مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-04-05

دبلوماسيّة المدن

على امتداد التاريخ الإنساني أدت مدن بعينها أدواراً حضارية وثقافية مهمة؛ كان لها الأثر الكبير في تعزيز التواصل والحوار بين مختلف الشعوب.. ونذكر في هذا السياق أثينا وروما والقيروان وفاسوقرطاجنة..
 
لقد تزايدت أهمية المدن في الوقت الراهن؛ مع تطور الديمقراطية المحلية؛ وتعاظم المهام والتحديات الملقاة على الأجهزة والنخب المعنية بتدبير هذه المدن؛ وما يفرضه ذلك من اعتماد تدبير استراتيجي قادر على خلق الثروة وتحقيق التنمية والمساهمة في تحقيق السلم والأمن الدوليين في تجلياتهما المختلفة.
 
تؤكّد تقارير الأمم المتحدة أن عدد سكان العالم في المناطق الحضرية تضاعف ثلاث مرات منذ بداية القرن العشرين إلى حدود سنوات التسعينيات من القرن المنصرم. كما ارتفعت نسبة المدن المليونية التي تحتضن أكثر من خمسة ملايين نسمة على امتداد مناطق مختلف من العالم؛ وأضحت إسهامات المجال الحضري في اقتصاديات الدول أكثر قوة وأهمية بالنظر لتطور الصناعات والأنشطة الخدماتية المختلفة.. مقارنة بما كان عليه الأمر في الماضي.. فيما تشير الإحصائيات إلى أن هناك مدناً عالمية كما هو الشأن بالنسبة ل”سيول” و”ساو باولو”.. تضاهي بمقوماتها البشرية والاقتصادية.. إمكانات بعض الدول نفسها..
 
أضحى الخيار اللامركزي من أبرز السمات التي تميز الأنظمة السياسية والإدارية الديمقراطية المعاصرة؛ فهو وسيلة مثلى لإشراك الساكنة في تدبير شؤونهم، كما أنه يمثّلآلية لتخفيف أعباء الدولة المتزايدة؛ ونهج سياسة القرب ودعم الديمقراطية المحلية..
 
إن المجال الدبلوماسي هو شأن سيادي تمارسه الدول؛ غير أن تشابك العلاقات الدولية وتعدد الفاعلين؛ وتعقد المصالح والقضايا والأزمات الدولية.. وتعدد القنوات المؤثرة في توجهاتها؛ وضع السياسة الخارجية للدول أمام محك حقيقي فرض عقلنة أكبر ومشاركة أوسع في صياغة القرار الخارجي بالشكل الذي يضمن نجاعتها وعقلنتهاودمقرطتها وتحقيقها للأهداف والمصالح المتوخاة.. وهو ما أتاح بروز الدبلوماسية الموازية التي تقودها مختلف الفعاليات من أحزاب ومجتمع مدني وجامعات وجماعات محلية..
 
إن وظيفة السياسة الخارجية للدول لم تعد مقتصرة على نسج وتعزيز العلاقات التقليدية بين الدول؛ بل أصبحت تحمل على كاهلها مسؤوليات جساماً؛ ترتبط بتدبير الأزمات المختلفة وجلب الاستثمارات وتعزيز المصالح العليا للدولة في جوانبها ومظاهرها المتعددة؛ بالإضافة إلى المساهمة في خدمة قضايا السلم والأمن الدوليين..
 
أدت الكثير من المدن الأوروبية دوراً محورياًفي تلطيف الأجواء المتوترة في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ وتعميق وتمتين العلاقات بين الشعوب الأوربية ودعم أسس الاتحاد الأوروبي وتوطيد شرعيته الشعبية؛ عبر إبرام اتفاقات التوأمة الشراكةوالتعاون..
 
ووعياً منه بأهمية ونجاعة التعاون بين المدن والجماعات المحلية؛أقرّمجلس الاتحاد الأوروبي عدة اتفاقيات تدعم هذا الخيار؛ حيث صادقت دول المجموعة الأوربية على اتفاقية مدريد بتاريخ 21 مايو 1986 التي شكلت إطاراً قانونياً يضفي طابعاً من الأهمية والشرعية على مختلف الاتفاقات المبرمة في هذا الصدد؛وتوالت الاتفاقيات المبرمة في هذا الصدد؛ومنها اتفاقية روما بين إيطاليا وفرنسا سنة 1993 واتفاقية بايون بين فرنسا وإيطاليا لسنة 1995؛ كمابادرت مجمل دول الاتحاد إلى تأطيره (التعاون بين المدن) قانونياً وتفعيله ميدانياً..
 
لم تعد إسهامات المدن في دعم السياسة الخارجية للدول مقتصرة على أسلوب التوأمة الذي ينطوي على أهمية رمزيةتتجسد في تعزيزالتضامن الإنساني والتبادل الثقافي وترسيخ ثقافة الحوار والتواصل؛ بل تطوّر الأمر إلى إعمال اتفاقات الشراكة والتعاون في علاقتها بنقل التكنولوجيا والتجارب والخبرات وإحداث المشاريع المختلفة وتشبيك المصالح المختلفة.
 
وأمام التردي الذي أصاب النظام الإقليمي العربي وتصاعد حجم الأزمات والصراعات في المنطقة؛ واهتزاز صورة العرب والمسلمين في الخارج؛ يمكن لدبلوماسية المدن أن تؤدي أدواراًمهمة على مستوى تجاوز حالة الاحتقان التي تطبع المنطقة؛ والسعي لترسيخ صورة مشرقة تدعم الحوار والتواصل الإنسانيين.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-01-04 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-02-24
2014-11-11
2014-12-20
2014-12-23
2015-11-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1057

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره