مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-02-01

هل انتهى زمن الفيتو؟

"الفيتو" هو اصطلاح لاتيني يحيل إلى المنع؛ وهو يشير إلى الإمكانية التي تتيحها القوانين والاتفاقيات لهيئة أو شخص لممارسة حق الاعتراض للحيلولة دون إصدار قرار محدّد أو تشريع معين.
 
وعلى الصعيد الدولي؛ أثار منح استخدام حق “الفيتو” داخل مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة لخمس دول هي بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والاتحاد السوفييتي سابقا (روسيا حاليا) والصين؛ نقاشات سياسية وأكاديمية متباينة وواسعة.
 
ورغم أن الميثاق الأممي لم يتضمن أية إشارة صريحة إلى “الفيتو” أو “حق الاعتراض” أو “حق النقض”؛ فإن المادة السابعة والعشرون تشير إلى أن قرارات مجلس الأمن تصدر في المسائل الإجرائية بموافقة تسعة من أعضائه؛ فيما “تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة بموافقة أصوات تسعة من أعضائه يكون من بينها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة..”.
 
وتشير الكثير من الدراسات إلى أن الولايات المتحدة كانت وراء طرح فكرة “الفيتو” خلال الإعداد لتأسيس هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ وهو ما لقي في حينه معارضة شديدة في أوساط عدد من الدول التي عبرت عن استياءها من إمكانية توظيف هذا “الحق” خدمة لأهداف خاصة للدول الدائمة العضوية بالمجلس.
 
ورغم أن الدول المتمتّعة بهذه الإمكانية أعلنت خلال الأشغال التحضيرية لتأسيس الأمم المتحدة أنها ستلتزم باستعمالها “الفيتو” بحسن نيّة؛ وتسخّرها في خدمة السّلم والأمن الدوليين، فإن واقع ممارسة مجلس الأمن لصلاحياته في هذا الشأن؛ أكّد بالملموس استغلال هذه التقنية بشكل مبالغ فيه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقا؛ خدمة لأهداف خاصة وضيّقة على امتداد فترات الحرب الباردة.
 
فقد استخدم “الفيتو” في حوالي 279 حالة خلال الفترة الممتدّة ما بين سنة 1946 وسنة 1990؛ وهو ما أحدث شللا كبيرا داخل مجلس الأمن؛ عطّله عن القيام بمهامه المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين؛ وأساء لمصداقية الأمم المتحدة بشكل عام.
 
كما استغلّ في عرقلة مصالح المجتمع الدولي بعدما انتقل الصراع بين القطبيين إلى داخل الأمم المتحدة؛ ممّا عرض العالم لكثير من المخاطر والأزمات؛ فيما كانت كلفته ضخمة على مسار القضية الفلسطينية وعدد من القضايا العادلة بالمنطقة.
 
ومع انهيار القطبية الثنائية ونهاية الحرب الباردة برحيل الاتحاد السوفييتي؛ شهد أداء مجلس الأمن قدرا من الدينامية؛ اعتبر معها الكثير من المراقبين والباحثين أن الأمر يعكس طيّا نهائيا لممارسة “حق الاعتراض” من الناحية الواقعية على الأقل..
 
غير أن تزايد الانحرافات في أداء المجلس وتكريسه لتدخلات انتقائية في مقابل تهميش مجموعة من القضايا والأزمات والأولويات الدولية؛ كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية التي لم يتحرك المجلس بشأنها رغم حجم الخروقات والاعتداءات المتكررة المرتكبة من قبل الكيان الإسرائيلي داخل الأراضي المحتلة.. أبرز أن هذه الإمكانية ما زالت تستخدم بصور مختلفة (كالتهديد باللجوء إليها..).. 
 
لم يتمكن مجلس الأمن بعد من اتخاذ قرار حاسم يدعم وضع حدّ للمعاناة التي يلاقيها المواطن السّوري؛ ووقف التدمير الذي يلحق بالبلاد.. رغم التداعيات الخطيرة التي خلفها الأمر على السلم والأمن الدوليين والتي يعكسها تهافت التدخل الإقليمي والدولي في الأزمة؛ وتعقّد الأوضاع الأمنية والإنسانية بالبلاد وما ترتّب عن ذلك من إشكالات طرحها رحيل أكثر من ثلث الساكنة (مهاجرين وطالبي اللجوء) بحثا عن فضاءات آمنة.
 
ويبدو أن هذا العجز والانحراف في أداء المجلس؛ يعود في جزء كبير منه إلى الطابع السياسي للمجلس وللتعقيدات المتصلة باتخاذ القرارات؛ والتهديد باستخدام “حق الاعتراض” الذي غالبا ما يفقد قرارات المجلس حيويتها ونجاعتها في تحمل المسؤوليات المتصلة بحفظ السلم والأمن الدوليين.
 
أثبتت الممارسة الدولية في العقود الأخيرة عن معادلة مختلة، يعكسها التطور المذهل للعلاقات الدولية بتشابكها وانفتاحها وتسارعها المذهل من جهة أولى؛ والجمود الحاصل في قواعد القانون الدولي وضمن أداء منظمة الأمم المتحدة من جهة ثانية..
 
وتجد هذه الأخيرة نفسها في واقع دولي مختلف تماما عن ظروف التأسيس في منتصف القرن الماضي؛ وهو ما يفرض إعمال إصلاحات حقيقية؛ تسمح بتحقيق التوازن بين أجهزتها الرئيسية، وتجاوز الإشكالات المرتبطة بالتمثيلية والتصويت داخل مجلس الأمن؛ والتخلي عن “هذا الحق” الذي يخلّ بمبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه الميثاق الأممي.


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1306

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره