مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2016-07-12

العلاقات الدولية وأسطورة الأنسنة

قبل بضعة أسابيع (مايو 2016) انعقدت بمدينة إسطنبول التركية وبمبادرة من الأمم المتحدة؛ القمة العالمية الأولى حول العمل الإنساني؛ بمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات؛ ومجموعة من الأكاديميين وممثلي المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني..
 
 
شكل اللقاء مناسبة لمناقشة إمكانية تطوير السياسات العالمية على مستوى تقديم المساعدات الإنسانية ومواجهة الحالات الطارئة في هذا الصدد؛ وبلورة سبل أكثر نجاعة للتعامل مع مختلف الأزمات الإنسانية المتزايدة؛ وجعل العمل الإنساني منسجما مع التحديات والمخاطر الراهنة..
 
 
جاء انعقاد القمة في مرحلة تنامت فيها المعاناة الإنسانية على مختلف الواجهات.. من حيث انتشار النزاعات العسكرية على امتداد مناطق مختلفة من العالم وبالمنطقة العربية على وجه الخصوص؛ وتزايد حدّة الهجرة واللجوء تحت ضغط الحروب والصراعات الداخلية والكوارث الطبيعية.. وبحثا عن فضاءات أكثر أمنا واحتراما لحقوق الإنسان..
وتشير الإحصائيات الصادرة عن الأمم المتحدة إلى أن حوالي 218 مليون شخص يعاني سنويا من الكوارث الطبيعية التي تترتب عنها كلفة باهظة على الاقتصاد العالمي تتجاوز ثلاثمائة مليار دولار؛ فيما تظل النزاعات العسكرية مسؤولة عن أكثر من 80 بالمائة من الأزمات الإنسانية المنتشرة في العالم..
ورغم أهمية اللقاء الذي نفض غبار النسيان عن قضية حيوية تهم الإنسانية جمعاء؛ إلّا نتائجه جاءت دون المستوى؛ وأقل بكثير مما كانت تنتظره مختلف المنظمات الدولية..
 
 
  عند تأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945 في أعقاب حربين عالميتين مدمرتين؛ كان الهاجس الإنساني حاضرا ضمن الميثاق الأممي الذي جعل من أهم أهداف المنظمة حماية حقوق الإنسان.. وأحدث مجلسا اقتصاديا واجتماعيا كجهاز أممي يدعم حفظ السلم والأمن الدوليين وقائيا عبر تنمية الإنسان ومحيطه..
رغم أهمية التشريعات والمواثيق الدولية الداعمة لاحترام حقوق الإنسان في فترات السلم والحرب؛ والتي يجسدها الميثاق الأممي ومقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني؛ في علاقة ذلك بحماية المدنيين وتقديم المساعدات لضحايا المنازعات المسلحة والكوارث الطبيعية واحترام حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء.. فإن الواقع الدولي يؤكد حجم التهميش الذي يطال القضايا الإنسانية ضمن أجندة السياسات الدولية التي تترجمها قرارات مجلس الأمن ومواقف وسلوكات القوى الدولية الكبرى.. في مقابل أولوية القضايا الاقتصادية والعسكرية والسياسية..
 
 
بعدما أرخت الحرب الباردة بظلالها القاتمة على العالم زهاء نصف قرن؛ وطغت الصراعات الإديولوجية والعسكرية والاقتصادية.. بين القطب الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية؛ ونظيره الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي (سابقا)؛ وأهدرت الجهود والفرص في استقطاب الدول وسباق التسلح.. ممّا أسهم في شلّ مهامّ الأمم المتحدة ذات الصلة بحفظ السلم والأمن الدوليين؛ وتهميش مجموعة من الأولويات الدولية كقضايا التنمية وتلوث البيئة ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان.. وعمّق المعاناة الإنسانية في عدد من المناطق؛ وكرّس صورة عالم متناقض يتجاذبه شمال يعيش أوج الرّفاه؛ وجنوب يصارع من أجل البقاء..
 
 
عندما انتهت الحرب الباردة برحيل الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي؛ ساد مناخ من الأمل في الأوساط الدولية؛ بعدما تحرّرت الأمم المتحدة وبدأت تلتفت إلى قضايا ومخاطر دولية جديدة؛ أصدر مجلس الأمن بصددها الكثير من القرارات عكست توجهات جديدة في مسار المنظمة؛ وبرز معها التدخل الإنساني والتدخل البيئي والتدخل الديمقراطي..
لكن؛ سرعان ما تبددت الأحلام؛ مع تصاعد الصراعات والحروب الداخلية التي خلفت مآس إنسانية؛ وفشل المقاربات الأممية الزجرية التي اتسمت بالانحراف تارة والانتقائية تارة أخرى؛ فيما خلفت الضغوطات الأممية على بعض الدول (فرض الحصار على العراق وليبيا..) تداعيات إنسانية خطيرة.. وكشفت تطورات قضية اللجوء في الفترة الأخيرة تغييبا كليا للبعد الإنساني في التعاطي مع الظاهرة على حساب الهاجس الأمني..
 
 
يبدو أن الطريق ما زال طويلا أمام المجتمع الدولي لترسيخ علاقات دولية بحسّ إنساني؛ تدعم تحقيق التنمية؛ وتوازن بين تحقيق الأمن من جهة؛ واحترام كرامة الإنسان من جهة أخرى..
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق
يوم ساعة دقيقة ثانية

تصفح مجلة درع الوطن

2017-04-03 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2014-12-20
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1130

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره