مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-06-04

هل يمكن للصين أن تنهض سلمياً؟

هذا هو السؤال الأبرز الذي يشغل بال المتخصصين في العلاقات الدولية ولاسيما أولئك الدارسين للسياسة الصينية. ليس هناك من أدنى شك بأن الصين استيقظت، واستيقاظها هذا سيهز العالم كما وصفها نابليون بونابرت. جولدن ساش تتوقع أن الصين ستأخذ محل الولايات المتحدة كأكبر قوة اقتصادية في العالم بحلول 2027. فيا ترى كيف سيكون عليه النهوض الصيني؟ 
 
هناك مدرستين حول هذا الموضوع، المدرسة الصينية والتي تحاول ابراز النهوض الصيني بأنه نهوض سلمي ولن يتحول إلى نهوض عسكري وأن الصين ستعمل على تحقيق المنفعة المشتركة للجميع ولن تنافس الوضع القائم أو تحاول تغيره. وهذا بالطبع هو الخط العام الذي تحاول الحكومة الصينية إبرازه للمجتمع الدولي كي لا يخشى النهوض الصيني. ولكن هناك المدرسة الأخرى وهي التي يمثلها العديد من أصحاب المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية والتي تقول بأن النهوض الصيني لا يمكن أن يبقى عند الحدود السلمية بل سيتعداه ليكون نهوضاً عسكرياً مما سينذر بوجود مواجهة عسكرية بين الصين والأطراف الرئيسية في النظام الدولي لاسيما الولايات المتحدة ودول الإقليم الصيني مثل اليابان. يتصدر هذه الفكرة أكاديميان سياسيان مرموقان هما البروفيسور جون ميريشايمر من جامعة شيكاغو الأمريكية والبروفيسور جراهام أليسن من جامعة هارفارد الأمريكية.
 
ميريشايمر أكثر وضوحاً في قناعته بأن الصين لن تنهض سلمياً وأنها ستتجه للمواجهة العسكرية مع الأطراف المنافسة لها في الإقليم ولاسيما الولايات المتحدة واليابان. وهو الذي أتى بفكرة الواقعية الهجومية، وهي التي ترى بأن النهوض الصيني لا يمكن أن يتحقق إلا في حالة فرض الصين هيمنتها على نطاقها الإقليمي الذي تسيطر عليه اليوم الولايات المتحدة. لذلك فالصين بحاجة إلى أن تدفع الولايات المتحدة خارج نطاق الهيمنة على إقليم شرق أسيا مما سيدخلها في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. وهذه عملية لا بد أن تقوم بها الصين إذا ما أرادت أن تحقق النهوض وتكون دولة مهيمنة في النظام الدولي شأنها كشأن الولايات المتحدة. فالصراع حتمي في وجهة نظر ميريشايمر في إطار النهوض الصيني.  
 
أما عن جراهام أليسن فهو لا يتحدث عن حتمية المواجهة ولكنه يعطي من خلال دراسته لحالات المنافسة بين القوى الصاعدة والقوى القائمة خلال الخمسمائة سنة الماضية حجة قوية على أن فرص الصراع بين الصين والولايات المتحدة كبيرة للغاية. لقد درس أليسن مع فريق عمله في جامعة هارفارد الخبرة التاريخية وذكرها في كتابه الذي صدر مؤخراً بعنوان Destined for War وربطها بفكرة ما سماه بفخ ثوسيديدس. هذا الفخ، والذي كتبنا عنه في إحدى المقالات السابقة هنا، يربط بين فكرة وجود قوة صاعدة راغبة في النهوض والبروز وقوة أخرى قائمة بنفوذها تخشى صعود القوة الجديدة الذي يمكن أن تعتبره تهديداً لنفوذها وهيمنتها القائمة.
 
هذا ما ذكره المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس لتفسيره للحرب البيلوبونية التي دارت بين أثينا واسبارطا. لقد ذكر ثوسيديدس بأن السبب الرئيس للحرب هو خوف اسبارطا، القوة القائمة والمهيمنة في تلك الفترة، من تنامي قوة ونفوذ أثينا، القوة الصاعدة في تلك الفترة. الأمر الذي جعل اسبارطا تختار خيار المواجهة لإيقاف تهديد أثينا لهيمنة ونفوذ اسبارطا. هذه النتيجة جعلت أليسن يدرس حالة المنافسة القائمة بين الدول الصاعدة والدول القائمة والنتيجة التي وصلت إليها. 12 من 16 من الحالات التي درسها انتهت بحروب بين الطرفين. هذا الأمر جعل أليسن يصل إلى نتيجة أن الحرب هي الخيار الأكثر حدوثاً في حالات المنافسة بين القوى الصاعدة والقوى القائمة. لذلك فإنه اعتبر في الحالة الصينية بأن فرص المواجهة بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة صاحبة النفوذ القائم كبيرة للغاية. فالصعود الصيني لا يبدو أنه -وفقاً لهذا التحليل- يتجه لأن يكون سلمياً في هذه الحالة. 
 
هذا الموضوع يشغلني كباحث متخصص في السياسة الصينية، وهو ما يجعلني انغمس في دراسة الحالة الصينية وأبعاد صعودها وكيف يمكن ان يؤثر على الأمن والاستقرار العالميين. وهو ما يستحوذ على اهتمامي البحثي في هذه الفترة، أملاً أن أجد الإجابة الأكثر إقناعاً بالنسبة لي حول النهوض الصيني في القريب العاجل.   


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-07-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1175

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره