مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-12-04

تنسيق القوى الوطنية

تواجه منطقتنا العربية حاليا سلسلة من التحديات الاستراتيجية، وهو ما يفرض علينا صرورة مواجهتها بكل قوة. ولذلك، لا يقتصر الأمر بالنسبة لقادتنا الاستراتيجيين على مجرد فهم واستيعاب وسائل الوى الوطنية وكيفية تطبيق الاستراتيجيات والسياسيات فحسب، بل أن يكونوا قادرين أيضا على تنسيق الجهود الحكومية بما يضمن استخدام القوى الوطنية على أفضل وجه ممكن. وحتى في حالة فهم كيفية استخدام القوى الوطنية بصورة جيدة، فإن القدرة على تنسيق كافة الجهود لتحقيق النجاح على المستوى الاستراتيجي تظل تشكل تحديا صعبا، الأمر الذي يستوجب ضرورة فهم الوسائل الفعالة اللازمة لتنسيق الجهود الوطنية. وعادة ما تستخدم الدول ثلاث وسائل لتنسيق هذه الجهود، وهي استخدام المؤسسات ، والوسائل، وقيادة الأفراد.
 
المؤسسات. تضم أي دولة قائمة بعض المؤسسات التي تساعد قيادتها السياسية على إدارة شؤون الدولة. فمجالس النواب (البرلمانات) والوزارات والمحاكم كلها مؤسسات تساهم في إدارة الشؤون الداخلية للدولة، ولكن عادة ما يتعين على الدولة بناء مؤسسات للمساهمة في عملية إدارة الشؤون الخارجية والسياسة الخارجية للدولة. ولدينا في دولة الإمارات العربية المتحدة المجلس الأعلى للأمن القومي، ومهمته وضع السياسات وتنسيق عملية تنفيذ أنشطة سياستنا الخارجية. ولدينا أيضا الهيئة الوطنية لإدارة الأزمات والكوارث التي تعمل على تركيز الجهود المتعلقة بالتعاون بين الوزارات المختلفة بهدف مواجهة الكوارث والأزمات الأخرى.
 
الوسائل. تشكل المؤسسات منابر مهمة لبحث كيفية تطوير السياسات، وتعتبر قنوات طبيعية لتقديم التوصيات، ولكن ضمان فعاليتها على أفضل وجه يفرض على الدول ضرورة تطوير الوسائل التي تتيح إمكانية تحسين وتطوير الاستراتيجيات والسياسات. ويمكن تعريف تلك الوسائل (مثل مراجعة الميزانية السنوية) أو تشكيل لجان متخصصة (مثل التي يتم تشكيلها في حالات الأزمات الطارئة)، ولكن الدول الناجحة تحرص على مراجعة كل وسيلة من الوسائل للتأكد من فعاليتها، ومن ثم تنقيحها للتأكد من رفع كفاءتها مستقبلا. كما تحرص الدول الناجحة ايضا على أن تشمل وسائلها مراجعة الدروس المستفادة ووضع المعايير لقياس درجة التطور والاعتماد على فرق الطوارئ بصورة متكررة وطرح أفكار مبتكرة غير تقليدية (“خارج الصندوق”) بهدف تقليل فرص التعرض لأي مفاجآت ليست في الحسبان والمساعدة في طرح توقعات حول التحديات المنتظرة.
 
القيادة. بغض النظر عن المؤسسة أو الوسيلة، تعتبر القيادة عنصرا أساسيا (لاسيما على المستوى الاستراتيجي). ويجب على القيادة الاستراتيجية أن تتحلى بالقدرة على الابتكار والقدرة على طرح الحلول المناسبة، وأن تتسم تلك الحلول بالإبداع وبالحكمة والاتزان من أجل إحداث التغيير الحتمي المنشود. كما يجب على القيادة الاستراتيجية أيضا أن تكون قادرة على طرح رؤيتها بغرض تحفيز الآخرين ودفعهم إلى التحرك، وذلك عن طريق طرح أفكارها بصورة فعالة والتواصل مع الأفراد المعنيين بالأمر، ومن ثم وضع أرضية مشتركة من التفاهم والاتفاق حول الأهداف المستقبلية. كما يجب على القيادة الاستراتيجية أيضا أن تكون قادرة على التحرك والتصرف، وأن تتحلى بالقدرة التنظيمية والقدرة على اتخاذ القرار بهدف توحيد الأفراد والمؤسسات، ومن ثم ترجمة الاستراتيجية إلى واقع ملموس.
 
إن أفضل قيادة استراتيجية هي تلك التي تتحلى بالقدرة على الاستعداد للمستقبل ووضع الأهداف البعيدة المدى وفهم بيئة المؤسسة دون أن يأتي ذلك على حساب قدرتها على التكيف بما يجعل عملية تنسيق القوى الوطنية مرنة وقادرة على التكيف مع أي وضع حسبما هو مطلوب. ومن البديهي أن القيادة الاستراتيجية لا تستطيع أن تنجز كل شيء بنفسها. فالتحدي الذي تواجهه أي قيادة سياسية لا يتعلق بكيفية وضع الاستراتيجية المثلى والرؤية الواضحة فحسب، بل وأيضا تشكيل فريق استراتيجي وبناء الكوادر اللازمة القادة على التكيف مع الأوضاع عند تنفيذ وتنسيق الجهود حسبما تقتضيه الظروف. 
 
ومع تواصل مسلسل الحرب في العراق وسوريا واليمن أيضا، يجب أن تتحلى دول المنطقة بالقدرة على تنسيق جهودها حتى وهي تواجه ظروفا متضاربة ومعاكسة قد تجبرها على اتخاذ اتجاهات مختلفة متناقضة. وفي ظل عالم اليوم الذي يتسم بالتعقيد والصعوبة والغموض يجب مراجعة أهدافنا الوطنية بصورة مستمرة، وهو ما يعني ابتعاد التنسيق الفعال للقوى الوطنية عن التشدد أو التصلب أو التنظير العقائدي. ف “رؤية الإمارات حتى عام  2021» تهيب بأبناء الإمارات ب «ضرورة تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الثروة البشرية الوطنية عن طريق تعظيم مشاركة أبناء الإمارات وبناء كوادر قيادية مواطنة في القطاعية العام والخاص». ومن الجدير بالذكر أن دولة الإمارات العربية المتحدة تتمتع بتاريخ حافل طويل من القيادات الاستراتيجية التي تتمتع برؤية ثاقبة للمستقبل، الأمر الذي يدعو دولة الإمارات إلى الاطمئنان إلى المستقبل، ولكن العالمين ببواطن الأمور يدركون تماما أن إحراز أي نجاح يتوقف على الاستخدام الأمثل للمؤسسات والوسائل، بالإضافة إلى قرارات قياداتها الاستراتيجيين الذين ينتظرون منا كل الدعم والمساندة وهم يقودون سفينة الإمارات في عالم الغد المغلف بالغموض.


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-12-06 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1329

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره