مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2014-10-01

معضـلة النـاتـو

لقد أنشأ ما يسمى بحلف الناتو أو منظمة معاهدة شمال الأطلسي في عام 1949 للدفاع عن دول أوروبا الغربية في مواجهة التهديد القادم من الاتحاد السوفييتي. ولقد كانت فترة ما يعرف بالحرب الباردة جزءاً أساسياً من سياسة الاحتواء للمد الشيوعي في أوروبا. إلا أن سقوط الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات فتح العديد من التأويلات حول مستقبل الحلف ومغزى استمراره لاسيما بعد انتفاء الهدف الأساسي لبقائه والمتمثل في الخطر الشيوعي. إلا أن واشنطن كانت دائماً تصر على بقاء الحلف وذلك لأنه يمثل أداة رئيسية لوجودها وتوغلها في أوروبا عسكرياً وسياسياً.
 
ولا أحد يستطيع أن يُنكر أن للحلف منذ سقوط الاتحاد السوفييتي العديد من النجاحات والعديد من الإخفاقات على المستوى الإستراتيجي. ولعل من نجاحاته الدور الذي قام به في كل من البوسنة في 1995 وفي كوسوفو في عام 1999، رغم أن تلك العمليات أخذت وقتاً طويلاً لتؤتي بنتائجها المقبولة. ولكن عمل الناتو في أفغانستان وعمله كذلك في ليبيا كانت ذو نتائج سلبية ولم تحقق الأهداف التي كان من المرجو تحققها على أرض الواقع.
 
ويبد اليوم أن الناتو وجد ضالته في أحداث أوكرانيا والدور التوسعي - من وجهة نظر الحلف - لروسيا في مناطق شرق أوروبا. فالحلف يستطيع اليوم أن يُسوق لخطر روسيا على أوروبا وذلك من أجل ضمان بقائه واستمراره كمنظومة أمنية تعمل على تحقيق أمن واستقرار أوروبا. لكن المعضلة الأساسية للحلف هي أن تطلع الحلف لتقوية شرعيته كمنظومة أمنية مهمة تصطدم مع المصلحة الوطنية الروسية التي تعتبر توسع الحلف نحو دول شرق أوروبا - والتي تدور تقليدياً في فلك النفوذ الروسي - أمر غير مقبول لديها. وما أزمة أوكرانيا إلا دليل واضح على أن موسكو لا يمكن أن تقبل بوجود إستراتيجي للحلف على حدودها. 
 
إن ما تشير له أحداث أزمة أوكرانيا هو أن الدب الروسي مستعد للتكشير عن أنيابه في مواجهة حلف الناتو ولو تتطلب الأمر الدخول في مواجهة مسلحة معه. إن سياسة الناتو للتوسع والتمدد شرقاً حدثت في وقت لم يتمكن الحلف من تقوية نفسه، بل الواقع أن سياسة التمدد هذه أدخلت على الناتو دول جديدة ضعيفة عسكرياً وغير متجانسة سياسياً واجتماعياً، الأمر الذي يجعل من مهمة الناتو صعبة للغاية في الدفاع عنها في حالة ما قامت روسيا بعمل عسكري ضدها. 
 
والقيادة الروسية تعلم ذلك جلياً، فالتكاليف لا توازي المكاسب في حالة ما أقدم الناتو على خيار العمل العسكري ضد روسيا. صحيح أن روسيا ليست كما كانت زمن الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى عالمية، لكنها من دون شك قوة إقليمية تستطيع من خلال نفوذها في الجوار الإقليمي أن تثير المشاكل هناك، وتستطيع أن تُدخل كل من يحاول أن يتدخل هناك في مستنقع خطير.
 
إن الحقيقة الواضحة هي أن واشنطن لن تتدخل في صراع عسكري مسلح مع موسكو حول دول مثل إيستوانيا ولاتيفيا وليتوانيا أو حتى بولندا. الأمر الذي سيجعل الناتو في مشكلة أكبر، حيث أن دوله لن تتمكن من القيام بشي من دون الولايات المتحدة. وعليه فإن الناتو يحتاج إلى الأخذ بعين الاعتبار المصلحة الروسية في أي إستراتيجية يتبناها نحو دول شرق أوروبا.
 
ولكن الواضح أن إدارة الناتو تتطلع دائماً إلى إثارة المخاطر بهدف تعزيز وتقوية وشرعنة وجوده كمنظومة أمنية هامة. وهذا بالطبع بحاجة إلى توافق أوروبي أمريكي، وهو على ما يبدو غير موجود في الحالة الراهنة مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما. فلا عجب أن تنتصر موسكو في معركتها مع الغرب في أوكرانيا.


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1310

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره