مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2013-12-01

التجسس والأخلاق السياسية

أعتقد أن مسألة غضب بعض حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الذين تعرضوا للتجسس على قادتهم الأوروبيين وردود الفعل الرسمية التي قامت بها بعض الدول: مثل البرازيل، عندما هددت بإلغاء صفقة أسلحة، ينبغي ألا نأخذها على محمل الجد. وأظن أن هناك كثيرين في العالم، ولاسيما  الدول التي تم التجسس عليها، يتفقون معي على اعتبار أن كل الاحتمالات واردة في السياسة.
 
في بريطانيا أُخذ على رئيس وزرائها ديفيد كاميرون بأن رد فعله لم يكن بحجم القضية، بل إن تبريره لما قامت به الولايات المتحدة أثار غضباً من صحف اليمين التي رأت في ردة فعل فرنسا مثالاً يحتذى. وقد أُرجعت المسألة لأسباب لها علاقة بطبيعة الحزب الحاكم، ففي فرنسا حزب يميني، وكذلك في البرازيل وألمانيا. لكن الصورة العامة التي يمكن استخلاصها هي أن البريطانيين لم يكترثوا كثيراً بما تم كشفه إعلامياً؛ على اعتبار أن ذلك يمثل حادثة للاستهلاك الإعلامي، فُتحت في هذه اللحظة من الزمن وسوف تغلق ليعاد فتحها مرة أخرى في المستقبل حتى لو بانت لنا بأنها جادة.
 
لولا الإعلام الذي عودنا على فرض أشيائه على الناس لكانت اهتماماتهم غير متعلقة بهذا الموضوع وبهذه الطريقة. فبحسب اعترافات مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية؛ جيمس كلابر؛ في أثناء استجوابه في مجلس النواب، فإن التجسس على القادة هو الدرس الأول الذي يتعلمه من يمتهن هذه المهنة، وأعتقد أن ثمة منطقاً في كلامه. ويضيف أن تحليل أقوال القادة ومطابقة أفعالهم مع أقوالهم أمر معتاد خاصة بين الحلفاء. إذاً الموضوع لا يحتاج إلى كل هذا الاحتجاج والضجيج. و يضيف كلابر أن معرفة نيّات القادة تمثل أولوية لدى أجهزة المعلومات الاستخباراتية، وبالتالي فإن "علم المطابقة" يدرس منذ زمن. 
 
أتفق مع الذين اعتبروا قضية التجسس فيلماً سياسياً، وخاصة أنه لدينا بعض القصص التي تناولتها الأفلام العربية. وأعتقد أن كلنا نتذكر فيلم "زوجة الوزير" الذي قام ببطولته الممثل الراحل أحمد زكي، الذي كان يقوم بدور الوزير الذي يكتب تقارير عن زوجته للأجهزة ويزود جهاز الاستخبارات بها. وعلى المستوى الواقعي لدينا تجارب وقصص حقيقية كانت تنقل عن أن بعض أجهزة الاستخبارات العربية كانت تجند أفراد العائلة بعضهم ضد بعض. وقصص أنظمة صدام حسين وبشار الأسد ومعمر القذافي خير دليل. نحتاج فقط إلى أن نسقط أحياناً تجاربنا الشخصية على المؤسسات، باعتبار أن الذي يدير المؤسسة هم أشخاص، وبالتالي يمكن أن يفعلوا ما نعتقد أنه لا يمكن أن يحدث!.
 
حين نقرأ مثل هذا الخبر ندرك أننا لم نعد في عصر "سرية المعلومات"، والمتباهون بأنهم يمتلكون الأسرار هم أكبر مسرب لها. مساحة "التكتم" بدأت تضيق، وبالتالي فإن الخصوصية الوطنية أو الشخصية بدأت تُفقد أحياناً بمعرفتنا ورغبتنا، وأحياناً لأن الزمن تغير. وإذا كان هناك من امتلكته الدهشة من تصرف الاستخبارات الأمريكية، فعليه أن يعرف أن السياسة لا تعرف الأخلاق، ليس مع الحلفاء البعيدين فقط، ولكن حتى مع الحلفاء القريبين. كان ممكناً أن نتقبل التجسس على حليف مثل تركيا أو اليابان، ولكن أن تكون ألمانيا وفرنسا مستهدفة، فهنا الاستغراب، والتجارب دائماً تقول إن مفاجآت السياسة لن تنتهي.
 
بالمقاييس السياسية؛ إن أردنا أن نتعاطف مع رد فعل الدول التي أحست بأنها صدمت من حليف استراتيجي فإنني أعتقد أننا سنكون أقرب إلى شهداء الزور في قضية "شبه عادلة" أو أنها على الأقل معروفة تفاصيلها. وسيكون ما نفعله أننا نحاول إرضاء أنفسنا بأن هناك أخلاقاً في السياسة، ولكننا لا نريد أن نعترف بالواقع .
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-07-05 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2017-06-12
2015-11-01
2015-12-01
2015-12-01
2014-11-11
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1175

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره