مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-03-01

المأزق الليبي بين الإرهاب والتدخل الدولي

 تحتضن ليبيا بين جنباتها إمكانات بشرية وطبيعيةمذهلة؛ على امتداد موقع استراتيجي متميز؛ لم ينعم بالاستقرار منذ رحيل نظام القذافي.ويبدو أن هناك العديد من الإشكالات التي أسهمت في تعقّد الوضع، فعلاوة عن الفراغ المؤسساتي المرتبط بغياب مؤسسات للدولة الحديثة؛ أحدث تسرّب الأسلحة إلى مختلف الفصائل والميليشيات؛ حالة من التوتر والانقسام داخل المجتمع؛ فيما استثمرت الكثير من الجماعات المسلحة التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغوطات دولية وإقليمية كبيرة؛ هشاشة الأوضاع الأمنية في هذا البلد المغاربي؛ لتتمدّد وتنتشر من جديد؛ بما يشكل تهديداً للمنطقة برمتها..
 
عمّت حالة من الأمل في الأوساط الليبية والدولية عقب مصادقة الفرقاء المتصارعين على اتفاق «الصخيرات» بالمغرب؛ بعد مفاوضات طويلة وشاقة؛وقد جاء الاتفاق في مرحلة وصلت فيها الأوضاع الليبية إلى حد لا يطاق من التوتّر؛ على المستوى الأمني والاجتماعي والسياسي..
 
فهذا الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة وخلّف ارتياحاً كبيراً في أوساط المجتمع الليبي بمختلف أطيافه؛ ورحبت به مختلف القوى الإقليمية والدولية؛ ينطوي على أهمية كبرى؛ بالنظر إلى مضمونه الذي يحرص على وحدة الصفّ الليبي وبناء المؤسسات بشكل تدريجي؛ ولكونه يجسد أرضية متينة وبداية توافقية لحل مستدام للأزمة.
 
غير أن هذه الآمال سرعان ما تبخّرت من جديد؛ بفعل التضارب الكبير الحاصل بين الفرقاء؛ بصدد تطبيق مقتضيات الاتفاق على أرض الواقع من جهة؛ وإصرار البعض على رفضها تماماً..
وأمام معادلة صعبة؛ أحد جوانبها يحيل إلى استمرار الارتباك والتوتر وما يتعلّقبه من صراعات وانقسامات مكلّفة؛ والآخر إلى وجود اتفاق بنّاء يمكن أن يشكل بداية لا نهاية لحل يسهم في بناء دولة تتسع للجميع، لم يعد رهان الاستقرار في ليبيا داخلياً فحسب؛ بل أضحى إقليمياًودولياً..
 
تؤكد التقارير الواردة من ليبيا حجم الاستياء الذي يشعر به المواطن بفعل تصاعد الاقتتال وتعقد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية؛ وغياب رؤية استراتيجية واضحة تخرج البلاد من مأزق الاضطراب الذي ظلت تعانيه على امتداد أكثر من خمس سنوات..
 
فيما أضحى البلد عرضة لنشاط الكثير من شبكات الهجرة السرية والتهريب بمختلف أشكاله؛ ووجهة مفضلة للكثير من الجماعات المسلحة التي استفادت بدورها من السلاح الليبي المسرّب ومن غياب سلطة مركزية قادرة على إقرار الأمن..
وأمام تصاعد المخاطر الجدّية التي تفرضها هذه التحديات الأمنية؛ تزايدت مخاوف الدول المغاربية ونظيرتها الأوربية بالضفة الشمالية للمتوسط من إمكانية استهدافها من قبل الجماعات المتطرفة التي تضم في صفوفها عدداً من المتشددين المنحدرين من بلدان المنطقة وغيرها؛ ولاسيما أنهذه الجماعات، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، تمكنت في الآونة الأخيرة من السيطرة على مناطق حيوية وغنية في البلادبعد التضييقات والضربات التي تلقتها في المدة الأخيرة داخل كل من العراق وسوريا..
 
إن تأخر الليبيين في تطبيق بنود اتفاق الصّخيرات ميدانياً؛ في إطار من التوافق والحوار والمحافظة على وحدة البلاد؛ يضع ليبيا بين خيارين كلاهما مرّ؛ أولهما؛ تهافت الجماعات المسلحة على المنطقة؛ بما يعنيه ذلك من إدخال البلاد في دوامة من التطرف والعنف، وثانيهما؛ إعمال تدخل عسكري تقوده بعض القوى الدولية الكبرى كإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة بذريعة وقف تمدّد «داعش» ومكافحة الإرهاب؛ وهو ما يعني في كلتا الحالتين إدخال ليبيا والمنطقة برمتها في متاهات غير محسوبة العواقب..
 
وأمام هذه المعطيات؛ تتحمل القوى الليبية مسؤولية تاريخية جسيمة تقتضيالحذر واليقظة واستحضار المصالح العليا لليبيا موحدة ومستقرة؛ خدمة للأجيال القادمة ولأمن المنطقة بعيداً عن الاعتبارات الضيقة الآنية.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1310

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره