مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2017-07-06

التحديات الاستراتيجية:كيفية الحفاظ على التحالفات

يتطلب أي تنفيذ فعال للاستراتيجيات الوطنية القدرة على التكيف وفهم حركة الديناميكيات الإقليمية واستيعابها. واليوم تجد منطقتنا نفسها في مواجهة تحديات استراتيجية في عدة دول. وحتى إن كانت الأهداف الوطنية واضحة وضوح الشمس فإن القدرة على تكثيف وتكتيل الجهود المتعددة الجنسيات على المستوى الاستراتيجي تظل تشكل تحديا صعبا في حقيقة الأمر. وربما كانت الأزمة الحالية مع دولة قطر مثالا ساطعا على صعوبة التحدي المتمثل في كيفية الحفاظ على تحالفات قوية.
 
يعلمنا التاريخ أن الهدف من التحالفات هو تعزيز المصالح القومية للدولة، وتكريس ردود أفعال منسقة في حالة تعرض أي دولة عضو في هذا التحالف للخطر، حيث تسعى كل دولة إلى تحقيق أقصى حماية ممكنة لنفسها ضد التهديدات التي تشنها أطراف دولية أكثر منها قوة، وذلك عن طريق التحرك كمجموعة واحدة. وبالرغم من هذا، يدور جدل ساخن حول مدى أهمية التحالفات، بما في ذلك صلابتها وقدرتها على التكيف، نظرا لتخلي الدول الأعضاء في التحالف عن جزء من سيادتها أيضا. وقد شهدت منطقة الشرق الأوسط محاولات عدة لبناء تحالفات عبر سنوات القرن الماضي، مثل مجلس الدفاع المشترك التابع للجامعة العربية، وحلف بغداد، ثم مجلس التعاون لدول الخليج العربي.
وقد كانت ولادة الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عن شبه الجزيرة العربية نتيجة طبيعية في أعقاب قيام الثورة الإيرانية واندلاع الحرب الإيرانية-العراقية. وتجمع كافة الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي هوية سياسية ودينية وثقافية واحدة ولكن هذا لم يحُل دون اعتمادها سياسات مختلفة. 
 
 
لقد ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وغيره في اتجاه تشكيل "ناتو عربي" لمواجهة الإرهاب والتصدي للمد الإيراني، وهو ما يمكن أن يعزز دور مجلس التعاون الخليجي عن طريق اتخاذ كافة الدول الأعضاء قرارا موحدا في بعض الحالات المعينة التي تخص الاعتداء الخارجي بالدرجة الأولى.  كما أن قيام ناتو عربي بدعم أمريكي يمكن أن يدفع بقوات في المناطق ذات الأغلبية السنية البعيدة عن نيران الحرب في سوريا، ويمكن الولايات المتحدة من المحافظة على وجودها الإقليمي ضد إيران.
 
 
ولكن قطر، لسوء الحظ، شكلت مؤخرا تهديدا لوحدة مجلس التعاون الخليجي بإصرارها على دعم الإرهاب وتدخلها في الشؤون الداخلية الخاصة بالدول المجاورة لها، فضلا عن استخدامها قناة "الجزيرة" كمنبر للهجوم ضد خصومها. كما أقامت قطر علاقات مرفوضة مع حزب الله وأعلنت دعمها ل "حماس" بكل صراحة. وأدت تلك التصرفات، التي أثارت حفيظة بقية شقيقاتها الأعضاء في مجلس التعاون، إلى دخول قطر في نفق، لينتهي الأمر بإعلان تسع دول، منها السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة.
 
 
ومما لا شك فيه أن مجلس التعاون الخليجي وأي ناتو عربي مستقبلا سيستفيد إذا أبدت قطر المرونة والتعاون المطلوبين، لذلك لابد أن نوازن بين انصياع قطر وتكريس التعاون العسكري على مستوى مجلس التعاون ككل، ومن المفترض أن تؤدي الوساطة الكويتية أو الأمريكية إلى تطوير آلية ما لكبح جماح قناة "الجزيرة" وإقناع الدوحة بوقف دعمها لإيران ووقف دعمها ل "حزب الله" و "حماس" وتنظيم "الإخوان المسلمين"، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بوصفها خطوات ضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي مستقبلا والحفاظ على تماسك مجلس التعاون.
 
 
واليوم، تقف المنطقة على مفترق طرق خطير، حيث تشكل إيران والجماعات الإرهابية والمليشيات الطائفية في اليمن والحرب الناشبة في سوريا تحديات مصيرية بالنسبة لمجلس التعاون، الأمر الذي يجعل الوحدة أمرا حتميا أكثر من أي وقت مضى. وعلى قطر أن تدرك أن قوتها لن تزيد بزعزعة أمن واستقرار مجلس التعاون، وأن تدرك أيضا أن أمنها محال دون أمن الخليج ككل. فالتحالفات تحقق ما لا يمكن للتحركات المنفردة أن تحققه ولكن إدارة هذه التحالفات يشكل تحديا صعبا أمام دول مجلس التعاون. ومن المؤكد أن دولة الإمارات تربطها مصالح مشتركة بكل دول مجلس التعاون، كما أن موقفها الصارم المتزن تجاه قطر يعكس أهمية سياسة العصا والجزرة في إدارة العلاقات الدولية، وتلك مهارات سيحتاج كافة القادة الاستراتيجيين إليها خلال العقود القادمة.
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-11-09 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2012-05-01
2016-11-03
2015-12-01
2017-03-08
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1306

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره