مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-03-01

اقتصــاد مابعد النفط... الامـارات نمـــوذج رائـــــــد في التنميــــــة المستدامــــة

التخطيط الدقيـق والاســتثمـار في المسـتقبل مفاتيــح النجـــاح والتمــيز 
يعد الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط أولوية استراتيجية لدى دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها الرشيدة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في إطار السعي الحثيث نحو بناء نموذج تنموي مستدام لا يكون مرتبطاً بالنفط وتقلباته الحادة في أسواق الطاقة العالمية. وفي هذا العدد تسلط “درع الوطن” الضوء على واقع التجربة التنموية الإماراتية والتخطيط لمرحلة ما بعد النفط عبر استراتيجيات للتنمية المستدامة.
 
إعداد: التحرير
بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ وقت مبكر تجربة فريدة في التنويع الاقتصادي، انطلاقاً من قناعتها بأن النفط كونه مصدراً طبيعياً سينضب يوماً ما بالتأكيد، فعمدت مبكراً إلى تخفيف اعتماد اقتصادها الوطني على القطاع النفطي كمصدر رئيسي للدخل القومي، واستثمرت عائدات هذا القطاع في بناء اقتصاد متوازن وقادر على النمو والازدهار دون استنزاف الموارد، وتوسّعت تدريجياً في القطاعات غير النفطية لضمان أعلى مستويات الاستقرار لاقتصادها؛ فحقّقت إنجازات استثنائية على صعيد بناء اقتصاد المعرفة ولاسيما قطاعي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وكذلك في قطاعات البنى التحتية والسياحة والتجارة الداخلية والخارجية والطاقة المتجدّدة والخدمات المالية والمصرفية، وبعض الصناعات مثل الأدوية ومواد البناء والبتروكيماويات والألمونيوم.
 
 
وتؤكد الشواهد والمؤشرات جميعها أن الجهود الكبيرة التي بذلتها مختلف مؤسسات الدولة الاتحادية والمحلية في سبيل تقليل الاعتماد على النفط، تمثل دليلاً واضحاً على أن اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة يسير بخطى ثابتة في الاتجاه الصحيح، وليس أدل على ذلك، أن الاقتصاد الوطني أصبح اليوم أكثر قوة وتماسكاً وقدرة على مواجهة الأزمات الخارجية، حيث تعد الإمارات من أقل الدول النفطية تأثراً بتدهور أسعار النفط في الفترة الراهنة، كما أن اقتصادها أكثر متانة وتنوعاً من أي وقت مضى، حيث وصلت مساهمة القطاعات غير النفطية إلى أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، وهناك توقعات أن ترتفع هذه النسبة في السنوات القليلة المقبلة، وفقاً لاستراتيجية محكَمة ضمن رؤية “الإمارات 2021”، بحيث لا يتجاوز الاعتماد على النفط 20% فقط من الناتج.
 
 
مرحلة ما بعد النفط.. توجه استراتيجي بعيد المدى
 تولي القيادة الرشيدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله- وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي -رعاه الله- وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة -حفظه الله- موضوع تنوُّع الاقتصاد، ومن ثم تنويع مصادر الدخل، أهميَّة استثنائية، حيث تعي أن أي نموذج تنموي لا يمكنه النجاح من دون التفكير السليم في المستقبل والتخطيط الجيد له، ومن دون أن يستعد لهذا المستقبل بكل تحدياته وفرصه، وأن يمتلك زمام المبادرة من خلال بناء قدراته الذاتية التي تمكّنه من تحييد تلك التحديات واستغلال الفرص، بما ينقل المجتمع إلى مستقبل أفضل. وهذا ما عبر عنه بوضوح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في كلمته بمناسبة اليوم الوطني الحادي والأربعين، في الثاني من ديسمبر 2012، بقوله، إن: “تنويع مصادر الدخل هدف استراتيجي لسياستنا الاقتصادية، ويشمل هذا التنويع طيفاً واسعاً من المجالات كالصناعة ‏والتجارة‏ والخدمات والطاقة‏ والبتروكيماويات‏ وغيرها‏، كما أن تنويع مصادر الدخل لا يتم فقط من خلال المبادرات الحكومية، ‏ بل من خلال تمكين القطاع الخاص من ممارسة دوره كاملاً كشريك في عملية التنمية”.
 
 
وحدد سموه أهداف سياسة التنوع الاقتصادي، بقوله: “وتعزيزا للقدرة الوطنية الذاتية وحفاظاً على حقوق الأجيال القادمة، تبنت الدولة استراتيجية التنويع الاقتصادي والتوظيف الجيد لموارد النفط في تنمية القطاعات الاقتصادية الواعدة والصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتشجيع القطاع الخاص للإسهام الجاد في عملية التنمية، وتوفير المناخ الملائم لجذب الاستثمارات، وإنشاء المناطق الحرة وتكوين الشراكات الاستراتيجية مع الشركات العالمية وتحديث القوانين والتشريعات وتوسيع مساهمة القطاع المالي وقطاع الخدمات اللوجستية في الناتج المحلي الإجمالي والتي وجدت ترحيباً من الأوساط المالية العالمية”. وخلال القمة الحكومية التي عُقِدت في دبي العام 2015، قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في كلمته المهمَّة أمام هذه القمة: “إننا سنحتفل بتصدير آخر برميل نفط”. وقد قدَّم سموه، آنذاك، رؤية استراتيجيَّة تقوم على التخطيط لخمسين عاماً مقبلة؛ حيث يُتوقَّع أن ينضب النفط، ولا بدَّ من الاستعداد لذلك قبل عقود؛ حتى تعبر دولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة ما بعد النفط بأمان وسلام. 
 
 
وترجمة لهذه الرؤى والتوجهات، انطلقت في شهر يناير 2016، الخلوة الوزارية الموسَّعة، التي أعلنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لوضع استراتيجية تنموية تنتقل بدولة الإمارات إلى مرحلة جديدة من النمو والازدهار، هي مرحلة ما بعد النفط. وحدد سموه أهداف هذه الاستراتيجية بقوله: “سنضيف قطاعات اقتصادية جديدة، وسنطور كفاءة وإنتاجية القطاعات الحالية، وسنعد أجيالاً تستطيع قيادة اقتصاد وطني مستدام ومتوازن بإذن الله، واليوم 70% من اقتصادنا الوطني غير معتمد على النفط، وهدفنا تحقيق معادلة جديدة لاقتصادنا لا يكون فيها معتمداً على النفط أو مرتهناً لتقلبات الأسواق”.
 
 
وقد ناقشت هذه الخلوة آليات وسبل تطوير الاقتصاد الوطني بمختلف قطاعاته؛ وذلك بهدف تحقيق الرؤية الاستراتيجية للدولة، والخروج ببرنامج وطني شامل لاقتصاد متنوِّع ومستدام للأجيال القادمة، يضمن استمرار النمو والرخاء اللذين حققتهما لكل أبناء هذا الوطن العزيز، بل حتى سكانه، والانتقال إلى مستقبل أفضل للاقتصاد الوطني وللمجتمع كله؛ عبر تقليص اعتماد الاقتصاد الوطني على النفط إلى الحدود الدنيا، وتوسيع نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية إلى الحدود القصوى، ما يشير بدوره إلى أن القيادة الرشيدة للدولة لا تركن إلى ما تمتلكه الإمارات من موارد طبيعية ومصادر طاقة، لكنها تحرص على استثمار هذه الموارد على الوجه الأمثل، بما يبعد الاقتصاد الوطني عن شبح التعرض لأي اهتزازات غير مأمونة العواقب في حال تعرضت تلك الموارد إلى النضوب في المستقبل؛ وذلك من أجل تمكين الاقتصاد الوطني من بناء قدراته الذاتية، وتوسيع قاعدته الإنتاجية بعيداً عن النفط أو أي مورد غير مستدام، وقد بدت ملامح ذلك على الخطط والرؤى الاقتصادية والتنموية للدولة منذ البداية، وما نراه الآن من تطور وازدهار في العديد من القطاعات غير النفطية هو خير دليل على ذلك، ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى قطاعات البنية التحتية والسياحة والخدمات المالية والمصرفية والطاقة الجديدة والمتجددة والصناعات الدقيقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام وغيره من القطاعات غير النفطية.
 
 
 
تجربة رائدة في تنويع مصادر الدخل
تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة سياسة تنويع مصادر الدخل، باعتبارها خياراً استراتيجياً مستقبلياً في نموذج التنمية الإماراتي، من منطلق أن وجود النفط لم يكن يوماً مدعاة إلى الاكتفاء به أو الركون إليه وحده، وأيضاً من أجل تفادي الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، وحتى لا يكون الاقتصاد الوطني عرضة لمخاطر الاعتماد على سلعة واحدة تخضع لتقلّبات الأسعار وظروف العرض والطلب في الأسواق العالمية.  
 
 
وتعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة من أوائل الدول النفطية في العالم، التي اهتمت بتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، واتجهت إلى توسيع استثماراتها الوطنية في عدد من القطاعات الأخرى، منها البنى التحتية والتجارة والسياحة والخدمات المالية والمصرفية والطاقة المتجددة، فضلاً عن الصناعة التحويلية والدقيقة. وقد استطاعت بفضل ذلك أن توسع القواعد الإنتاجية في هذه القطاعات، وأن تجعل اقتصادها الوطني معتمداً عليها بشكل كبير، سواء تعلق ذلك بتوليد الدخل وتحفيز النمو الاقتصادي، أو بتوليد فرص العمل الجديدة. وقد أوضحت البيانات الصادرة عن وزارة الاقتصاد، في أكثر من مناسبة، أن القطاعات غير النفطية باتت تسهم بما يزيد على ثلثي الناتج المحلي الإجمالي للدولة الآن. كما أصبحت هذه القطاعات المصدر الرئيسي لتحفيز النمو الاقتصادي الكلي في الدولة؛ فوفقاً لأحدث هذه الإحصائيات، فإن مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى قرابة %70، وفي الوقت الذي يبلغ فيه معدل النمو الكلي %4.6 فإن النمو في القطاعات غير النفطية يبلغ نحو %8.1. وفي ما يتعلق بتوليد فرص العمل، أظهر “مؤشر مونستر للتوظيف” لعام 2015، أن القطاعات غير النفطية في الإمارات، وعلى رأسها قطاع الخدمات المالية والمصرفية وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تشهد زيادة سنوية في الطلب على الأيدي العاملة تفوق الـ50%، في حين يشهد القطاع النفطي استقراراً نسبياً أو تراجعاً في هذا المؤشر. وتؤكد هذه المؤشرات الدور الاقتصادي والتنموي الذي باتت تضطلع به القطاعات غير النفطية في دولة الإمارات العربية المتحدة.
 
 
من ذلك يمكن القول إن دولة الإمارات العربية المتحدة نجحت في إخراج اقتصادها فعلياً من دائرة التهديدات المرتبطة بالاعتماد شبه الكلي على قطاع واحد، وقطعت شوطاً مهماً على طريق استيفاء شروط استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل، بما يضمن حماية المكتسبات التنموية، ويضمن الحياة الكريمة للشعب الإماراتي، بمن في ذلك أجيال المستقبل.
 
 الاقتصاد الإماراتي وتطوير القطاعات غير النفطية
في إطار حرصها على ضمان نجاح سياسة التنويع الاقتصادي، والتحضير لفترة ما بعد النفط، حرصت دولة الإمارات على تطوير القطاعات غير النفطية، من خلال الاستثمار الكثيف في البنية التحتية لهذه القطاعات، لإيجاد الأرضية اللازمة لنموها، بحيث توفر للاستثمارات المحلية والأجنبية، وخاصة في قطاع الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، ويمكن رصد بعض مؤشرات ومظاهر ذلك التوجه في الأمور الآتية:
 
 
قطاع الصناعة
لا يزال قطاع الصناعة يحتل صدارة القطاعات الاقتصادية المؤهلة لقيادة التنوع الاقتصادي بالدولة في مرحلة ما بعد النفط، خصوصاً مع توجه الكثير من الكيانات الصناعية الوطنية العملاقة نحو التوسع المنشود في أعمالها من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات للعمل بالقطاع الصناعي والتي تشير إلى تسجيلها أعلى الإيرادات التشغيلية على المدى البعيد. وتمتلك الإمارات العديد من المميزات والقدرات التي تمكنها من دفع هذا القطاع، إلى موقع منافس على المستويين الإقليمي والدولي. واستطاع هذا القطاع، وفي وقت قياسي غير مسبوق، تأسيس قاعدة صناعية متميزة لدولة الإمارات تحظى بالاحترام على المستوى العالمي. وقد جاء اهتمام الدولة بالتنمية الصناعية في إطار رؤية شاملة تهدف إلى إيجاد قطاع صناعي قادر على قيادة مسيرة التنمية الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال السلع الضرورية وبالتالي زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي وتنفيذاً لهذه الرؤية وفرت الدولة الحوافز للاستثمار الصناعي من خلال قانون تنظيم شؤون الصناعة. ومُنحت المشاريع الصناعية إعفاءات من الرسوم الجمركية على وارداتها من الآلات والمعدات وقطع الغيار ومواد البناء التي تحتاجها والمواد الأولية اللازمة للإنتاج وإعفاء صادراتها من رسوم التصدير إضافة إلى عدم وجود ضرائب على أرباح المشاريع الصناعية.
 
 
 وفي سياق تطوير القطاع الصناعي أيضاً، أقامت الدولة العديد من المنشآت الصناعية سواءً في نشاط الصناعات البترولية والبتروكيماوية والصناعات التحويلية غير البترولية الأمر الذي ساهم في تطوير البنية الهيكلية للصناعة الوطنية، كما أنشئت دوائر التنمية الصناعية في غالبية إمارات الدولة بهدف توفير كافة الإمكانات لدعم النشاط الاقتصادي وخاصة النشاط الصناعي وتأهيلها لمرحلة جديدة من الانطلاق نحو مسيرة التنمية الشاملة. وضمن غايات تشجيع مؤسسات القطاع الصناعي على تطبيق الأساليب المتطورة في الإنتاج وعلى استخدام التقنيات الحديثة التي تتيح تحسين مستويات الأداء تأسست جائزة باسم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للصناعة قُدّمت للمؤسسات منذ عام 1997 عن أفضل الممارسات الصناعية التي تقوم بها، كما فُتح المجال أمام المؤسسات الحكومية والخاصة في سبعة من القطاعات الاقتصادية منها القطاع الصناعي للحصول على جائزة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد للتميز التي أُعلن عنها منذ عام 1999م لتواكب جوائز الجودة العالمية بغرض ترسيخ أسس الجودة والامتياز. ولا شك في أن ما حققته استراتيجية التنمية الصناعية في دولة الإمارات العربية المتحدة كان ترجمة واقعية وموضوعية لفكر وتطلعات قيادتها الرشيدة التي لم تغفل عن إدراك طبيعة المتغيرات والمستجدات الحادثة والمتطورة يوماً تلو الآخر على ساحة النظام الاقتصادي العالمي وللتفاعل معها وتجنب تأثيراتها السلبية.
 
 
قطاع الزراعة
 أولت دولة الإمارات التنمية الزراعية اهتماماً كبيراً، وسارت على نهج المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في إنجاح المشروعات الزراعية وتوفير الثروة المائية واستعمالها واستغلالها على أساس علمي مدروس واتخاذ كافة الوسائل للنهوض بالثروة الزراعية في البلاد من خلال إنشاء سدود ترابية وتنفيذ مشاريع الغابات والحدائق والمشاتل الزراعية باعتبارها العمود الفقري للزراعة والتربة التي تجري فيها التجارب لاختبار أنسب المزروعات التي تتلاءم وطبيعة البيئة الصحراوية واستصلاح الأراضي وتسويتها وغيرها. وقد نجح التخطيط الزراعي المدروس في تحقيق نتائج إيجابية تمثلت في توصل الدولة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الكثير من المحاصيل الزراعية وفي تصدير جزء منها إلى الدول المجاورة. وفي هذا السياق، أفاد تقرير صادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عام 2011، حول التنمية الزراعية في دول المجلس، بأن دولة الإمارات العربية المتحدة نجحت في الوصول إلى نسبة اكتفاء ذاتي من الإنتاج الزراعي بشكل عام تصل إلى ٪50 من حاجة الاستهلاك المحلي، بينما وصلت نسبة الاكتفاء الذاتي من الفواكه إلى ٪36 في العام السابق، بعد زيادة عدد الأشجار المنتجة إلى نحو 74 ألف شجرة تقريباً، تنتج ما لا يقل عن 40143 طناً. كما أظهر التقرير، زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من الخضراوات لتصل إلى 60٪ من الاستهلاك المحلي.
 
 
الاستثمار في الطاقة غير التقليدية
 تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تنويع مصادر الطاقة، بحيث تشمل إلى جانب الموارد الهيدركربونية التقليدية، كلاً من الطاقة النووية والمتجددة، وذلك وفق استراتيجية تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة، وتلبية النمو المستمر في الطلب عليها، ولا سيما في ظل الحاجة إلى تحلية المياه. وقد اتجهت الإمارات إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة والنظيفة، لمواكبة خططها المستقبلية الطموحة في التنمية المستدامة. وأسست شركة أبوظبي لطاقة المستقبل (مصدر) وهي شركة مساهمة عامة مملوكة بالكامل إلى شركة “مبادلة” للتنمية. وأنجزت الشركة التي أطلقتها حكومة أبو ظبي باستثمارات قيمتها 15 مليار دولار أمريكي مع مطلع العام 2008 المرحلة الأولى من خططها الرامية إلى جعل إمارة أبوظبي مركزاً عالمياً لطاقة المستقبل ومقراً إقليمياً لتصدير التكنولوجيا. وتم تأسيس “صندوق مصدر للتقنيات النظيفة” في عام 2007 برأس مال 250 مليون دولار أمريكي، وهو صندوق استثماري مختص بالطاقة المتجددة والتقنيات المستدامة المتطورة حيث تمكن من استثمار أمواله في عدد من الشركات العالمية التي تعمل في مجالات الطاقة المتجددة. وتعمل “مصدر” على تطوير محفظة كبيرة من المشاريع المتوافقة مع “آلية التنمية النظيفة” وعلى تطوير مشاريع بنية تحتية مستدامة. وقد حققت “مصدر” تطوراً نوعياً كبيراً على صعيد تقنيات الطاقة الشمسية في استدراج عروض لبناء وتملك وتشغيل مصنع للطاقة الشمسية المركزة بطاقة 100 ميجاواط في مدينة زايد يتوقع تشغيله بنهاية العام 2010. وتم تشكيل الهيئة الإدارية لـ(معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا) الذي بدأ بإجراء الأبحاث في 12 مجالاً مختلفاً.
 
 
وأطلقت دولة الإمارات عام 2008 برنامجها النووي للأغراض السلمية بعد أن وافق مجلس الوزراء عليه وأنشأت هيئة للطاقة النووية باسم “مؤسسة الإمارات للطاقة النووية” كي تتولى مهمة تقييم وتطوير البرنامج برأسمال 375 مليون درهم. وأصدرت دولة الإمارات النص الكامل لـ “وثيقة السياسة العامة لدولة الإمارات العربية المتحدة في تقييم إمكانية تطوير برنامج الطاقة النووية السلمية” أكدت فيها التزامها بالشفافية التامة في مجال تشغيل المحطات النووية وتحقيق أعلى معايير حظر الانتشار النووي وأعلى معايير السلامة والأمان وبالعمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبالتعاون الوثيق مع حكومات الدول النووية المسؤولة والمؤسسات العاملة فيها على نحو يكفل استدامة البرنامج على المدى الطويل.
 
 
 
قطاع السياحة والطيران
 تسعى دولة الإمارات إلى تطوير قطاعي السياحة والطيران في منظومة اقتصاد ما بعد النفط في الإمارات، وزيادة مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي للدولة بنسبة قدرتها التقارير بأكثر من %35، وذلك بعد الإنجازات والنجاحات التي حققتها الإمارات في صناعة السياحة والطيران خلال السنوات الأخيرة. ومن المتوقع أن يشكل هذان القطاعان ركيزتين رئيستين لتحفيز النمو المستدام في اقتصاد المستقبل. ويشكل قطاع السياحة عنصراً رئيسياً آخر في منظومة القطاعات الرئيسة لاقتصاد دولة الإمارات بعد النفط، ومن المتوقع أن تزداد مساحة مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي للدولة بشكل أوسع في المستقبل، بالنظر لارتباطها بالعديد من القطاعات الأخرى، وكونها المحرك الرئيس لقطاعات التجزئة والتسوق والترفيه والطيران، فضلاً عن دورها الأبرز في توفير الوظائف وتنشيط حركة الاستثمار في قطاعات الضيافة والفنادق والبنية التحتية، إضافة إلى توفير فرص لنجاح أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة. 
 
 
ولقد أدركت دولة الإمارات منذ سنوات طويلة أهمية صناعة السياحة في استراتيجية التنويع الاقتصادي التي تنتهجها الدولة، وقد حقق القطاع السياحي في الإمارات في هذا السياق نقلة نوعية غير مسبوقة وازدادت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بصورة كبيرة، كما شهد القطاع تطورات كبيرة عزّزت مكانة دولة الإمارات على خريطة السياحة العالمية، حيث صعدت الدولة للمرتبة 24 عالمياً من بين 141 دولة شملها تقرير تنافسية السفر والسياحة للعام 2015 والصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) في سويسرا، متقدمة بذلك أربعة درجات عن التقرير السابق الذي حلت خلاله في المرتبة الـ28، فيما تصدرت الدولة كذلك بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قائمة الدول الأكثر تطوراً في قطاع السفر والسياحة. ووفقاً للتقرير، حلت دولة الإمارات في المرتبة التاسعة عالمياً في حجم الاستثمار السياحي على مؤشر مجلس السياحة والسفر العالمي الذي يصنّف 181 دولة في العالم، حيث قدر حجم استثمارات دولة الإمارات في هذا القطاع بنحو 105 مليارات درهم مقارنة بنحو 92.9 مليار درهم في عام 2013 و84.3 مليار درهم في العام 2012، ويتوقع أن يرتفع حجم الاستثمارات إلى 137.9 مليار درهم في العام 2022، حيث تتركز هذه الاستثمارات في إنشاء المرافق الترفيهية العالمية والمنشآت الفندقية الفاخرة وغيرها من الخدمات السياحية المساندة والجاذبة، فيما تستحوذ دولة الإمارات على النسبة الأعلى من الاستثمارات في التطـــوير السياحي على صعيد منـــــطقة الشرق الأوسط، وبلغ إجمالي إنفاق السياح داخل الدولة 111 مليار درهم، ويتوقع أن يصل إلى 113.8 مليار درهم بحلول العام 2022.
 
 
أما فيما يتعلق بقطاع الطيران، فإن دوره المستقبلي في اقتصاد ما بعد النفط، تبدو أكثر تفاؤلاً بالنظر إلى استراتيجية الابتكار والتطوير التي يرتكز عليها قطاع الطيران، ومن المتوقع أن ترتفع مساهمة قطاع الطيران المدني في الناتج الإجمالي المحلي للإمارات إلى 88 مليار دولار بحلول عام 2030. وتتبوأ دولة الإمارات مركز الصدارة على المستوى الدولي في سرعة نمو قطاع الطيران، الذي لم تتجاوز نسبته %1 من الناتج المحلي الإجمالي عند قيام الدولة في العام 1971، لترتفع مساهمة قطاع الطيران والسياحة إلى %8.5 من الناتج المحلي الإجمالي للدولة في الوقت الحاضر، في حين يتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 12.5% بحلول عام 2020، كما يُتوقع أن يوفر هذا القطاع في العام نفسه 750 ألف فرصة عمل. وتبدو الآفاق إيجابية للوصول إلى هذه الأهداف الخاصة بزيادة الثقل الاقتصادي لقطاع النقل الجوي في الدولة من ناحيتي، رفع إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي، وتوفير الوظائف للحد من معدلات البطالة، خصوصاً أن هذا القطاع يعتبر من القطاعات ذات التوظيف الكثيف للأيدي العاملة، الأمر الذي يحوّله إلى أحد أهم القطاعات غير النفطية التي يعوّل عليها في تشغيل الأيدي العاملة في الدولة.
 
 
وضمن هذه الآفاق يأتي التطور السريع للناقلات الوطنية (طيران الإمارات والاتحاد والعربية وفلاي دبي)، التي تضاعفت أساطيلها خلال فترة زمنية قصيرة، ليصل عدد الطائرات الإجمالي إلى 500 طائرة تقريباً، كما أن هناك طلبيات مؤكدة لأكثر من 350 طائرة بقيمة 165 مليار دولار، ما سيشكل نقلة نوعية أخرى للناقلات الوطنية ويرفع من إسهاماتها الاقتصادية ويضيف آلاف الوظائف الجديدة في السنوات القليلة المقبلة.
 
 
والواقع أن قطاع الطيران المدني الإماراتي أصبح أحد القطاعات الأكثر نضجاً وكفاءة في الأداء بين أقرانه على مستوى العالم. وإلى جانب ما يقوم به هذا القطاع من دور مهم في تنويع مصادر الدخل وتوليد فرص العمل في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة، والمساهمة في تحسين قدراته التنافسية على المستوى العالمي، فإنه استطاع تحقيق نهضة غير مسبوقة على مدار السنوات الماضية، بداية من المطارات مروراً بشركات الطيران وصولاً إلى الخدمات المتطورة التي يوفرها، بما في ذلك خدمات السفر والشحن وغيرها. 
 
 
وقد حاز قطاع الطيران المدني الإماراتي عدداً من الإشادات العالمية، ففي العام 2015 استطاع “مطار أبوظبي الدولي” التربع على قمة ترتيب المطارات على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في مجال تطبيق نظام “تقنية التحقق الآلي لوثائق السفر”. الذي يأتي ضمن الخطة التي تطبقها السلطات المشرفة على المطار، في إطار تطبيق أحدث الابتكارات والتطبيقات المتاحة في مجال إدارة المطارات حول العالم. والذي يهدف إلى تقديم تجربة سفر سلسة للمسافرين كافة عبر المطار، من خلال تقليص فترة انتظار المسافرين لإنهاء إجراءاتهم. ومن دون شك فإن الإجراء الجديد يرسخ المكانة العالمية لـ”مطار أبوظبي الدولي”، الذي يصنفه “مجلس المطارات العالمي” كأحد أهم المطارات وأكثرها ازدحاماً في المنطقة والعالم. وبطبيعة الحال تأتي خطط تطوير “مطار أبوظبي الدولي” وقطاع الطيران المدني في أبوظبي، ضمن الجهود التي تسعى إمارة أبوظبي من خلالها إلى تطبيق رؤيتها المستقبلية “الرؤية الاقتصادية لأبوظبي 2030”، التي هي جزء أصيل من الجهد التنموي الشامل الذي يسعى إلى جعل دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من أكثر دول العالم تطوراً وريادة في المجالات كافة.
 
 
الاستثمار في اقتصاد المعرفة
 أدركت الإمارات منذ وقت مبكر أهمية الاستثمار في اقتصاد المعرفة من خلال التركيز على القطاعات التي تتوافر لديها فرص النجاح العالية ضمن عملية التنويع، وذلك ضمن رؤية شاملة لهذه العملية تتناسب والقدرات الاقتصادية والديموغرافية. و في هذا السياق، فقد أولى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، اهتماماً بالاستثمار في القطاعات النوعية التي تقوم على اقتصاد المعرفة، لبناء مجتمع إماراتي يدخل الألفية الثالثة مسلحاً برأس مال بشري في مجال العلوم والتكنولوجيا، كالاستثمار في الطاقة المتجددة وصناعة الطيران والفضاء وتكنولوجيا المعلومات.
 
 
ولعل من القطاعات المهمة التي تعتمد على اقتصاد المعرفة، هو الفضاء، حيث أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في العام 2014 إنشاء وكالة فضاء إماراتية، تقوم على التجهيز لإطلاق أول مسبار عربي-إسلامي إلى الفضاء بحلول عام 2021، في رحلة استكشافية لكوكب المريخ. وقد أكدت الدولة من خلال هذه الخطوة عزمها وإصرارها على استكمال المسيرة الوطنية تجاه التحول إلى الاقتصاد القائم على المعرفة، وخصوصاً أنها تعتزم تحقيق هذا الهدف بالاعتماد على رواد فضاء إماراتيين، كما أنها من خلال الخطوة ذاتها، ستصبح واحدة من الدول القليلة القادرة على غزو الفضاء في العــالم.
 
 
الاستثمار في المشروعات الكبرى
 حيث تدرك الإمارات أن هذه المشروعات تعتبر قاطرة النمو المستدام، ولعل أبرز هذه المشروعات “قطار الاتحاد”، الذي يربط الإمارات بأقوى شبكة نقل ومواصلات على مستوى الشرق الأوسط، و تصل تكلفته المبدئية إلى 40 مليار درهم ويجري الإعداد حالياً لربطه بشبكة السكك الحديدية السعودية والتي يصل طولها إلى ألفي كيلومتر تمهيداً لتنفيذ المشروع الحلم الذي يربط دول مجلس التعاون بخطوط القطارات بعد أن تم الاتفاق بينها على الجوانب الفنية والهندسية لهذا الربط والذي من المتوقع تحقيقه في العام 2018، وسيوفر المشروع عند بدء تشغيله في عام 2018 نحو 400 فرصة عمل تزداد إلى آلاف فرص العمل مع توسيع طاقته وبدء خدمات نقل الركاب. ويرى خبراء أن شركة الاتحاد للقطارات (مطور ومشغل المشروع) بهذا المشروع الاستراتيجي وسط الرمال تعيد كتابة تاريخ المنطقة من جديد، إذ إن قبيلة بني ياس انطلقت من ليوا في صحراء الربع الخالي متجهة إلى جزيرة أبوظبي على ظهور الإبل لتستقر بها وتتخذها عاصمة لها ثم لدولة الإمارات ككل، واليوم ينطلق قطار الاتحاد من ليوا متجهاً إلى حبشان وقريباً إلى أبوظبي ومنها إلى بقية إمارات الدولة الأخرى. وأخذ قطار الاتحاد هذه التسمية نسبة إلى الثاني من ديسمبر عام 1971، وهو يوم إعلان تأسيس دولة الإمارات وقتها أعلنها زايد على مسامع الحكام “الاتحاد أمنيتي وأسمى أهدافي لشعب الإمارات”.
 
 
كما تولي الإمارات تطوير مشروعات البنية التحتية اهتماماً خاصاً، ولاسيما أن تلك الفئة من المشروعات التي عادة ما تكون هي أكثر المشروعات ارتباطاً بباقي القطاعات والصناعات في الاقتصاد، إن لم تكن هي الأكثر على الإطلاق في هذا الإطار، وهو ما يضعها في مرتبة القطاعات القيادية في الاقتصادات الحديثة، وبالتالي فإن ضخ الكثير من الاستثمارات فيها يكون له أثر تحفيزي واسع في الاقتصاد الكلي، من خلال الشبكة الواسعة من العلاقات التي تربطها بباقي القطاعات. وقد حصدت دولة الإمارات المركز الأول في مجال جودة الطرق عالمياً وفقاً لتقرير التنافسية العالمية الصادر عن منتدى دافوس الاقتصادي لعام 2015 – 2016 كناتج لتكاملية مشاريع البنية التحتية للدولة بهدف تحقيق رؤية الدولة لعام 2021 وتماشياً مع الأسس والمعايير الدولية التي تبنتها الدولة لتكون في مصاف أفضل الدول. ويحتوي مؤشر جودة الطرق الذي يأتي ضمن تقرير التنافسية العالمية الصادر عن منتدى دافوس الاقتصادي لعام 2015-2016 على معايير تتعدى المواضيع الفنية من حيث تنفيذ الطرق والآليات الهندسية ليتضمن معايير داعمة لحركة التنمية الاقتصادية من حيث توفير شبكة طرق داعمة لحركة التجارة الدولية في الدولة ضمن منظومة متكاملة من الخدمات ترفع معدلات الرضا العام وتحقق أعلى معايير الأمن والسلامة لمستخدمي الطرق.
 
 
ولا شك في أن استمرار دولة الإمارات العربية المتحدة في الإنفاق على المشروعات الكبرى، برغم انخفاض أسعار النفط، يعد أحد المحفزات الرئيسية لنموها الاقتصادي، وأحد الدعائم الأساسية للاستقرار الذي يتمتع به اقتصادها الوطني في الوقت الراهن، وبالرغم من الصعوبات الجمة التي تواجهها العديد من الاقتصادات حول العالم. وهذا الأمر أكده بالفعل “صندوق النقد العربي” في تقرير حديث له، ذكر فيه أن استمرار النمو الإماراتي يعود إلى مواصلة الإنفاق الحكومي على المشروعات الكبرى، التي وصفها بـ”المشروعات الداعمة للنشاط الاقتصادي والمؤدية إلى زيادة مستويات التنويع”. وتوقع الصندوق أن يساعد ذلك على نمو الاقتصاد الإماراتي. 
 
 
 
مؤشرات التفاؤل بمستقبل الاقتصاد الإماراتي
تؤكد كل المعطيات أن دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال سياسة التنويع الاقتصادي، وتخطيطها لمرحلة ما بعد النفط تمضي بخطوات ثابتة وواثقة نحو المستقبل، وتحقيق طموحها لأن تكون واحدة من أفضل دول العالم في العام 2021، الذي يصادف اليوبيل الذهبي لتأسيسها، وهذا ما تؤكده المؤشرات التالية:
 
 
شهدت التجارة الخارجية غير النفطية المباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة استقراراً ملحوظاً خلال عام 2015 على الرغم من انخفاض معدلات نمو الاقتصاد العالمي وتباطؤ نمو الاقتصاد في الصين التي تأتي في مقدمة أهم الشركاء التجاريين للدولة. وكشفت البيانات الإحصائية الأولية للهيئة الاتحادية للجمارك أن إجمالي التجارة غير النفطية المباشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة خلال الفترة من أول يناير وحتى نهاية سبتمبر من العام 2015 بلغ 792 مليار درهم وهو إجمالي التجارة المباشرة للدولة المحقق نفسه خلال الفترة نفسها من عام 2014. ولا شك في أن استقرار حجم التجارة غير النفطية المباشرة لدولة الإمارات على الرغم من الأزمات الاقتصادية التي شهدتها الكثير من دول العالم خلال تلك الفترة يعكس متانة الاقتصاد الإماراتي ونجاح سياسة التنوع الاقتصادي التي تتبناها الدولة في تنويع مصادر الداخل والارتقاء بالميزة التنافسية للمنتجات المحلية. كما تعكس في الوقت ذاته تحسناً في الميزان التجاري لدولة الإمارات مع العديد من دول العالم في ظل ارتفاع وتيرة نمو الصادرات وتراجع قيمة الواردات، كما يؤكد استمرار ثقة التجار والمستثمرين في الاقتصاد الإماراتي. 
 
 
تتمتع الإمارات باستقرار مالي عالٍ، وليس أدل على ذلك من قدرة الدولة على مواجهة تداعيات أزمة انخفاض أسعار النفط، حيث ظلت الأوضاع الاقتصادية في الإمارات مزدهرة على مدار الفترة الماضية، بالتزامن مع توسيع النشاطات بوتيرة قوية وبقاء مستويات التضخم عند مستويات مطمئنة. 
 
 
تعد دولة الإمارات رائدة في نموذج المناطق الحرة في العالم، وذلك بتقديمها امتيازات مميزة تجذب المستثمرين الأجانب والشركات العالمية، بما في ذلك فرصة التملك بنسبة 0 من دون فرض ضرائب، والإمارات تحتضن أكبر عدد من المناطق الحرة إقليمياً. ويعكس نمو تلك المناطق الحرة التنوع الاقتصادي، وتعتبر ركيزة أساسية لاقتصاد دول الشرق الأوسط في الاستيراد وتصدير، مقدمة إعفاءات جمركية على الصادرات والواردات، تشجيعاً منها للمستثمرين وتحفيز التجارة في دولة الإمارات. 
 
 
بدأت سياسة التنويع الاقتصادي تؤتي ثمارها الإيجابية، على تعزيز الثقة في الاقتصاد الإماراتي، وبدا هذا واضحاً في أكثر من مؤشر، ومنها مؤشر مديري الشراء في الإمارات “بي إم آي” الذي أشار إلى قوة الاقتصاد غير النفطي في الدولة خلال العام 2015، مستفيدا من الطلب المحلي القوي والطلب على التصدير. واستمرت قطاعات السياحة والضيافة في تحقيق معدلات نمو جيدة خلال العام الماضي، اتضحت من خلال نمو أعداد المسافرين القادمين للدولة، حيث استمر تدفق القادمين عبر مطارات الدولة، وخاصة في دبي وأبوظبي، إذ نمت أعداد الزوار بنسب بلغت %7.5.
 
 
نجحت الإمارات في ترسيخ ثقافة الإبداع والابتكار، وباتت هذه الثقافة جزءاً لا ينفصل عن الخطط المستقبلية للحكومات المحلية في كل إمارة وفي الحكومة الاتحادية على مستوى الدولة كلها، من أجل الوصول إلى مجتمع المعرفة. وقطعت الدولة شوطاً مميزاً في هذا الطريق، ومازالت تحرز تقدماً ملموساً في الاتجاه نفسه، الذي يعد إحدى أهم الغايات التي تسعى إليها الدول الراغبة في المضي قدماً على طريق التنمية الشاملة والمستدامة على مستوى العالم. في هذا السياق فقد تبنت الإمارات استراتيجية شاملة، تحت عنوان “الاستراتيجية الوطنية للابتكار”، تستدف في جوهرها تعميم ثقافة الإبداع والابتكار لدى فئات المجتمع الإماراتي كافة، سواءً تعلق الأمر بجعل الابتكار أسلوب حياة يومية للأفراد والمواطنين أو أسلوباً لإدارة الشؤون والمهام اليومية في المؤسسات الحكومية والخاصة في مختلف المجالات. 
 
 
ولاشك أن دولة الإمارات العربية المتحدة بهذا النهج، جعلت من الابتكار والإبداع قيمة مضافة لها وزنها في الاقتصاد الوطني، ولاسيما أن استخدامه في إدارة الشؤون اليومية للأفراد وإدارة المؤسسات الحكومية والخاصة، ساعد على تحقيق مزايا عدة لهذا الاقتصاد وللمجتمع ككل، ويأتي على رأس هذه المزايا بطبيعة الحال تحسين كفاءة إدارة الموارد الطبيعية والمرافق العامة للدولة، عبر تقليص حجم الهدر والاستنزاف بها. كما أفضى هذا الأمر إلى تحسين كفاءة أداء المؤسسات ومنشآت الأعمال في الإمارات، حيث ازدادت القدرات الإنتاجية لهذه المنشآت وتحسنت جودة منتجاتها، وباتت هذه المنتجات أكثر تناسباً مع احتياجات المجتمع. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تعميم ثقافة الإبداع والابتكار وتوحيد جهود المجتمع بمكوناته كافة، أفراداً ومؤسسات وحكومة، خلف أهداف هذه المكونات جعلاها أكثر اتساقاً مع بعضها بعضاً، لتصب جميعها في الاتجاه نفسه، وهو الارتقاء بمؤشرات النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة في المجتمع الإماراتي، وحسب الإحصائيات الصادرة عن وزارة الاقتصاد، يتوقع أن ترتفع نسبة إسهام الابتكار والإبداع في الاقتصاد الوطني الإماراتي إلى نحو 5% في عام 2021. وهذا المؤشر يوضح إلى أي مدى أصبح الاقتصاد الإماراتي اقتصاداً قائماً على الابتكار والإبداع، وإلى أي مدى أصبح النموذج التنموي الإماراتي بشكل عام قريباً من أهدافه وغاياته المنشودة، تجاه بناء المجتمع القائم على المعرفة.
 
 
استطاعت دولة الإمارات أن تكون مركزاً للفعاليات الاقتصادية الكبرى خلال الآونة الأخيرة، وهذه الفعاليات لها آثارها الإيجابية على النمو الاقتصادي، لما تنطوي عليه من إطلاع المستثمرين الأجانب على الفرص الاستثمارية بالإمارات، وفتح الباب أمام إقامة شراكات اقتصادية وتجارية واستثمارية بين الشركات الوطنية في الإمارات من ناحية والشركات العالمية المشاركة في تلك المعارض من ناحية أخرى. وتكون المحصلة من وراء كل ذلك تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات والتكنولوجيات وطرق الإنتاج الحديثة على اقتصاد الدولة المعنية، الذي يشهد نتيجة لذلك طفرة كمية ونوعية كبيرة. ولا شك في أن استضافة الإمارات لمعرض “إكسبو الدولي 2020”، وهو المعرض الاقتصادي والتجاري والاستثماري الأكبر والأهم على مستوى العالم، سيمثل إضافة نوعية للاقتصاد الإماراتي، ولقد أعدت مجلة “ميد” الاقتصادية واسعة الانتشار، تقريراً حديثاً لها، احتوى على توقعاتها بالنسبة إلى الآثار الإيجابية لاستضافة معرض إكسبو على الاقتصاد الإماراتي. وقد توقعت المجلة ارتفاع معدل النمو الاقتصادي في الدولة إلى ما يزيد على 10% سنوياً في نهاية العقد الجاري، وهو ما يعني أن الاقتصاد الوطني سينتقل إلى مرحلة جديدة من الأداء، تضعه ضمن فئة الاقتصادات الأكثر نمواً في العالم.
 
 
خاتمة
تؤكد المؤشرات جميعها قوة الاقتصاد الإماراتي ومتانته وحصانته في مواجهة الأزمات العابرة، وأنه يمتلك كل مقومات النمو والتطور، كما تثبت في الوقت ذاته أن تطلع الإمارات إلى مرحلة ما بعد النفط ليس مجرد شعارات بل حقيقة تتأكد يوماً بعد الآخر، في ظل وجود قطاعات اقتصادية قوية ترتبط بالمعرفة والعلوم والتكنولوجيا، وفي ظل استثمار الإمارات في عنصرها البشري، من أجل إيجاد قاعدة من الكوادر المواطنة التي تقود هذا التحول نحو المستقبل، وبما يحقق نمو مستدام يحافظ على المكتسبات التنموية، ويضمن استمرار الرخاء والازدهار للأجيال المقبلة من أبناء الإمارات.
 


اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-04-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1128

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره