مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-02-01

المؤّسسة العسكرية وتحولات "الحراك العربي"

طالما اعتبرت الأنظمة الشمولية؛ المؤسسة العسكرية بمثابة أساس تبني عليه وجودها وبقاءها في السلطة،حيث ظل هذا المجال غامضاً ويدبر بشكل من الانغلاق؛ الأمر الذي جعله مرتعاً للفساد والريع، وكثيراً ما انخرطت هذه المؤسسة في القضاء على المعارضين؛ بذريعة تهديدهم للاستقرار والوحدة الوطنية.
 
 
غير أن التحولات المذهلة التي شهدها العالم منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي على مستوى دعم التوجهات الديمقراطية وترسيخ حقوق الإنسان؛ لم تعد تسمح لهذه المؤسسات بالقيام بأدوار سياسية بنفس القوة التي كان عليها الأمر خلال فترة الحرب الباردة.
ففي أعقاب هذه المتغيرات؛ سعت الكثير من دول أمريكا اللاتينية التي عانت لعقود من ظاهرة الانقلابات العسكرية إلى وضع الجيوش تحت سلطة السلطة المدنية الشرعية، وعملت على الحّد من حالة الشك التي سادت لعقود بين الطرفين.
 
 
تبرز الممارسة الميدانية أن المؤسسة العسكرية أدت دوراً كبيراً وحاسماً في مسار الحراك بالمنطقة؛ ويبدو أن مواقف هذه المؤسسة؛ تتحكم فيها توجهات السلطة الحاكمة ومواقفها من الحراك. ففي تونس كان للمؤسسة دور محوري في رحيل الرئيس السابق “بن علي” وتأمين مرحلة الانتقال الذي قادته الفعاليات السياسية والنقابية في البلاد؛ بعدما اختارت حماية المؤسسات وتأمين الانتخابات واحترام إرادة الشعب.. بما سمح بتجنيب البلاد الدخول في متاهات العنف.
 
 
وفي مصر؛ كان للمؤسسة العسكرية أيضاً دور أساسي في رحيل الرئيس «حسني مبارك» ودعم الاستقرار بالبلاد؛ ولا زال دوره قائماً فيما يتعلق بتدبير مرحلة ما بعد سقوط حكم الإخوان.. وتنطوي الحالة الليبية على تعقيدات كبرى؛بالنظر إلى أن البلاد كانت تفتقر إلى مؤّسسة عسكرية حديثة على عهد نظام «القذافي»؛ حيث أدت الكتائب العسكرية الموالية لهذا الأخير وأسرته دوراً خطيراً في الهجوم على الثوار؛ مما خلف أوضاعاً إنسانية كارثية، الأمرالذي عّقد كثيرا عملية التحول التي ازدادت خطورة مع تسرب الأسلحة وانتشارها بين مختلف الميليشيات والفصائل..
 
 
وفي سوريا واليمن ز جت الأنظمة بالجيوش في مغامرات خطيرة تحكّمت فيها اعتبارات وولاءات طائفية وقبلية وشخصية أحيانا؛ ساهمت في تعقد الأمور وتطورها نحو الأسوأ..
ولا تخفى المخاطر التي تحيط بالتجربة السورية؛ بالنظر إلى التكوين الطائفي للمؤسسة العسكرية وتداخل مهامه العسكرية مع السياسة، مما جعل منه آلية لخدمة الأجندة السياسية للنظام القائم؛ على مستوى مواجهة المعارضين والمحتجين بصورة أكثر عنفاً خلّفت تداعيات إنسانية كارثية..
 
 
تباينت المواقف بشأن الأدوار التي يفترض أن تتحملها المؤسسات العسكرية في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ السياسي لدول الحراك؛ بين من طالب بحيادها الكلي عن اللعبة السياسية والاستئثار بحماية أمن الدولة والأفراد وتأمين التحول السلمي نحو الديمقراطية؛ وبين من أكّد أهمية تدخلها، ولو بصورة مرحلية، لصّد مختلف التيارات والفصائل الهّدامة؛ وحماية الديمقراطية من الهيمنة والتحكّم والفوضى في مرحلة تتسم بضعف مختلف القنوات الوسيطة من أحزاب سياسية ونقابات.. وتؤكد الحالة العراقية خطورة انهيار مؤسسة الجيش في مجتمعات يطبعها التنوع المذهبي والثقافي..كما تبرز التجارب السياسية الدولية أن هذه المؤسسة لعبت أدوارا مرحلية بناءة في دعم الانتقال في عدد من الدول الديمقراطية الحديثة في كل من أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية..
 
 
إن المراهنة على الجيوش في هذه الفترة التي تمر بها العديد من دول المنطقة لا ينبغي أن يتجاوز حدود دعم المرحلة الانتقالية؛ عبر توفير الشروط اللازمة لبناء دول مدنية تتسع لمختلف التيارات والمكونات؛ علاوة على اعتماد الحوكمة الأمنية باعتبارها تمثل إحدى المرتكزات التي تحول دون حدوث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛ وإحدى العوامل التي تدعم شروط التنمية الإنسانية والممارسة الديمقراطي.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-04-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1128

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره