مجلة عسكرية و استراتيجية
تصدر عن مديرية التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة
الإمارات العربية المتحدة
تأسست في اغسطس 1971

2012-07-01

الإمارات والاستثمار في "القوة الناعمة"..!

أنا من الذين يؤكدون على ضرورة استمرار الإمارات في تقديم المساعدات الإنسانية لمختلف شعوب العالم كي تحافظ على علاقاتها السياسية في المحافل الدولية، ومن أجل أن تحافظ على قوتها الدبلوماسية، وأعتقد أن الإمارات خلال الأعوام القليلة الماضية استطاعت أن تحقق الكثير من الإنجازات الدبلوماسية، وكانت المساعدات وبصمتها الإنسانية أحد الأسباب الرئيسية في أن تكون دولة المقر للوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إرينا"، عندما استطاعت أن تتفوق على دول كبرى، مثل ألمانيا.
المساعدات الإنسانية في عالم اليوم هي المحرك الأساسي في تواجد الدول الكبرى في مناطق جغرافية مختلفة من العالم؛ دولة مثل الصين المعروف عنها انطواؤها على الداخل الصيني وعدم اهتمامها بالسياسة الدولية بعيداً عن إقليمها الجغرافي، هي اليوم تتواجد في العديد من مناطق العالم، بل إنها تكاد تسيطر على إحدى أهم قارات العالم؛ أفريقيا، وتكسب قلوب وعقول شعوب هذه الدول بفضل المساعدات الضخمة، وتمثل تهديداً للنفوذين الفرنسي والأمريكي هناك.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن المساعدات الإنسانية ليست عبئاً على ميزانيات الدول كما يعتقد البعض، فقد بات يخصص لها بند سنوي في ميزانيات كل دولة بعد أن أدركت ما تفعله "القوة الناعمة" من تأثيرات إيجابية في مقابل حجم الخسائر التي يمكن أن تتسبب فيها "القوة الخشنة"، لا يمكن اعتبار ما تنفقه الدول من أرقام هدراً للأموال، في عالم الكل يسعى فيه لتحقيق استثمارات اقتصادية، وبعد تغير الأساليب والأدوات، وتسير تركيا اليوم على نهج الصين في كثير من بقاع الأرض، وآخرها في الصومال عندما ذهب طيب الدين إردوغان ومعه عدد من وزرائه وتواصل مع الشعب الصومالي من أجل تقديم المساعدات الإنسانية، وقد حقق سبقاً في ذلك، وكان قد فعلها قبل ذلك في "غزة"، والكل يعرف حجم المردود الاقتصادي الذي حصلت عليه تركيا بعد أن أصبحت وجهة سياحية عالمية.
ينبغي أن يدرك هذه الصورة من لا يستريحون للمساعدات التي تقدمها الإمارات للخارج، ويطالبون بمراجعة سياسة المساعدات، ما أريد قوله إن اقتصار النظرة على أن المساعدات الإنسانية هي عبارة عن عطايا ومنح فقط أمر فيه قصور في تفسير أبعادها الحقيقية، هناك كثافة دولية للوجود الإنساني والتنموي في حل المشكلات الإنسانية باعتبارها إحدى الأدوات الفاعلة في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، وإلا فلمَ أنفقت دولة مثل اليابان أو ألمانيا مليارات الدولارات؟.
يمكنني أن أستشهد بكثير من المساعدات الإماراتية في دول العالم المختلفة، وأن استعرض أرقاماً كبيرة إذا أردت، ولكن الذي أثارنا هنا ذلك المشروع الإماراتي في باكستان وحجم ردود الأفعال لدى المجتمع الباكستاني وما يمكن أن يتركه من رصيد اجتماعي وسياسي لديه؛ فالصورة التي نقلتها لنا وسائل الإعلام المحلية أثناء تدشين "جسر الشيخ خليفة" في إقليم سوات تبدو جميلة خاصة عندما نجد تواصل الإماراتيين مع الشعب الباكستاني الذين سيستفيدون أيضاً من العمل في هذا المشروع الممتد لسنوات قادمة، وهذا دليل على أن مبادرات الإمارات لابد أن تكون كاملة؛ التمويل والإشراف إماراتي، والعمالة باكستانية، والمواد الخام باكستانية أيضاً، فتحريك اقتصاد كهذا يكفي لأن تـُرسم الصورة الجميلة في مخيلة الشعوب عن دور الإمارات السياسي، وستخلق لنفسها قاعدة شعبية في باكستان وغيرها من دول العالم، وهذا يعتبر رصيداً واستثماراً سياسياً لها.
المساعدات هي "رصيد" الإمارات من القوة الناعمة، وما تعمله في باكستان وغيرها هو "الاستثمار في هذا الرصيد" وهنا - كما أعتقد - مكمن "الإبداع الخلاق".
 


ارشيف الكاتب

اضف تعليق

Your comment was successfully added!

تعليقات الزوار

لا يوجد تعليقات

اغلاق

تصفح مجلة درع الوطن

2017-05-02 العدد الحالي
الأعداد السابقة
2016-12-04
2014-06-01
2016-12-04
2014-02-01
2015-11-01
2015-12-01
2014-11-11
2015-12-01
.

استطلاع الرأى

مارأيك في تصميم موقع درع الوطن الجديد ؟

  • ممتاز
  • جيد جداً
  • جيد
عدد التصويت 1154

مواقيت الصلاه

  • ابو ظبي
  • دبي
  • الشارقه
  • عجمان
  • ام القيوين
  • راس الخيمة
  • الفجيره