مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-12-04

ترامب وهاجس الزعامة الأمريكية

فرضت الولايات المتحدة منطقها وقطبيتها على الشؤون والقضايا الدولية منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي؛ وقد سعت إلى ذلك بعد حالة الفراغ الاستراتيجي التي خلفها رحيل الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين؛ بعد زهاء نصف قرن من الاستقطاب الثنائي والصراع الإديولوجي الذي زجّ بالعالم في الكثير من الأزمات؛ التي كادت أن تزجّ بالعالم في مواجهات خطرة..؛ مستثمرة في ذلك الكثير من المقومات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية.. التي لم تجتمع لغيرها من القوى الدولية الكبرى..
 
حقيقة أن تكريس القطبية الأحادية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ العلاقات الدولية؛ أسهمت فيه الكثير من العوامل؛ في علاقة ذلك بتوجّه الولايات المتحدة إلى فرض زعامتها من جانب واحد؛ فيما لم تطرح القوى الدولية الكبرى التي كانت مرشحة لكي تلعب أدوارا طلائعية بعد الحرب الباردة؛ أي بديل في هذا الخصوص، فاليابان لم يستطع التخلص من مشاكله الاقتصادية والمالية المتنامية، ولم يتمكن بعد من طرح تصوّر واضح المعالم بصدد رؤيته للمحيط الدولي وقضاياه الحيوية.
 
ورغم المكتسبات الاقتصادية التي حقّقها الاتحاد الأوربي في العقود الأخيرة؛ فإنه لم ينسلخ عن التبعية للولايات المتحدة الأمريكية عسكريا واقتصاديا وبصدد تدبير العديد ممن القضايا الدولية الراهنة؛ كما أنه لم يفلح في صياغة سياسة خارجية موحّدة؛ وهو ما عكسه التباين بصدد التعاطي مع المشكلات المالية التي لحقت العديد من الدول الأعضاء؛ إضافة إلى عدم القدرة على بلورة سياسة موحدة وبنّاءة إزاء قضايا الهجرة واللجوء التي طرحت بحدّة في السنوات الأخيرة.. فيما بدأ الشرخ يصيب هيكل الاتحاد مع قرار بريطانيا القاضي بالانسحاب منه في الآونة الأخيرة..
 
ومن جهتها؛ انشغلت روسيا لسنوات عديدة بالإشكالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التي تمخضت عن تفكك الاتحاد السوفييتي؛ حيث تعايشت في كثير من الأحيان مع التوجهات الأمريكية بصدد مختلف الأزمات والقضايا الدولية والإقليمية.. قبل أن تعود بشكل محتشم إلى الساحة الدولية عبر بوابة بعض الأزمات الدولية في الفترة الأخيرة؛كما هو الأمر بالأزمة السورية.. 
 
أما فيما يتعلق بالصين؛ فقد ظلت منشغلة بمجموعة من الأولويات الداخلية في علاقتها باسترجاع بعض الأقاليم وتحقيق التنمية الداخلية، ورغم توجهاتها الحثيثة نحو تعزيز مكانتها الاقتصادية على الصعيد الدولي؛ إلا أن طرح قطبيتها كفاعل سياسي دولي؛لم يتبلور بعد بشكل واضح..
 
لم تخل أجواء حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة من شعارات ووعود تعكس هاجس تعزيز المكانة الدولية لأمريكا، وهو ما عبر عنه المرشح الجمهوري "دونالد ترامب" بإعادة الاعتبار والهيبة لأمريكا.. حيث طرح في هذا الإطار؛ مجموعة من الشعارات؛ تجسّد في مجملها تكريسا لمفهوم واسع وشمولي للأمن القومي الأمريكي المتجاوز للحدود..؛ وميلا نحو تأبيد الزعامة الدولية في مواجهة التمدّد الاقتصادي للصين والتحركات الروسية الإقليمية الأخيرة..
 
إن السعي لتحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية التي بدت معالمها منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي لا يطرح إشكالات بقدر ما تثيرها الآليات والسبل التي طرحها "ترامب" على سبيل تحقيق هذه الأهداف؛ والتي جاءت مثيرة وخلفت الكثير من الجدل والمخاوف (بناء جدار عازل على الحدود مع المكسيك للحيلولة دون تسرب المهاجرين غير السريين؛ وطرد ما يربو من 11 مليون مهاجر سري بالبلاد؛ ورفض دخول المسلمين إلى البلاد؛ والدعوة لإعادة التفاوض بصدد الاتفاقيات التجارية العالمية..).
 
إن مكافحة الإرهاب وصدّ الجماعات المتطرّفة؛ وإيجاد حلّ لمعضلة الهجرة السّرية؛ وحسم الأزمات الدولية الكبرى.. والتي أثارها الرئيس الأمريكي الحالي في حملته الانتخابية؛ كلها رهانات دولية ملحة في عالم اليوم؛ تتطلب بلورة مداخل مشروعة وناجعة لترجمتها ميدانيا في إطار من التعاون والتشاور الدوليين؛ أما الزّج بالسياسة الخارجية الأمريكية في قرارات انفعالية وغير محسوبة العواقب؛ فسيفرز حتما نتائج عكسية؛ ويكرّس صورة قاتمة عن "النظام الدولي" الذي تقوده أمريكا.


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-06-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1164

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره