مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2012-05-01

محددات الموقف الخليجي تجاه الأزمة السورية

لقد اتخذت دول الخليج العربية مواقف أكثر قوةً وحزماً ضد النظام السياسي السوري مقارنةً بالكثير من غيرها من الدول العربية؛ وقدمت الدول الخليجية الدعم السياسي والمعنوي للشعب السوري المطالب بحريته وإسقاط نظامه، وقد تزعمت هذا التوجه كل من السعودية وقطر اللتين أصبحتا في طليعة الدول الخليجية بل والعربية المطالبة بالتشدد في التعامل مع نظام بشار الأسد، ولم يأت هذا الموقف من فراغ، بل جاء بناءً على مجموعة من المحددات.
 
أول هذه المحددات هو الرفض الخليجي لحالة العنف المنظم الذي يتبعه النظام السياسي في سوريا ضد الشعب السوري، وهو العنف الذي لا يمكن للدول الخليجية وفي مقدمتهم السعودية -التي تمثل مركز الثقل الإسلامي - القبول به أو السكوت عنه، فالمحدد الإنساني كان حاضراً في الموقف الخليجي تجاه ما يحدث في سوريا والمرفوض على المستويين الشعبي والحكومي الخليجي.
 
 ثاني المحددات هو أن دول الخليج العربية أرادت أن توضح موقفها بأنها ليست ضد تطلعات الشعوب العربية في الإصلاح، بل أن مواقفها من أحداث ما يعرف بالربيع العربي أبرز مؤشر على دعمها للشعوب وليس للأنظمة، على الرغم من أن تلك المواقف ينظر إليها البعض على أنها تضر ببعض المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بها، فدول الخليج لا تعارض طموح الشعوب في التغيير، ولقد كان هذا الموقف واضحاً من خلال دعم الدول الخليجية لتطلعات الشعوب العربية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، ودعمها اليوم لتطلعات الشعب العربي السوري في العيش بكرامة وحرية وعدالة بعيداً عن حكم الاستبداد.  ثالث المحددات في الموقف الخليجي هو التخوف الخليجي من حالة عدم الاستقرار الذي يمكن أن يولده استمرار العنف في سوريا، واستثمار العديد من الأطراف الإقليمية والدولية لتلك الحالة للتوغل في شؤون المنطقة، الأمر الذي سيجعل سوريا لبناناً جديداً أو عراقاً آخر، حالة عدم الاستقرار في سوريا ستؤدي إلى اندلاع حرب أهلية في ذلك البلد مما ينذر بتوسع تلك الحرب لدول أخرى في المنطقة كلبنان والأردن، دول الخليج وفي مقدمتها السعودية متخوفة من الفلتان الأمني الذي سيؤدي بالإضرار بمصالحها عن طريق استغلال بعض الدول للوضع في سوريا للدفع بأجنداتها الطائفية والمذهبية والعرقية والتي من شأنها أن تلقي بظلالها على أمن واستقرار المنطقة الخليجية.   ورابع المحددات هو محاولة ملء الفراغ الذي خلفه تراجع القيادة الأمريكية في المنطقة، مع التردد الأمريكي في التدخل لحسم الأزمة في سوريا لصالح المعارضة، فالتراجع الأمريكي خلق بؤر أزمات، وأعطى رسائل لبعض الدول لتتشدد في مواقفها في سبيل دعم مصالحها في المنطقة، فالتراجع الأمريكي عن القيادة حمس روسيا والصين لأخذ زمام المبادرة، وشجع إيران على التشدد، وجعل العراق يميل بشكل كامل نحو إيران، وشجع بشار الأسد على الاستمرار في استخدام الآلة العسكرية ضد الشعب السوري مستنجداً بالسلاح والخبرة الإيرانية والدعم الروسي، وبالتالي فإن دول الخليج العربية رأت أنه من الضروري أخذ زمام المبادرة في تحديد مستقبل المنطقة العربية، وعدم ترك الأمور لدول أخرى تحاول أن تستثمر الوضع لخلق نظام إقليمي يحقق مصالحها ويهمش مصالح الدول العربية أو يحاول – كما كان– شق الصف العربي والتدخل في شؤونه بشكل مباشر.    وخامس المحددات مرتبط أساساً بالنظام السوري الذي يختلف كل الاختلاف عن بعض الأنظمة العربية الأخرى التي شهدت ثورات شعبية ضدها كنظام بن علي في تونس ومبارك في مصر وصالح في اليمن والقذافي في ليبيا، فالنظام السوري أضر بالمصالح العربية بشكل كبير بسبب تحالفه الأعمى مع إيران، وعدم تغليبه للمصلحة العربية في تلك العلاقة، فانحيازه الكامل إلى إيران أضر بالمصالح العربية رغم الجهود والمحاولات الخليجية لثنيه عن الانحياز الكامل والعمل على اللعب بسياسة التوازن التي كان والده حافظ الأسد يتبعها. تلك هي المحددات التي يمكن أن تفسر الموقف الخليجي تجاه الأزمة في سوريا، وفي أقل تقدير فإن دول الخليج لم ترد أن تبقى بعيدة عن ما يحدث فجاءت مواقفها تعبيراً عن تلك الرغبة.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1306

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره