مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-03-01

القوة النّاعمة وتمدّد الصّين

يتباين مفهوم القوّة في العلاقات الدولية تبعا لتعدّد المدارس الفكرية والنظرية؛ غير أن غالبيتها تربطه بالقدرة على التأثير في القرارات والآراء والسلوكيات الدولية.. وقد عرف هذا المفهوم تطورا كبيرا؛ بالموازاة مع مختلف التحولات شهدها العالم، فبعد أن ظلّ مقتصرا على العوامل العسكرية والجغرافية والبشرية، ثمّ الاقتصادية في مرحلة لاحقة، انضافت إليه عوامل أخرى أكثر حيوية وأهمية من قبيل اعتماد التكنولوجيا الحديثة واكتساب المعلومات؛ والحضور الدبلوماسي الدولي، وفعالية المؤسسات السياسية.
 
تؤكد الممارسة الدولية أن المواقف والسلوكيات الخارجية للدول؛ تظلّ بلا معنى؛ بل مجرّد شعارات لا قيمة لها من المنظور الاستراتيجي في غياب مقومات عسكرية ومالية وسياسية تدعمها ميدانيا...
ثمّة مجموعة من المؤثّرات والمحدّدات التي تتحكّم في قوّة حضور الدول وفعاليّة سلوكياتها على الصعيد الدولي. فعلى المستوى الداخلي؛ يمكن الإشارة –من منظور الجيوبوليتيكا- إلى حجم إقليم الدولة وتنوعه؛ ونفس الشيء عن عدد السكان وما ينطوي عليه من تنوع وكفاءات.. كما لا تخفى أهمية الاستقرار السياسي ودينامية المؤسسات؛ ووجود هامش من الحرية واحترام حقوق الإنسان في هذا الشأن.  
 
وعلى المستوى الخارجي؛ هناك العامل الاقتصادي بما يحيل إليه من صناعات متطورة في مستوى التنافسية الدولية؛ حيث تزايد حضور هذا المقوّم في محيط دولي متشابك مبني على تبادل المصالح..
كما أن التطورات التكنولوجية المذهلة؛ أفرزت واقعا دوليا جديدا؛ مع تزايد استثمار هذه الأخيرة في المجالات العسكرية والتواصلية مع المحيط الخارجي والتأثير في الرأي العام الدولي وتوجيهه..
 
تشير الممارسات الدولية إلى أن أهمية القوة العسكرية لا تكمن في مجرّد امتلاكها فقط؛ ولكن في حسن توظيفها في الأداء الدبلوماسي للدول؛ وفي المفاوضات المختلفة؛ وفي تحقيق السلم والأمن الدوليين أيضا..
تتوافر للصين مجموعة من المقومات والمؤهلات التي تجعل منها إحدى القوى الوازنة على الصعيد الدولي؛ فعلاوة على إمكانياتها البشرية الهائلة المتعلمة والمدرّبة؛ وشساعة مساحتها؛ يشهد هذا البلد تطورا اقتصاديا مذهلا ومتسارعا.. كما أنه 
يحظى بمكانة دولية متميزة من حيث استثمار وتطوير التكنولوجيا الحديثة واعتماد الطاقة المتجددة كاختيار استراتيجي؛ علاوة على إنجازاته على مستوى غزو الفضاء.. 
كما تتمتع الصين بحضور وازن داخل مختلف المؤسسات الدولية؛ بما يجعلها مؤثرة في مسارات العلاقات الدولية، فقد أسهمت في تأسيس مجموعة من هذه المؤسسات؛ كما هو الشأن بالنسبة للأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.. فيما حرصت على الانضمام لمؤسسات أخرى كمنظمة التجارة العالمية..
 
ثمة قناعة كبيرة لدى الكثير من الباحثين والمفكرين بأن القوة “الخشنة” في علاقتها بالمقومات العسكرية والزجرية الأخرى.. تبقى مكلفة وغير ناجعة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدول؛ وهو ما يطرح أهمية استحضار آليات القوة “الناعمة”؛ التي تقوم على الإغراء والإقناع بدل الإكراه والزجر.. واستثمار مختلف القنوات الثقافية والفنية والروحية والعلمية والمساعدات التقنية والإنسانية.. في التأثير على صناعة الرأي والقرارات الدوليين، وتشير الكثير من الدراسات إلى أن الفلاسفة الصّينيين كانوا أول من تناول هذا المفهوم وطالبوا بتوظيفه في سبيل تعزيز وبسط السلطة السياسية..
 
لقد نجحت الصين إلى حد كبير في توظيف عناصر القوة «الناعمة» في تأكيد حضورها الدولي؛ عبر استحضار آلية المساعدات الدولية وتشجيع التعاون العلمي والأكاديمي الدوليين؛ ودعم تواجدها الإعلامي من خلال إحداث عدد من القنوات والمنابر بلغات مختلفة؛ والمساهمة في تعزيز التعاون الدولي والإقليمي؛ فقد تمكنت من نسج اتفاق يقضي بإحداث بنك الاستثمار الآسيوي(AIIB)  بإمكانيات مالية تفوق 100 مليار دولار بمعية عدد من الأقطاب الاقتصادية الصاعدة كالهند وتايلاند وسنغافورة وماليزيا.. كإطار يدعم التنمية في المنطقة الأسيوية.. كما أنها لا تتوقف عن توظيف إمكاناتها المالية الضخمة في تعزيز استثماراتها الخارجية في مناطق مختلفة من العالم؛ حيث غزت بمنتوجاتها المختلفة الأسواق العالمية بفعل قدرتها التنافسية الكبيرة.
 
إن التطوّر المذهل الذي تشهده الصّين على عدة مستويات؛ يشكل أرضية متينة تدعم صعود هذا البلد كقطب دولي وازن؛ وبخاصة مع إخفاقات النظام الدولي «الجديد» الذي بشّرت به الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى السياسي والدبلوماسي والاقتصادي؛ والمقترنة بمجموعة من الأخطاء والتراجعات الأمريكية على عدة مستويات.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-03-01 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1108

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره