مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-09-01

ما الذي أوصل المنطقة العربية إلي ما هي عليه ؟

عندما تنظر اليوم إلي منطقتنا العربية فإنه ينتابك شعور بأن الجزء الأكبر منها عاد كما يبدو إلى حال الطبيعة التي تكلم عنها توماس هوبز أحد آلمع فلاسفة السياسة. هوبز تحدث في كتابه اليفيثيان 1668 عن أن البشر قبل قيام الكيان السياسي كانوا في حرب الجميع ضد الجميع، فالقوي يأكل الضعيف، وأن الجميع كان له حق طبيعي في حماية نفسه من الآخرين. إنها حال الطبيعة التي لم تعكس خير الإنسانية بل عكست فطرة الإنسان الأنانية. لذلك كان لابد من التحول إلى الكيان السياسي تحت إمرة الحاكم المطلق الذي يُعتبر الجامع والمنظم لعلاقة الناس بعضهم ببعض، بحيث يحمي الجميع ولو بالقوة. فجاءت الدولة لتنظم العلاقات ولتحتكر القوة والعنف كما وصفها ماكس فيبر أحد ألمع فلاسفة علم الإجتماع. 
 
منطقتنا العربية تشهد اليوم هشاشة وضعف للدولة الوطنية بشكل واضح وملموس، وهو ما أدى إلي الحال الذي وصلنا إليه. الدولة ما عادت قوية كما تمناها هوبز، والقوة والعنف ما عادت في يد الدولة كما أطر لها فيبر، لذلك عدنا إلي أشبه ما يكون بعالم ما قبل الدولة حيث أن الكل يحتمي بالجامع الذي يربطه بمن حوله لمواجهة الآخر. فضعف الدولة في منطقتنا هو الذي أوصلنا إلي الحالة التي نجد فيها الصراع الطائفي والديني والمذهبي والعرقي والفكري.
 
ضعف الدولة في لبنان والعراق وليبيا واليمن وسوريا والصومال وفلسطين وإلى درجة مصر ولد العودة إلي نوع ما حال الصراعات وعجز الدولة عن لعب دورها في احتكار القوة والعنف لضمان الأمن والإستقرار. فالقوة العسكرية ما عادت في يد الدولة بل في يد جماعات داخل الدولة تنافس مهمة الدولة وتضعفها لصالح تعزيز حال الصراع في داخل الدولة. فهناك حزب الله في مواجهة الدولة اللبنانية، وهناك الحشد الشعبي وداعش والقاعدة في مواجهة الدولة العراقية، وهناك الحوثيين وداعش والقاعدة في مواجهة الدولة اليمنية، وهناك داعش والقاعدة في مواجهة الدولة السورية، وهناك الإخوان المسلمون وداعش في مواجهة الدولة المصرية، وهناك القاعدة في مواجهة الدولة الصومالية، وهناك الإخوان المسلمون وداعش والقاعدة في مواجهة الدولة الليبية، وهناك الإخوان المسلمون في مواجهة الدولة الفلسطينية. 
 
هذا الضعف الداخلي للدولة الوطنية قابله دور خارجي ساهم في تفاقم ضعف الدولة الوطنية عن طريق التدخلات المتعمدة من قبل دول أجنبية في شؤون دول أخرى تنتهك سيادة تلك الدول التي من المفترض أن تُحترم من الآخريين. فالدولة العراقية ما كان لها أن تضعف لولا الإحتلال العسكري الأمريكي والتدخل الإيراني السافر في شؤون العراق الداخلية؛ والدولة الليبية ما كان لها أن تضعف لولا تدخل الناتو وبعض الدول الأخري في الشأن الليبي؛ والدولة اليمنية ما كان لها أن تتهاوى لولا التدخل الإيراني لدعم الحوثيين؛ والدولة اللبنانية ما كان لها لتنكسر لولا التدخل السوري والإيراني في ذلك البلد؛ والدولة السورية ما كان لها أن تضمحل لولا التدخل الإيراني والروسي والتركي هناك. 
 
بكل بساطة نقول إن الحالة السيئة التي وصلت إليها منطقتنا العربية وللأسف الشديد هي نتاج تفكيك وإضعاف الدولة الوطنية والذي سمح لشعوب تلك الدول أن تعود إلي حال الطبيعة الأولى. الحل إذاً في عودة قوة الدولة وضمان احتكارها هي فقط لوسائل القوة ومن دون منافس لها في الداخل وتهديد لسيادتها من الخارج.


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-08-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1186

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره