مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-06-01

لماذا لن تتخلى أمريكا عن الخليج؟

يتحدث البعض عن إمكانية خروج الولايات المتحدة من المنطقة الخليجية في غضون العشرين سنة القادمة، مبررين حججهم بنتائج بعض التقارير الأمريكية التي تقول بأن الولايات المتحدة ستصبح مع سياسة أوباما للاكتفاء الذاتي دولة مصدرة للنفط خلال العشرين سنة القادمة. أي أنهم يحاولون القول بأن المصلحة الأمريكية في منطقة الخليج ستنتهي مع اكتفاء الولايات المتحدة نفطياً، الأمر الذي سيؤدي إلى تخلي الولايات المتحدة عن المنطقة الخليجية في وجهة نظرهم.
 
قد تكون مسألة الإكتفاء الأمريكي في مجال حاجتها من النفط عملية واردة مع سياسة الرئيس أوباما في مجال الإستثمار في مجال الطاقة المتوفرة في الولايات المتحدة، لاسيما مع التوجه نحو استثمار النفط والغاز المتاح في المياه الأمريكية، إلا أن القول بأن ذلك سيؤدي إلى خروج الولايات المتحدة من المنطقة وابتعادها عن مسألة حماية أمن الخليج هو أمرٌ في وجهة نظرنا مبالغ فيه. الولايات المتحدة تنظر إلى هذه المنطقة نظرة إستراتيجية وليست نظرةً تكتيكية، فالنظرة الإستراتيجية طويلة المدى في حين أن النظرة التكتيكية قصيرة المدى؛ وإن كانت واشنطن تربط مصلحتها بنفط المنطقة إلا أن هذا الربط يأخذ بعين الاعتبار أهمية النفط كمادة محركة للاقتصاد العالمي وليس فقط للاقتصاد الأمريكي.
 
النظرة الإستراتيجية الأمريكية تحركها مجموعة من المحددات الإستراتيجية الرئيسية المؤثرة على مصلحتها الوطنية، والنفط هو المحدد الإستراتيجي الأهم في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة الخليجية وذلك لاعتبارين رئيسيين: الأول هو أن أمريكا مستورد للنفط الخليجي وبنسبة لا تقل عن 16 % من إجمالي حجم وارداتها من النفط الأجنبي، لذلك فإن حاجتها من النفط تفرض عليها الإهتمام بالمنطقة حماية لمصلحتها تلك، والثاني هو أن الاقتصاد الأمريكي يعتمد على الاقتصاد العالمي في ظل العولمة الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة، وأن النفط عنصر هام جداً في ديمومة قوة الاقتصاد العالمي لاسيما لدول محورية فيه مثل الصين واليابان والبرازيل والهند وبالطبع للدول الأوروبية، لذلك فإن عامل الحاجة النفطية الحالية للولايات المتحدة يجعلها تتمسك بأمن المنطقة لضمان أمنها، ولكن عامل الحاجة النفطية المستمرة للاقتصاد العالمي يجعل واشنطن تتمسك بشكل أكبر بنفوذها ومكانتها في المنطقة الخليجية بهدف ضمان تدفق نفط المنطقة بسلاسة وسعر مقبول عالمياً. 
 
إن الولايات المتحدة دولة عظمى وتعلم أن هناك دول تعمل على منافستها ومحاولة زحزحة أو التقليل من نفوذها حول العالم، لذلك لا يمكن لواشنطن أن تسمح بذلك. عين واشنطن دائماً على الصين، فهذه الأخيرة تعتبرها واشنطن المنافس الحقيقي لها، وبالتالي من الواجب عدم السماح لكل ما من شأنه أن يفتح المجال أمام الصين كي تخلق نفوذاً جديداً لها في النظام الدولي، وحتى لو أصبحت الولايات المتحدة دولة مكتفية من حيث الطاقة إلا أنها لا يمكن أن تترك المنطقة الخليجية في فراغ تعلم جيداً بأن الصين ستسعى جاهدة إلى ملئه وبأسرع وقت ممكن، لاسيما وأن الصين دولة متعطشة للنفط الخارجي لسد رمق حاجتها المتزايدة منه والذي لا يمكنها أن تسده عبر الاعتماد على ذاتها. إن معادلة الربح والخسارة هي التي تتحكم في فلسفة الدول الكبرى ولاسيما تلك الساعية للمنافسة على النفوذ والهيمنة والوصول أو البقاء في نادي الدول العظمى. 
 
تعيش الولايات المتحدة في الوقت الراهن حالة حرب باردة مع الصين؛ وتدرك واشنطن أن بكين تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها عبر العالم لاحتواء وتطويق النفوذ الأمريكي، لذلك نجد واشنطن تعطي الصين أهمية قصوى في ترتيباتها الإستراتيجية أملاً في احتوائها والتقليل من نفوذها. نفوذ الصين بالطبع متراجع في الوقت الراهن في المنطقة الخليجية نظراً لقوة النفوذ الأمريكي، لكن تراجع النفوذ الأمريكي لن يعني إلا دخول الصين في المنطقة، وهذا ما لا يمكن للمخطط الإستراتيجي الأمريكي القبول به وهو ما أعلنت عنه خطط الأمن الوطني الإستراتيجي الأمريكي منذ فترة من الزمن. لذلك فإن الترويج لأفكار خروج الولايات المتحدة من المنطقة أمر مبالغ فيه في وجهة نظرنا، بل ومستبعد وفقاً للمعطيات الإستراتيجية المحركة للسياسة الخارجية الأمريكية.      


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1310

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره