات الماضية إلى درجة غير مسبوقة، كان أبرز مظاهرها، الرؤية المشتركة للجانبين في الحفاظ على أمن المنطقة وصون مكتسباتها ورعاية مصالحها والدفاع عنها، وتضامن الإمارات مع المملكة العربية السعودية في المواقف والسياسات التي تتخذها حفاظاً على أمنها واستقرارها، ولعل من الشواهد على ذلك، قيام وزارة الخارجية الإماراتية في يناير 2016 باستدعاء السفير الإيراني لدى الدولة، وسلمته مذكرة احتجاج خطية على خلفية التدخل الإيراني في الشأن الداخلي للسعودية.
 
وذكرت الوزارة في بيان رسمي إن الاعتداءات التي وقعت على مقار البعثات الدبلوماسية السعودية في طهران ومدينة مشهد تمثل انتهاكاً للمواثيق والأعراف الدولية. كما أن الأزمة اليمنية تعتبر واحدة من أبرز الملفات التي تتصدر ملفات السياسة الخارجية للبلدين نظراً لما تشكله هذه القضية من أهمية محورية للأمن الخليجي بشكل خاص والعربي بشكل عام، وكان للتنسيق السياسي المشترك بين الدولتين في هذه الأزمة مردوده الإيجابي، وأثمر عن تشكيل مجموعة “الرباعية” الخاصة باليمن،  والتي تضم أيضاً كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا، وتعد هذه المرجعية، الرباعية، ضمانة سياسية بأن تكون الحلول النهائية بمنأى عن التشويش الذي يسعى إليه الانقلابيون الحوثيون وحلفاؤهم الإقليميون في اليمن. 
 
كما يحسب للدولتان نجاحهما في إعادة التوازن إلى العلاقات الأمريكية- الخليجية والعربية والإسلامية عموماً، وبدا هذا في مخرجات القمة الخليجية- الأمريكية التي جمعت قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرياض في مايو 2017، والتي أكدت قوة العلاقات بين الجانبين، وأنها تستند إلى مرتكزات قوية وأسس ثابتة، تجعل منها نموذجاً للعلاقات المتطورة باستمرار في المجالات المختلفة، وأنها قادرة على تجاوز أي فتور قد تشهده في أي فترة زمنية بسبب الخلافات حول بعض القضايا.
 
ولعل الإشارة المهمة التي تكشف حرص الولايات المتحدة على تطوير علاقاتها مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة قبيل انعقاد القمة من :”أن التوترات التى شابت العلاقات الخليجية - الأمريكية فى عهد باراك أوباما لن تتكرر مع إدارته”، الأمر الذي يؤكد أن العلاقات بين الجانبين مرشحة لنقلة نوعية غير مسبوقة في المجالات كافة خلال الفترة المقبلة، وأن إدارة الرئيس دونالد ترامب حريصة على تجاوز الميراث السلبي لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما، والتي كانت سبباً في التوتر الذي شاب العلاقات مع دول المجلس، لغضها الطرف عن سياسات إيران العدائية، وتدخلاتها المستمرة في شئون العديد من دول المنطقة، وهو ما أسهم في تعقيد أزمات المنطقة المختلفة، وخاصة الأزمتين السورية واليمنية، التي تتدخل فيهما طهران بشكل فج وصريح.
 
وقد لعبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة دوراً رئيسياً في إعادة مسار العلاقات بين الولايات المتحدة والعالمين العربي والإسلامي، ونزع فتيل التوترات، وتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة ودول العالم الإسلامي من أجل بناء تحالف حضاري في مواجهة الإرهاب وأعداء الحضارات والأديان.
 
وكان للزيارة المهمة والناجحة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الولايات المتحدة في شهر مايو 2017، والتي جاءت قبيل انعقاد القمة الخليجية الأمريكية، والقمة الإسلامية الأمريكية، أثرها الفاعل في هذا السياق، فالمباحثات التي أجراها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع سموه، والتي تضمنت جملة من القضايا الإقليمية والدولية، تركزت حول التدخلات الإقليمية المزعزعة للأمن في منطقة الشرق الأوسط، والأزمة السورية ومسار الجهود الدولية الجارية في شأنها، والقضية الليبية، وإن كانت تشير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية حريصة على الاستماع إلى وجهات نظر الإمارات والاستفادة منها في تقييمها لتطورات المنطقة، فإنها تؤكد في الوقت ذاته على أن مواقف وسياسات الإمارات إزاء القضايا المختلفة باتت تحظى بتقدير دول العالم أجمع، لأنها تعبر عن آمال وتطلعات الشعوب العربية والإسلامية في الأمن والسلام والاستقرار، ولهذا جاءت القمة الإسلامية- الأمريكية في الرياض معبرة عن ذلك بوضوح، وأكدت أن الإمارات والسعودية تقودان معاً المواجهة الإقليمية للتطرف والإرهاب.
 
2 - المجال الاقتصادي والتجاري: تعتبر العلاقات التجارية والاقتصادية بين الإمارات والمملكة العربية السعودية هي الأعلى بين مثيلاتها في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية،  وتشهد نمواً مضطرداً في العديد من المجالات، ولعل أبرز المؤشرات على ذلك:
  •  تعد الإمارات واحدة من أهم الشركاء التجاريين للمملكة على صعيد المنطقة العربية بشكل عام، ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، حيث يعد حجم التبادل التجاري بين الجانبين الأعلى بين دول مجلس التعاون الخليجي، ويبلغ 84 مليار درهم، وفقاً لآخر الإحصاءات  والبيانات المعلنة.
  • بلغ إجمالي واردات المملكة من دولة الإمارات العام الماضي نحو 33 مليار درهم، فيما وصل إجمالي الصادرات السعودية إلى الإمارات إلى 16.5 مليار درهم. وتتصدّر الإمارات قائمة الدول الخليجية المصدرة إلى السعودية، وتأتي في مقدمة الدول الخليجية التي تستقبل الصادرات السعودية. وهذا المؤشر مرشح للتنامي خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار أن المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة تتمتعان بقدرات تصديرية كبيرة وتمثلان أكبر اقتصادين بالعالم العربي باجمالي ناتج وطني للدولتين يصل الى تريليون دولار .
  • تأتي الإمارات في طليعة الدول المستثمرة في المملكة العربية السعودية باستثمارات تخطّت تسعة مليارات دولار في قطاعات كثيرة أبرزها الصناعة والخدمات. وتتجاوز الاستثمارات السعودية في الإمارات 35 مليار درهم، بينما تعمل في الإمارات حالياً نحو 2366 شركة سعودية مسجلة لدى وزارة الاقتصاد، و66 وكالة تجارية. ويبلغ عدد المشاريع السعودية في الإمارات 206 مشاريع، بينما يصل عدد المشاريع الإماراتية المشتركة في السعودية إلى 114 مشروعاً صناعياً وخدمياً برأس مال 15 مليار ريال. ويعتبر إطلاق مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بتكلفة تتجاوز 100 مليار ريال نقلة مهمة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث تم تشكيل تجمع إماراتي - سعودي بقيادة شركة “إعمار” الإماراتية، وبالتحالف مع شركات سعودية لتنفيذ المشروع على ساحل البحر الأحمر.
  • تؤدي السياحة بين البلدين دوراً مهماً وحيوياً في تعزيز الروابط التجارية والاقتصادية بينهما، وتعد من بين أهم القطاعات الواعدة التي توفر فرص الاستثمار وجذب المزيد من المشاريع المشتركة، لتنويع القاعدة الاقتصادية والتجارية في البلدين. ويلعب الاستقرار وتطور البنى التحتية في البلدين العامل الأبرز في تعزيز دور هذا القطاع من العائدات غير النفطية، خاصة بعد أن خصصت دولة الإمارات مبالغ مالية ضخمة للسنوات العشر المقبلة، لتطوير هذا القطاع، وذلك بعد النجاحات المطردة التي حققتها في جذب شركات السياحة العالمية، لما تتمتع به من مقومات أساسية، تكفل نجاح الصناعة السياحية فيها، وفي مقدمتها الأمن والاستقرار، والموقع الجغرافي الذي يربط بين مختلف قارات العالم، والبنية الأساسية الحديثة والمتطورة من مطارات وموانئ وشبكة طرق ووسائل اتصالات وغيرها من الخدمات الراقية التي يوفرها أكثر من 450 فندقاً في الدولة. وتشير الإحصاءات في هذا السياق إلى أن عدد المسافرين السعوديين إلى الإمارات يصل إلى مليون و 900 الف زائر سنويا .
  • تزايدت وتيرة التعاون بين السعودية والإمارات في مجال الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة؛ حيث يمتلك البلدان الكثير من العوامل المشتركة؛ فكلاهما من كبار مزودي الطاقة للعالم، وهما يسعيان إلى تعزيز هذه المكانة مع العمل في الوقت ذاته على مواكبة تنامي الطلب المحلي على الطاقة، الذي يأتي نتيجة النهضة الاقتصادية والاجتماعية والنمو السكاني الكبير وضرورة توفير موارد إضافية من الطاقة لتحلية المياه، وتُعَد الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة السبيلَ الأمثل لمواكبة هذا النمو والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة.
  • شهدت جلسات خلوة العزم بين الدولتين نقاشات فعالية حول كيفية تحقيق رؤية المملكة العربية السعودية 2030 و رؤية دولة الامارات العربية المتحدة 2021، وهذا توجه يعكس التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى للدولتين، ورغبتهما في تطوير سياسة تنويع الدخل لتواكب مرحلة ما بعد عصر النفط، والاعتماد على القطاعات التي تعتمد على العلوم والمعارف.
3 - المجال الأمني:  يعتبر أحد أهم مجالات الشراكة القوية بين الدولتين، خاصة بالنظر للاعتبارات التالية:
  • توافق رؤية الدولتين فيما يتعلق بخارطة التحديات المخاطر والتهديدات التي تواجه دول المنطقة، وتلقي بظلالها السلبية على الأمن والاستقرار فيها.
  •   التعاون البناء بين الدولتين في مواجهة التحديات التي تواجهها المنطقة بل أنهما أصبحا يقودان الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار فيها، وقد عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خلال زيارته إلى المملكة العربية السعودية في شهر يونيو 2017، خلال مباحثاته مع الملك سلمان بن عبدالعزيز عن هذا المعنى بوضوح، حيث أكد سموه “أن دولة الإمارات والسعودية تقفان معا في خندق واحد في مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه دول المنطقة لأنهما تنطلقان من ثوابت راسخة تعلي من قيم التضامن والتعاون بين الأشقاء وتؤمنان بأن مجلس التعاون يكون أقوى وأكثر تأثيرا بوحدته وتضامن دوله وشعوبه وأن المخاطر والتحديات في البيئتين الإقليمية والدولية تحتاجان من المجلس أن يكون صفا واحدا لصون أمن دوله والمحافظة على مكتسباتها التنموية والحضارية”.
  •  تلعب الدولتان دوراً رئيسياً في الحرب ضد الإرهاب، سواء من خلال مشاركتهما في التحالف الدولي ضد داعش في العراق وسوريا، أو من خلال الاستراتيجيات التي يطبقانها لمواجهة الإرهاب، والتي تتبنى منظور شامل يأخذ في الاعتبار كافة الأبعاد السياسية والثقافية والمجتمعية والفكرية ذات الصلة بالتطرف والإرهاب.
     
4 - المجال العسكري: هناك تعاون دفاعي وعسكري بين الدولتين ، يترجم في المناورات المشتركة، حيث شاركت القوات الإماراتية في فبراير 2016 بين 20 دولة في التمرين العسكري الأهم والأكبر في تاريخ المنطقة (رعد الشمال) في مدينة الملك خالد العسكرية بحفر الباطن شمال السعودية، والذي يعد المناورة العسكرية الأكبر من حيث عدد الدول، والذي بعث برسالة واضحة إلى الأطراف الخارجية التي لديها أطماع في المنطقة، مفادها أن السعودية والإمارات ومعهما الدول المشاركة تقف صفاً واحداً لمواجهة جميع التحديات والحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة.
 
وقد أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، بمناسبة حضوره العرض العسكري الذي أقيم في ختام (رعد الشمال) العديد من الأمور المتعلقة بطبيعة وأهداف التعاون العسكري بين الدولتين، ورؤية الإمارات الفاعلة لمواجهة التحديات، لعل أبرزها في هذا الشأن:
  • إن التعاون العسكري الوثيق بين البلدين هو صمام أمان في وجه أية تحديات قد تهدد المنطقة”، وأن الإمارات والسعودية تمتلكان رؤية شاملة تجاه التحديات التي قد تواجه المنطقة وفق استراتيجية تعاون وتنسيق مشترك. 
  •  أن مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة في مناورات “رعد الشمال” العسكرية على أرض المملكة العربية السعودية الشقيقة هي ترجمة لسياستها الثابتة القائمة على الانخراط الفاعل في أي جهد يهدف إلى التعاون وتنسيق الجهود لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
  • أن مناورات رعد الشمال تكشف عن أن دول المنطقة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص من خلال تعاونها وتنسيق قدراتها ووضع الأسس القوية لعمل جماعي فاعل ومستدام في مواجهة المخاطر المشتركة، خاصة أن المخاطر والتهديدات التي تواجه المنطقة تتغير باستمرار من حيث حجمها وطبيعتها ومصادرها والقوى التي تقف وراءها وأهداف هذه القوى والأساليب التي تستخدمها ، مما يفرض على جيوش المنطقة أن تكون في أقصى درجات الاستعداد والقابلية للتعامل الفاعل مع أي تهديدات جديدة من خلال التدريبات المشتركة وتطوير التكتيكات والخطط العسكرية خاصة مع التطور الكبير الحادث في التكتيكات العسكرية في العالم على مستوى الأسلحة والخطط ونوعية الحروب.
 
العلاقات الإماراتية- السعودية..  ضمانة للأمن القومي الخليجي والعربي
يجمع كثير من الخبراء على أن العلاقات القوية والإستراتيجية بين الإمارات والسعودية تمثل ركنا أساسيا من أركان الأمن الجماعي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية من ناحية والأمن القومي العربي من ناحية أخرى، سواء فيما يتعلق التنسيق بين البلدين في استباق أي خطر يحدق بالمنطقة ، والتحرك الفاعل والمدروس لمواجهته، أو فيما يتعلق بالمشاركة في أي جهد يستهدف الحفاظ على مقتضيات الأمن الخليجي والعربي بوجه عام.
 
ويمكن تناول التأثير الإيجابي للشراكة الإماراتية- السعودية على الأمن القومي الخليجي والعربي في الجوانب التالية:
1 - المواجهة الاستباقية لمصادر التهديد التي تواجه أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، حيث تدرك الدولتان أهمية التحرك الاستباقي لمواجهة التحديات والمخاطر التي تعترض أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والتصدي للمشاريع الإقليمية التي تضر بمصالح العرب وقضاياهم، ولعل من الأمثلة المهمة في هذا الشأن، دور الدولتين في التصدي لحركة الاحتجاجات التي شهدتها مملكة البحرين الشقيقة في في مارس عام 2011 ، انطلاقاً من إيمانهما بمبدأ وحدة المصير وترابط أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على ضوء المسؤولية المشتركة لدول المجلس في المحافظة على الأمن والاستقرار التي هي مسؤولية جماعية باعتبار أن أمن دول مجلس التعاون كلٌّ لا يتجزأ.
 
وجاءت مشاركة الدولتين ضمن تحرك عام لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بإرسال قوات “درع الجزيرة” إلى مملكة البحرين، انطلاقاً من الاتفاقيات الأمنية والدفاعية الموقعة بين دول المجلس، وهو الأمر الذي كان له عظيم الأثر في إعادة حفظ الأمن والاستقرار إلى مملكة البحرين، والتصدي لمحاولات إثارة الفتنة والبلبلة من جانب بعض الجماعات المدعومة من أطراف خارجية وقتها.
 
2 - الحفاظ على التماسك داخل منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتقويم أي سياسات تخالف مبادئ الميثاق العام للمجلس، وفي هذا السياق جاء القرار الذي اتخذته كل من الإمارات والسعودية ومعهما مملكة البحرين وجمهورية مصر العربية في الخامس من شهر يونيو 2017، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر. لقد جاءت هذه الخطوة بعد أن استنفدت كل المحاولات الدبلوماسية لإعادة قطر إلى الإجماع الخليجي والعربي، وبعد أن فاض الكيل جراء سياساتها ومواقفها الأخيرة، التي تنطوي على تهديد واضح للأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، وتضع المنطقة أمام مرحلة جديدة لا يمكن التنبؤ بعواقبها وتداعياتها المحتملة. ولهذا فإن الهدف الرئيسي من وراء خطوة قطع العلاقات مع قطر وما تضمنته من إجراءات إنما يستهدف بالأساس تصويب مسار السياسة القطرية، وتقويم السلوك الذي تنتهجه الدوحة منذ زمن ويخالف توجهات مجلس التعاون لدول الخليج العربية. 
 
3 - مواجهة التمدد الإيراني المتنامي في المنطقة: خاصة أن طهران منذ توقيع اتفاق “لوزان” النووي مع مجموعة(1+5) في شهر يوليو من العام 2015 تحاول تأكيد هيمنتها على المنطقة، وتمارس تدخلاتها في شئون العديد من دول المنطقة، بل وواصلت دعم الأذرع والميليشيات العسكرية التابعة لها سواء في لبنان أو العراق أو اليمن أو سوريا، ولم تجد أية غضاضة في إطلاق التهديدات ضد دول الجوار، بل أنها تقف وراء إذكاء الصراعات بين الأطراف المتحاربة في هذه الدول، من خلال تزويدها بالسلاح والمال وغيرهما من الوسائل التي تطيل الحرب وتعمل على زعزعة الاستقرار فيها.
 
ولعل الأمر اللافت هو اعتراف إيران بتدخلاتها في شؤون العديد من دول المنطقة، وتصوير الأمر باعتباره انتصار لمبادئ ثورتها والإيمان بها من قبل العديد من الجماعات والقوى الشيعية الحرة في العالم، لهذا جاء التحرك السعودي – الإماراتي لوقف التمدد الإيراني في المنطقة. 
 
ويحسب للإمارات والسعودية أنهما كشفتا الأدوار التخريبية التي تقوم بها إيران في زعزعة أسس الأمن والاستقرار في المنطقة. ولعل مخرجات القمتين الخليجة- الأمريكية، والقمة الإسلامية- الأمريكية بالرياض في شهر مايو 2017 تؤكدان ذلك بوضوح، وتبعثان برسالة حازمة إلى طهران، مفادها أنه لا يمكن السكوت على استمرار تدخلاتها في شئون العديد من الدول العربية، وخاصة مملكة البحرين، والعبث بأمنها واستقرارها، وأن عليها أن تتوقف عن هذه التدخلات وتبتعد عن إثارة الشيعة في دول الخليج والدول العربية، إذا أرادت فتح صفحة جديدة مع دول المنطقة. 
 
 بل يمكن القول أن القمة الخليجية الأمريكية قد دشنت خطاً سياسياً أمريكياً مغايراً تماماً لنهج الرئيس السابق أوباما في التعامل مع إيران، فقد أقصى الرئيس ترامب نفسه عن سياسة التقارب الحذر أو المحسوب مع إيران،  حيث كان واضحاً أن هناك إجماعاً بين قادة الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والدول الإسلامية على أن إيران تمثل العامل الرئيسي وراء حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تشهدها دول المنطقة، بل أنها مسئولة عن تفاقم خطر الإرهاب من خلال رعايتها للتنظيمات والأزرع الإرهابية، وهذا لا شك يبعث برسالة قوية إلى طهران، بأن عليها أن تعيد النظر في سياساتها المثيرة للقلق وعدم الاستقرار، وأن تتوقف عن التدخل السلبي في أزمات وقضايا المنطقة، وأن على النظام الإيراني - كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب- الاختيار بين العزلة والدخول في المنظومة الدولية.
 
4 - قيادة التحالف العربي في اليمن(عاصفة الحزم وإعادة الأمل 2015): شاركت الإمارات في التحالف العربي لنصرة الشرعية باليمن بقيادة المملكة العربية السعودية، وكانت الدولة الثانية في هذه العملية من حيث قوة المشاركة والتأثير السياسي والعسكري. ولا شك في أن عملية عاصفة الحزم جسدت في جوهرها مفهوم التحرك الاستباقي لمواجهة مصادر التهديد والخطر الذي يواجه أمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية،، فالتمدد الحوثي وسعيهم إلى الإطاحة بالرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي، وتوجههم نحو السيطرة على المحافظات الجنوبية كان يشكل تهديداً صريحاً ومباشراً لأمن المملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
 
كما تندرج هذه العملية أيضاً ضمن تحركات الدولتين لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، فمن المعروف أن اليمن كانت إحدى أهداف التمدد الإيراني، فالحوثيون تأكد، وبما لا يدع مجالاً للشك، أنهم يرتبطون بصلة وثيقة بإيران، ويتحركون بأوامر منها، ولهذا كانت عملية عاصفة الحزم ضرورة لمواجهة المخططات التي تستهدف اختراق اليمن، وإذكاء الصراع الطائفي والمذهبي فيه بين السنة والشيعة، وتحويله إلى منطقة نفوذ جديدة لإيران، خاصة وكما هو معروف أن الحوثيين يتبنون المذهب الاثني عشري بنسخته الإيرانية التي تعتمد نظرية الولي الفقيه الخمينية بعيداً عن أصول المذهب الزيدي التقليدية المحترمة من الجميع. 
 
ولا شك في أن الدور السعودي- الإماراتي في اليمن رسخ من علاقة التحالف بين الدولتين، خاصة أن عملية عاصفة الحزم جاءت تتويجاً لعلاقات امتدت جذورها في التاريخ وتعمقت في الحاضر والمستقبل بهدف تعزيز الشراكة الاستراتيحية بينهما، وبما يسهم في مواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد أمنهما المشترك وأمن دول المنطقة بوجه عام.
 
5 - الانضمام إلى الجهود الإقليمية والدولية الرامية للتصدي للتطرف والإرهاب، حيث شاركت الدولتان في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تظيم “داعش” في عام 2014، وذلك من منطلق إدراكهما البالغ بأن داعش كان يمثل تهديداً، ليس للعراق فقط، وإنما لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كلها أيضاً في حال واصل تمدده، ونجح في السيطرة على العاصمة بغداد، لهذا جاءت مشاركة الدولتين لوقف تمدد داعش وسيطرته على مناطق جديدة من الدولة العراقية، فضلاً عن أن  ممارسات داعش في العراق كانت تنطوي على تهديد بالغ لأمن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وخاصة السعودية، وبدا هذا واضحاً في إعلان التنظيم مسئوليته عن العديد من العمليات الإرهابية التي تعرضت لها المملكة في العامين الماضيين. كما قامت الدولتان بدور رئيسي في الحملة ضد تنظيم القاعدة في اليمن خلال العامين الماضيين، ونجحتا في طرد التنظيم من مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت في أبريل من العام 2016، وقد شكلت هذه العملية هزيمة كبيرة للتنظيم، وأفقدته الكثير من قدراته البشرية والمادية، وأعطت دفعة لمحاصرته في باقي المدن الجنوبية.
 
كما تقوم الدولتان بدور محوري ورئيسي في الحرب الدولية ضد التطرف والإرهاب ، خاصة فيما يتعلق بالتصدي للجوانب الثقافية والفكرية، وهي جهود تحظى بتقدير المجتمع الدولي أجمع. وقد جاء إعلان الرياض الذي صدر في ختام القمة العربية الإسلامية-الأمريكية التي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض، في مايو 2017، وشاركت فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، ليشكل انطلاقة جديدة لمواجهة التطرف والإرهاب على الصعيدين الإقليمي والدولي، ليس لأنه تبنى مقاربة شاملة لمواجهة خطر التطرف والإرهاب تأخذ في الاعتبار العوامل والمسببات التي تقف وراء تصاعد هذا الخطر في الآونة الأخيرة فقط، وإنما لأنه دشن لشراكة وثيقة بين الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية ستنعكس إيجاباً على تنسيق الجهود المشتركة لمواجهة التطرف والإرهاب وعوامل عدم الاستقرار الإقليمي بوجه عام أيضاً.
 
ولعل أهم ما تضمنه إعلان الرياض من توصيات وآليات - سيكون لها أثرها الفاعل في تعزيز جهود مكافحة التطرف والإرهاب- هو فتح باب توقيع اتفاقية تعاون في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، تتضمن تأسيس مركز لاستهداف تمويل الإرهاب الذي ستقوم المملكة العربية السعودية باستضافته في مدينة الرياض، وتأكيد أهمية رعاية الشباب وتحصينهم من التطرف والإرهاب، من خلال غرس القيم السامية في نفوسهم، وتجديد الخطابات الفكرية وترشيدها لتكون متوافقة مع منهج الإسلام الوسطي المعتدل الذي يدعو إلى التسامح والمحبة والرحمة والسلام، والتعاون المشترك لتعزيز برامج التنمية المستدامة لتحسين المستوى المعيشي لشعوب دولهم، وتأسيس مركز للحوار بين أتباع الأديان، والتصدي للأجندات المذهبية والطائفية والتدخل في شؤون الدول، لما لها من تداعيات خطيرة على أمن المنطقة والعالم، وغيرها الكثير من الإجراءات والآليات المهمة - التي تضمنها إعلان الرياض-  التي من شأنها تركيز الجهود العربية والإسلامية والأمريكية وتوجيهها نحو هدف رئيسي هو الانتصار في المعركة ضد الإرهاب، وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية إقليمياً ودولياً. 
 
وقد أشاد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله، بمناسبة مشاركته في هذه القمة بمخرجاتها ونتائجها، حيث أكد سموه “أن هذه القمة التاريخية هي رسالة إسلامية عربية - أمريكية واضحة إلى كل الذين يحاولون استخدام الدين لوضع الولايات المتحدة في مواجهة الإسلام أو تكريس نزعات الصراع والمواجهة بين الأديان والثقافات والحضارات لخدمة أهداف خاصة ومشروعات خبيثة على حساب التعايش بين الشعوب والأمن والاستقرار العالميين”.
 
خاتمة
لقد نجحت الإمارات والسعودية في بناء نموذج فريد للعلاقات بين الأشقاء، الذي يستهدف ليس فقط الارتقاء بمصالح الشعبين الشقيقين والحفاظ على مكتسباتهما الشاملة، الأمنية والتنموية والاجتماعية والثقافية، وإنما يتعدى ذلك لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى لصالح شعوب المنطقة جميعاً التي ترنو إلى الأمن والاستقرار والسلام والازدهار والتنمية، وتتطلع إلى الدولتين ليواصلا دورهما البناء في إعادة الأمن المفقود في العديد من دول المنطقة، وليدعما مشاريع البناء والإعمار في مناطق الأزمات والصراعات. 
 
ولاشك أن الرهان على التحالف السعودي- الإماراتي في تحقيق تطلعات شعوب المنطقة في الأمن والتنمية والاستقرار لم يأت من فراغ وإنما من معطيات وشواهد بليغة ترتبط بعلاقاتهما التاريخية وشراكتهما الاستراتيجية الراسخة والشاملة، ومواقفهما ورؤاهما المتطابقة، فضلاً عما تحظيان به من تقدير وثقة دولية كبيرة ، تؤكد أن الدولتين قادرتان، بالتعاون والتنسيق مع دول عربية شقيقة في مقدمتها جمهورية مصر العربية، على إعادة التوازن والحفاظ على الأمن والاستقرار  في المنطقة العربية وضمان مصالح شعوبها.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-10-04 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1251

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره